قراءة في ملف "اثنينية الدواليبي": تكريم عالم في رحاب الثقافة السعودية. قراءة تحليلية شاملة . مقدمة: الملف وسياقه يقدم لنا الأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، هذه الوثيقة الثقافية والتاريخية الفريدة، التي توثق إحدى أمسيات برنامج "الاثنينية" الثقافي الشهير. وقد تفضل مشكوراً بتقديم النسخة الإلكترونية من هذا الملف، الذي يحمل عنوان "تكريم دولة الرئيس الدكتور محمد معروف الدواليبي"، ويشير تاريخه إلى 26 شوال 1412هـ الموافق 2 ديسمبر 1991م. "الاثنينية" لم تكن مجرد ندوة عابرة، بل كانت مؤسسة ثقافية بامتياز، أسسها ورعاها الأستاذ عبد المقصود خوجة في جدة، واستضافت عبر سنواتها نخبة من أعلام الفكر والعلم والأدب في العالم العربي والإسلامي. وقد كان تكريم الدكتور الدواليبي فيها حدثاً ثقافياً بارزاً، يعكس مكانة هذا العالم الجليل، ويوثق لحظة مهمة من لحظات التفاعل الثقافي في المملكة العربية السعودية. يمتاز هذا الملف عن سائر مؤلفات الدواليبي بأنه ليس عملاً علمياً مؤلفاً بقلمه، بل هو توثيق لأمسية تكريمية، جمعت كلمات عدد من الشخصيات البارزة، ثم كلمة الدواليبي نفسه التي ألقاها في ختام الأمسية. هذا الاختلاف في الطبيعة يضفي على الملف خصوصية، حيث نرى الدواليبي في صورة مختلفة: ليس العالم المحاور في ندوة دولية، ولا الأكاديمي المنظّر في محاضرة، بل الرجل الذي يستحي من التكريم، ويتحدث بصراحة عن ذكرياته ومواقفه السياسية. الكلمة الافتتاحية: تكريم عالم رباني افتتح الأستاذ عبد المقصود خوجة الأمسية بكلمة أشاد فيها بمسيرة الدواليبي العلمية والحافلة، مشيراً إلى حصوله على ثلاث شهادات ليسانس في وقت كانت فيه هذه الشهادة تعد من أرفع الدرجات العلمية. فقد حصل الدواليبي على ليسانس الحقوق من جامعة باريس، وليسانس الآداب من جامعة دمشق، وليسانس الحقوق من جامعة دمشق أيضاً، وهو ما رأى فيه خوجة دليلاً على نبوغه المبكر وحرصه على التحصيل. كما أشار خوجة إلى أن الدواليبي بدأ حياته منذ أوائل شبابه بروح وطنية عارمة، وبدلاً من أن يكتفي بشهادة واحدة ويتجه للعمل، حرص على نيل ثلاث شهادات، مما جعله شخصية غير عادية، استنهضت همتها منذ البواكير، وتأججت فيها روح العلم والمعرفة. وتلت كلمة الافتتاح كلمات لعدد من الشخصيات، من بينهم الدكتور عبد الله عمر نصيف، والشيخ محمد علي الصابوني، والأستاذ حسن عبد الله القرشي، والأستاذ محمد علي دولة، إضافة إلى قصيدة ألقاها الشيخ ضياء الدين الصابوني. وقد تنوعت هذه الكلمات بين الثناء على علم الدواليبي وفضله، والإشادة بمواقفه الوطنية والقومية، واستذكار محطات من مسيرته الحافلة. كلمة الدكتور الدواليبي: العالم الإنسان التواضع والاستحياء: سمة العلماء الربانيين بدأ الدواليبي كلمته بعبارة تكشف عن شخصيته المتواضعة، فقال: "لا أدري من أين أبدأ؛ لقد قلت واعترفت في مقدمتي بأني مجهول، فأصبحت معروفاً في هذه الجلسة". هذه الجملة تحمل في طياتها أكثر من معنى: فهي تعبير عن تواضع العالم الذي لا يرى نفسه أهلاً للتكريم، وهي أيضاً لفتة ذكية إلى اسمه "معروف" الذي تحول من نعت إلى علم بفضل هذا التكريم. ثم أضاف مستكملاً هذه الروح المتواضعة: "وأنا الآن في جدة، تتزاحم في هذه اللحظة التي لم أكن أفكر فيما سيطلب مني... وأنا والله أستحي منها". هذا الاستحياء ليس تكلفاً، بل هو سمة ملازمة للعلماء الربانيين الذين يزدادون تواضعاً كلما ازدادوا علماً. وقد لمسنا هذه السمة أيضاً في كتابيه السابقين، حيث كان حريصاً على شكر الوفد الأوروبي على صراحته، والاعتراف بفضل الآخرين. لكنها هنا تظهر بشكل أكثر شخصية وحميمية، إذ هي موقف تكريم مباشر، وليست مناسبة علمية بحتة. بين العلم والسياسة: شاهد على العصر بعد هذا التواضع الجميل، انتقل الدواليبي إلى الحديث عن ذكرياته السياسية، وكأنه يريد أن يرد الجميل للحاضرين بأن يقدم لهم ما لا يعرفه كثيرون من أسرار التاريخ. قال: "فلا بأس من أن أوجز قصتي مع المرحوم الحاج أمين الحسيني". هنا تبدأ رواية مثيرة، تضعنا في قلب الأحداث الكبرى التي شهدها القرن العشرون. يروي الدواليبي أنه كان في باريس للتخصص في الدكتوراه في فترة حرجة من تاريخ المنطقة، وكان على اتصال وثيق بالقضية الفلسطينية. وكشف عن دور لم يكن معروفاً على نطاق واسع، وهو مشاركته في تهريب الشيخ أمين الحسيني من فرنسا، حيث كان في موقع يمكنه من تقديم العون والمساعدة للقضية الفلسطينية في لحظة حساسة من تاريخها. هذه الرواية تضيف بعداً جديداً لشخصية الدواليبي، فإلى جانب كونه عالماً ومفكراً ودبلوماسياً، كان أيضاً رجلاً موقفاً، حاضراً حيث تقتضي المسؤولية الوطنية والقومية. وقد أشار الدواليبي إلى أن هذه القضية "لا يعرفها أحد"، مما يعكس طبيعة العمل الوطني والنضالي الذي كان يجري خلف الكواليس، بعيداً عن الأضواء. وهي أيضاً تكشف عن الجانب الإنساني والنضالي للدواليبي، الذي لم يكن مجرد أكاديمي منعزل، بل كان منغمساً في قضايا أمته الكبرى. قراءة التحولات العالمية: نهاية الحرب الباردة من ذكريات الحرب العالمية الثانية، يقفز الدواليبي إلى تحليل الأحداث المعاصرة التي شهدها العالم في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وهي فترة مفصلية تميزت بانهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة. يشير الدواليبي إلى مؤتمر باريس الذي عُقد في نوفمبر 1990، والذي اعتبر الشرق الأوسط جزءاً من الأمن الأوروبي. يقول: "اجتمعوا في شهر نوفمبر من السنة الماضية سنة 1990م في مؤتمر باريس، وقرروا – من أجل الأمن الأوروبي – اعتبار الشرق الأوسط جزءاً منه، وانضمت إلى حماية هذا الشرق الأوسط ضمن قواعد الأمن الأوروبي، وقالوا نلتزم بالحرية والديمقراطية والشرعية الدولية، وعلى أساس أن الشرق الأوسط هو جزء من الأمن الأوروبي، لأنه يحتوي على شريان الحياة: البترول". هذا التحليل يعكس نظرة ثاقبة للدواليبي، حيث يقرأ الأحداث الدولية بمنظار واقعي، ويدرك أن التحولات العالمية لم تكن مجرد تغييرات شكلية، بل كانت إعادة هيكلة للتحالفات والمصالح. ثم ينتقد ازدواجية المعايير الغربية، فيلاحظ أن المبادئ التي طُبقت في أزمة الخليج لتحرير الكويت لم تُطبق على إسرائيل، ويقول: "تحررت الكويت؛ كان من الواجب بعد تطبيقه على أزمة الخليج أن يطبق على إسرائيل، ولكن الموازين التي كنا نعرفها انقلبت بين عشية وضحاها". الجمهوريات الإسلامية السابقة: بين الاستقلال والانضمام وفي سياق رده على سؤال عن التحولات الكبرى التي شهدها العالم مع انهيار الاتحاد السوفيتي، تطرق الدواليبي إلى وضع الجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد، وكشف عن معلومات مثيرة تتعلق بموقف القيادة السوفيتية نفسها من هذه القضية. وكان الدواليبي يتحدث هنا بصفته رئيساً لمؤتمر العالم الإسلامي، وهي منظمة إسلامية دولية كانت تعنى بالقضايا الإسلامية الكبرى، مما أضفى على كلمته وزناً خاصاً، فهو لم يكن مجرد أكاديمي أو دبلوماسي، بل كان يمثل هيئة إسلامية عالمية. قال: "أنا شخصياً عندما ذهبت في 1987م بدعوة من السوفييت من أجل القضية الأفغانية، وقال شيفرنادزة: نحن نريد أن نقيم دولة إسلامية، ونريد أن نعطيكم الدول الإسلامية الأخرى، لتنضم إلى منظمة المؤتمر العالمي الإسلامي؛ فدهشت من هذا التحرر لدى السوفييت أنفسهم، ولذلك وجدنا – الآن – يقرون إقامة اتحاد ما بين الدول المستقلة من جميع دول الاتحاد؛ ومن حسن الحظ أن بعض الدول الإسلامية تريد أن تستقل استقلالاً كاملاً، غير أن بعضها قررت أن تبقى ضمن الاتحاد.. ولكنها مستقلة؛ ونشرت البرقيات – منذ أسبوع – أن الدول الإسلامية كلها طلبت أن تحضر بصفة مراقب مؤتمر منظمة الأمم الإسلامية في داكار، وسمح لها." ولم تكن زيارة الدواليبي للاتحاد السوفيتي مجرد لقاء عابر، بل كانت حملة دبلوماسية وعلمية متكاملة. ففي حواره مع المسؤولين السوفييت، قال لهم بكل صراحة وحكمة: "من مصلحتكم الانسحاب من أفغانستان، لأنكم تعادون العالم الإسلامي كله من أجل أفغانستان، وليس الشعب الأفغاني فقط. ومن مصلحتكم إقامة علاقات مع العالم الإسلامي". وكان لهذا الحوار وقع كبير لدى السوفييت، الذين بدأوا يعيدون حساباتهم إزاء الحرب الأفغانية التي استنزفتهم عسكرياً واقتصادياً، وإزاء علاقتهم بالعالم الإسلامي الذي كانوا في صراع معه. هذه الفقرة تحمل في طياتها عدة دلالات مهمة: الدلالة الأولى – مكانة الدواليبي الدولية: استقبال السوفييت للدواليبي بصفته رئيساً لمؤتمر العالم الإسلامي، ومناقشتهم معه قضايا مصيرية كأفغانستان، يعكس المكانة الدولية التي كان يتمتع بها، وثقة القوى الكبرى به كشخصية محايدة وعالمية يمكنها أن تكون جسراً للتواصل مع العالم الإسلامي. الدلالة الثانية – فطنة الدواليبي السياسية: نصيحته للسوفييت بالانسحاب من أفغانستان كانت قراءة ثاقبة للموقف. فالاتحاد السوفيتي كان يعاني من حرب استنزاف في أفغانستان استمرت قرابة عشر سنوات، وأثقلت كاهله عسكرياً واقتصادياً، وكان من أكبر الأسباب التي ساهمت في انهياره لاحقاً. تحليل الدواليبي بأن السوفييت "يعادون العالم الإسلامي كله من أجل أفغانستان" كان دقيقاً، لأن الحرب الأفغانية كانت قد استقطبت متطوعين من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وحولت أفغانستان إلى قضية إسلامية كبرى. الدلالة الثالثة – التحول السوفيتي غير المتوقع: الدواليبي يعترف بدهشته من هذا "التحرر" لدى السوفييت أنفسهم. فالاتحاد السوفيتي الذي كان يمثل الإيديولوجيا الشيوعية المناوئة للدين، أصبح هو من يقترح إقامة دولة إسلامية! هذا التحول يعكس عمق الأزمة التي كان يعيشها الاتحاد في أواخر الثمانينيات، ومدى اليأس الذي وصلت إليه القيادة السوفيتية في محاولتها استرضاء الجمهوريات الإسلامية ومنع انفصالها الكامل. الدلالة الرابعة – التمييز بين "الاستقلال" و"الانضمام": يلاحظ الدواليبي بدقة أن بعض الدول الإسلامية أرادت الاستقلال الكامل، بينما فضلت أخرى البقاء ضمن الاتحاد مع الاحتفاظ باستقلالها الداخلي. هذا التمييز مهم لأنه يعكس واقعاً سياسياً معقداً: فالدول التي فضلت البقاء كانت تدرك أن الانفصال الكامل قد يؤدي إلى صراعات داخلية أو ضعف اقتصادي، بينما الاستقلال الاسمي مع بقاء الروابط الاتحادية قد يوفر قدراً من الاستقرار. الدلالة الخامسة – الانفتاح الدولي على العالم الإسلامي: إشارة الدواليبي إلى أن الدول الإسلامية طلبت حضور مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي في داكار بصفة مراقب، وأن ذلك سُمح لها، يعكس تحولاً كبيراً في السياسة الدولية. فبعد عقود من العزلة والتبعية للاتحاد السوفيتي، أصبحت هذه الدول قادرة على الانفتاح على العالم الإسلامي والمشاركة في مؤسساته. الدلالة السادسة – نظرة الدواليبي المستقبلية: لم يكن الدواليبي مجرد ناقل للأحداث، بل كان يحلل ويقرأ المستقبل. ففي رؤيته، كان هذا التحول يمثل "تطوراً كبيراً يسمح للإسلام بأن يكون هو وحده الذي يمكن أن تنبعث عنه الفكرة العالمية". هذا التفاؤل يعكس إيماناً عميقاً بأن انهيار الإيديولوجيات الوضعية (الرأسمالية والشيوعية) سيخلق فراغاً لا يمكن ملؤه إلا بالإسلام كنظام عالمي إنساني. الدلالة السابعة – القضية الأفغانية كمدخل: ذكره للقضية الأفغانية في هذا السياق ليس عابراً. فالدواليبي كان مشاركاً في الجهود الدولية لخدمة القضية الأفغانية، وكان يرى أن المقاومة الأفغانية كانت نموذجاً للصمود الإسلامي أمام قوة عظمى. وأن الاتحاد السوفيتي، بعد هزيمته في أفغانستان، اضطر إلى مراجعة حساباته مع الإسلام والمسلمين. وكان لحواره مع السوفييت وقع كبير، لأنه جاء من رجل كان ينظر إليه كصوت معتدل وموثوق يمثل العالم الإسلامي. تأكيد رسالة الإسلام: النظام العالمي البديل في ختام كلمته، يعود الدواليبي إلى رسالته الأساسية التي ظل يحملها طوال حياته: أن الإسلام هو النظام الوحيد القادر على إنقاذ العالم من صراعاته. يقول: "نجد أن هناك تطوراً كبيراً، يسمح للإسلام بأن يكون هو وحده الذي يمكن أن تنبعث عنه الفكرة العالمية، لأن الإسلام – منذ جاء قبل أربعة عشر قرناً – إنما جاء إثر حروب ما بين العملاقين – في ذلك الوقت – فارس والروم؛ وأشار إلى ذلك القرآن الكريم: غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون." ثم يشير إلى سورة البروج، ويربط بين ما ورد فيها من قصة "أصحاب الأخدود" وبين الأحداث التاريخية في اليمن، حيث حرق يهود اليمن ثلاثين ألفاً من النصارى، مما أدى إلى تدخل الأحباش والروم، ثم تدخل الفرس، لتنشأ حرب عالمية بين العملاقين. يرى الدواليبي في هذه القراءة التاريخية أن اليهود كانوا عنصر إشعال للحروب عبر العصور، وأن الإسلام جاء ليضع حداً لهذا الصراع، وليدعو إلى السلام والتعارف بين البشر. الجانب السياسي في الأمسية: قراءة في التاريخ والتحولات قصة الحاج أمين الحسيني والدواليبي: موقف وطني نادر رواية الدواليبي لدوره في تهريب الشيخ أمين الحسيني من فرنسا تستحق وقفة متأنية، فهي تكشف عن عدة أبعاد مهمة في شخصيته: البعد الوطني والقومي: يظهر الدواليبي في هذه الرواية كرجل موقف، لم يكتف بالعمل الأكاديمي والدبلوماسي، بل كان حاضراً حيث تقتضي المسؤولية الوطنية والقومية. مشاركته في تهريب الحاج أمين تعكس عمق ارتباطه بالقضية الفلسطينية، واستعداده للمخاطرة من أجلها. البعد الإنساني: تكشف الرواية عن الجانب الإنساني للدواليبي، الذي لم يكن مجرد عالم في برج عاجي، بل كان منغمساً في قضايا الناس، مستعداً لتقديم العون والمساعدة للمناضلين من أجل قضايا أمتهم. سرية المعلومات: اعتراف الدواليبي بأن هذه القضية "لا يعرفها أحد" يعكس طبيعة العمل الوطني والنضالي الذي كان يجري خلف الكواليس، بعيداً عن الأضواء. وهو أيضاً يعكس تواضعه، حيث لم يكن يسعى للظهور أو التباهي بما قام به. نهاية الحرب الباردة وازدواجية المعايير يتناول الدواليبي في كلمته التحولات الكبرى التي شهدها العالم في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وهي فترة انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة. تحليله يركز على ثلاث نقاط رئيسية: تحولات أوروبا: يشير الدواليبي إلى توحيد أوروبا بعد انهيار المعسكر الشرقي، واعتبار الشرق الأوسط جزءاً من الأمن الأوروبي. هذا التحليل يعكس إدراكاً مبكراً للمتغيرات الجيوسياسية التي ستشكل العالم بعد الحرب الباردة. ازدواجية المعايير: يلاحظ الدواليبي بأسى أن المبادئ التي طُبقت في أزمة الخليج (تحرير الكويت) لم تُطبق على إسرائيل. هذه الملاحظة تعكس خيبة أمل العالم الإسلامي من ازدواجية المعايير الغربية، حيث تُطبق الشرعية الدولية في مكان وتُهمل في مكان آخر. فرص العالم الإسلامي: رغم النقد، يرى الدواليبي في هذه التحولات فرصة للعالم الإسلامي. فانهيار الاتحاد السوفيتي أدى إلى تحرر الجمهوريات الإسلامية، وأصبح بإمكانها الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. وهذا يعكس رؤية متفائلة، ترى في كل أزمة فرصة جديدة. مقارنة بين هذا الملف والكتابين السابقين اختلاف الطبيعة والغرض إذا قارنا هذا الملف مع الكتابين السابقين ("ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" و"دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون")، نجد اختلافات جوهرية في الطبيعة والغرض. الكتاب الأول (ندوات حقوق الإنسان) كان حواراً علمياً مع وفد أوروبي من كبار القانونيين والمفكرين. دارت فيه مناقشات عميقة حول حقوق الإنسان في الإسلام، وقضايا المرأة والعقوبات، وأساليب الحوار. وكان الغرض منه بناء جسور من التفاهم مع الغرب، وتقديم الإسلام بلغة علمية مشتركة. الكتاب الثاني (دور المسلمين في القانون) كان محاضرة أكاديمية في مركز الملك فيصل، استعرض فيها الدواليبي سبق العرب والمسلمين في بناء الحضارة الإنسانية، من خلال مقارنة الشريعة الإسلامية بالشرائع القديمة (الهندية واليونانية والرومانية). وكان الغرض منه تأكيد الهوية والاعتزاز بالإرث الحضاري. أما هذا الملف (اثنينية الدواليبي) فهو توثيق لأمسية تكريمية، حيث لم يكن الدواليبي في موقع العالم المحاور أو الأكاديمي المنظّر، بل في موقع المكَرَّم الذي يروي ذكرياته ويشارك الحاضرين بعضاً من تجاربه السياسية والعلمية. والغرض منه مختلف تماماً: تكريم الشخصية، وتوثيق المسيرة، والكشف عن الجانب الإنساني للعالم. اختلاف الأسلوب واللغة من حيث الأسلوب، نجد أن الكتاب الأول اتسم باللغة الحوارية الجدلية، حيث كان الدواليبي يرد على أسئلة الوفد الأوروبي ويشرح لهم مفاهيم الشريعة الإسلامية بأسلوب علمي دقيق. أما الكتاب الثاني فاتسم باللغة الإنشائية الأكاديمية المنظمة، حيث قدم الدواليبي عرضاً تاريخياً مقارناً، مستعيناً بالمصادر الغربية والشرقية على السواء. وفي هذا الملف، نجد اللغة سردية شخصية، تعتمد على الحكايات والذكريات. الدواليبي هنا ليس في مقام الإفتاء أو الإقناع، بل في مقام المشاركة والتذكر. وهذا ما جعل الكلمة تحمل طابعاً حميمياً، أقرب إلى الجلسات الخاصة منها إلى المحاضرات العامة. اختلاف الجمهور المستهدف الكتاب الأول كان موجهاً إلى جمهور غربي (أوروبي)، من خلفية مسيحية وقانونية، وكان الدواليبي يحرص على استخدام لغة يفهمونها، والاستشهاد بمصادرهم هم أنفسهم (الموسوعات الفرنسية، وقوانينهم، ومؤرخيهم). الكتاب الثاني كان موجهاً إلى جمهور أكاديمي في مركز الملك فيصل، من خلفية إسلامية وعربية، وكان الدواليبي يحرص على تأكيد الهوية والاعتزاز بالإرث الحضاري. أما هذا الملف فكان موجهاً إلى جمهور سعودي ثقافي في جدة، يجمع بين مختلف التوجهات، وكان الدواليبي يتحدث بلغة قريبة إلى قلوبهم، مستذكراً أحداثاً وأسماءً يعرفونها ويقدرونها. وحدة الرسالة رغم اختلاف الأسلوب رغم هذه الاختلافات في الطبيعة والغرض والأسلوب والجمهور، تبقى رسالة الدواليبي واحدة في كل هذه المحطات: التأكيد على أن الإسلام هو النظام الإلهي العالي الذي يصلح لكل زمان ومكان، وأنه سبق البشرية في كل القيم الإنسانية النبيلة. ففي الكتاب الأول، كانت الرسالة أن حقوق الإنسان في الإسلام أسبق وأشمل مما في المواثيق الدولية. وفي الكتاب الثاني، كانت الرسالة أن الإسلام سبق الشرائع القديمة في العدل والمساواة. وفي هذا الملف، كانت الرسالة أن الإسلام هو الحل الوحيد للصراعات العالمية التي لم تستطع الأنظمة الوضعية حلها. خاتمة: قيمة الملف في سياقه يمثل ملف "اثنينية الدواليبي" وثيقة ثقافية وتاريخية مهمة، تكشف عن جانب آخر من شخصية الدكتور محمد معروف الدواليبي، غير الجانب العلمي الأكاديمي الذي ظهر في كتابيه. ففي هذا الملف، نرى الدواليبي الإنسان: المتواضع المستحي من التكريم، الحريص على توثيق الذكريات، المتحمس للقضايا الإسلامية، الناقد للسياسات الغربية، المتفائل بمستقبل الأمة الإسلامية. كما نراه الشاهد على العصر: الذي عايش الحرب العالمية الثانية في باريس، وشارك في تهريب الحاج أمين الحسيني، وراقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وحاور كبار المسؤولين فيه بصفته رئيساً لمؤتمر العالم الإسلامي. كما أن الملف يوثق لحظة مهمة من لحظات الثقافة السعودية، حيث كانت "الاثنينية" منبراً يجمع كبار المفكرين والعلماء، ويخلق جواً من التبادل الثقافي والحوار الحضاري. وهو بهذا يعكس جانباً مهماً من جوانب النهضة الثقافية في المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية. وأخيراً، فإن ما يضفي على هذا الملف قيمة خاصة هو أنه جاء إلينا من خلال الأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، الذي تفضل مشكوراً بتقديم هذه النسخة الإلكترونية، وساندني بالمعلومات والوثائق التي أضافت إلى هذه القراءة بعداً توثيقياً مهماً، وأتاحت فرصة الغوص في فكر هذا العالم الكبير من مصادره الأصلية. شكر وتقدير لا يفوتني في ختام هذه القراءة التحليلية أن أكرر الشكر والتقدير والعرفان للأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، الذي تفضل مشكوراً بتقديم النسخ الإلكترونية من مؤلفات والده، ومن بينها هذا الملف القيم "اثنينية الدواليبي". كما أشكره على ما قدمه من معلومات ووثائق تاريخية أضافت إلى هذه القراءة بعداً توثيقياً مهماً، وأتاحت لي فرصة الغوص في فكر هذا العالم الكبير من مصادره الأصلية. فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والده، وأن يبارك له في علمه وجهده، وأن ينفع به الأمة الإسلامية. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات . الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University