قراءة تحليلية في كتاب "المرأة في الإسلام" للدكتور محمد معروف الدواليبي دراسة في المنهج والمضمون والرسالة مقدمة: الكتاب في سياقه الفكري يأتي كتاب "المرأة في الإسلام" للدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله كثمرة ناضجة لمسيرة فكرية وعلمية حافلة، امتدت لعقود من العمل الأكاديمي والدبلوماسي والحواري. فالكتاب ليس مجرد بحث عابر في قضية آنية، بل هو خلاصة منهجية متكاملة تبلورت عبر سلسلة من اللقاءات العلمية والحوارات الحضارية التي قادها الدواليبي مع أبرز المؤسسات الغربية: الفاتيكان، والمجلس الأوروبي، ومجلس الكنائس العالمي، والجامعات الفرنسية. وما يميز هذا الكتاب عن غيره من المؤلفات التي تناولت قضية المرأة في الإسلام هو منهجيته الفريدة التي تجمع بين: · العمق التأصيلي: بالعودة إلى النصوص الشرعية وفهم مقاصدها. · المنظور التاريخي المقارن: بوضع قضية المرأة في سياقها الحضاري العالمي. · الانفتاح الحواري: بالاستشهاد بالمصادر الغربية والأصوات الغربية المنصفة. · الواقعية: بالاعتراف بوجود ممارسات خاطئة في المجتمعات الإسلامية، وتمييزها عن صحيح الدين. هذه القراءة التحليلية تسعى إلى استعراض كامل محتوى الكتاب، ثم الغوص في أعماق منهجية الدواليبي، وأخيراً تقديم تقييم شامل يضع الكتاب في سياقه ويرصد إسهاماته. القسم الأول: استعراض كامل لمحتوى الكتاب المقدمة: السياق العالمي لقضية المرأة يبدأ الدواليبي كتابه بوضع قضية المرأة في إطارها العالمي، مشيراً إلى التحولات الكبرى التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أخذت الأمم المتحدة تدعو إلى نظام جديد يقوم على مبادئ إنسانية تعترف بوحدة الأسرة البشرية وكرامة الإنسان. وكان لجنس المرأة النصيب الأكبر في هذه الدعوات، بعد قرون من التمييز والإقصاء. يشير الدواليبي إلى أن تقدم العلم والتكنولوجيا صغّر الأرض وزال الحدود، وامتزجت الشعوب وتشابكت مصالحها، مما استدعى ظهور مفاهيم جديدة تدعو إلى محو التمايز بين البشر عرقياً وقومياً ودينياً واقتصادياً. وهكذا، يضع الدواليبي قضية المرأة في سياقها الإنساني الواسع، ليؤكد من البداية أن الإسلام لم يأت بمعزل عن هذه القضايا، بل كان أسبق إليها وأكثر شمولاً. المبحث الأول: المرأة في الحضارات القديمة والعالم قبل الإسلام يمثل هذا المبحث الجوهر التاريخي للكتاب، حيث يستعرض الدواليبي وضع المرأة في أبرز الحضارات القديمة، ليُظهر أن ما وصلت إليه البشرية من تحرر للمرأة لم يكن نتاجاً ذاتياً، بل كان ثمرة تراكم حضاري ساهم فيه الإسلام بشكل جذري. أولاً – الثورة الفرنسية وازدواجية المعايير: يشير الدواليبي إلى أن الثورة الفرنسية التي يُحتج بها عادةً كمصدر لحقوق الإنسان، أعلنت في مادتها الأولى: "يولد الرجل حراً ولا يجوز استعباده". لكنها رفضت إضافة كلمة "والمرأة"، وظل إعلان الثورة قاصراً على الرجال. ويستشهد بمأساة أوليمب دو كورج التي تجرأت عقب الثورة وقدمت سبع عشرة مادة تطالب بمساواة المرأة بالرجل، فلم يقبل اقتراحها وصدر الأمر بقطع رأسها بالمقصلة! هذه الواقعة – التي يرويها الدواليبي بتفصيل دقيق – تهدف إلى تفكيك الأسطورة الغربية حول ريادة الغرب في حقوق المرأة، وإظهار أن المسيرة كانت شاقة ومكلّفة بالدماء، وأن الإسلام سبق هذه الإنجازات بقرون. ثانياً – المرأة في شريعة مانو الهندية: ينقل الدواليبي عن الزعيم الهندي جواهر لال نهرو في كتابه "اكتشاف الهند" أن وضع المرأة في الهند القديمة كان سيئاً من غير ريب، حيث كانت تعتمد على الأب ثم الزوج ثم الابن، وكانت محرومة من الميراث، وكانت في الجملة موروثة لا وارثة. ويضيف أن شريعة مانو جعلت "كل ما هو كائن في الوجود ملكاً للبراهمة"، وأن المرأة لم تكن تتمتع بأية أهلية قانونية مستقلة. ثالثاً – المرأة في شريعة الرومان وآثارها: يصف الدواليبي وضع المرأة في الشريعة الرومانية بأنه كان قائماً على: · عدم الاعتراف بأية أهلية حقوقية للمرأة. · وضعها تحت الوصاية الدائمة، لا فرق بين صغرها أو بلوغها سن الرشد. · كونها في الجملة موروثة لا وارثة. ويشير إلى أن آثار هذه الشريعة امتدت حتى اليوم في كثير من الدول الحديثة المتأثرة بالقانون الروماني. رابعاً – المرأة في عهد النصرانية الأولى: ينقل الدواليبي عن نهرو أن وضع المرأة في الهند القديمة كان أفضل من وضعها في بلاد اليونان القديمة، أو في رومة القديمة، أو في عهود النصرانية الأولى. ويشير إلى أن بعض الندوات الدينية في روما شككت في إنسانية المرأة وطبيعة روحها، بل إن أحد هذه الاجتماعات قرر "أنه لا روح لها على الإطلاق، وإنها لن تبعث في الحياة الأخرى"! هذه الإشارة بالغة الأهمية، فهي تُظهر أن الجدل حول "إنسانية المرأة" لم يكن مجرد قضية اجتماعية، بل كان قضية لاهوتية عميقة في تاريخ المسيحية الأوروبية. خامساً – المرأة في جزيرة العرب قبل الإسلام: يخصص الدواليبي فقرة خاصة للحديث عن وضع المرأة العربية قبل الإسلام، وهو الوضع الذي كان شراً من كل ما سبق. فقد كانت المرأة العربية "عاراً يحرص أولياؤها الذكور على التخلص منها بوأدها حية ساعة ولادتها". وكان لذلك عوامل مختلفة، أهمها ضعف بنيتها في الشدائد، وضآلة كسب الرجل في الحياة. ويستشهد بالآيات القرآنية التي نددت بهذا الوضع الأليم: · "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به: أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون" (النحل: 58-59). · "وإذا الموؤودة سئلت. بأي ذنب قتلت" (التكوير: 8-9). · "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقكم وإياهم" (الأنعام: 151). بهذا الاستعراض التاريخي المقارن، يضع الدواليبي القارئ في مواجهة حقيقة صارخة: أن ما وصلت إليه البشرية من تكريم للمرأة لم يكن سهلاً، وأن الإسلام جاء في ظلام حالك من التمييز والإقصاء، ليحدث ثورة تشريعية وأخلاقية غير مسبوقة. المبحث الثاني: إصلاحات الإسلام للمرأة والمنطلقات النظرية بعد أن رسم الدواليبي صورة قاتمة لوضع المرأة قبل الإسلام، ينتقل إلى عرض إصلاحات الإسلام الجذرية، مركزاً على ثلاثة منطلقات نظرية أساسية: المنطلق الأول: المساواة في الإنسانية والكرامة يؤسس الدواليبي لهذا المنطلق بالنص القرآني: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى" (الحجرات: 13)، وهو نص يعلن أن الأصل الإنساني واحد للرجال والنساء. ويضيف إليه قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم" (الإسراء: 70)، ليؤكد أن التكريم الإلهي يشمل الذكر والأنثى على السواء. المنطلق الثاني: المساواة في الأهلية والحقوق يشير الدواليبي إلى أن الإسلام منح المرأة حق التملك والتصرف والبيع والشراء، خلافاً للقوانين الرومانية التي كانت تجعلها تحت الوصاية الدائمة. وقد جاهر القرآن بذلك في آيات متعددة، منها قوله تعالى: "للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن" (النساء: 32). المنطلق الثالث: المساواة في الولاية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا المنطلق هو الأكثر جرأة في تحليله، حيث يستشهد الدواليبي بقوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (التوبة: 71). ويعلق على ذلك قائلاً: "بهذا النص الخالد على الزمن، لم يكتف الإسلام من إنقاذ المرأة من التبعية للرجل كشيء من الأشياء، أو من إنقاذها من وصايته عليها... بل رفعها إلى مقام المساواة الكريمة... وبذلك خرج جنس المرأة أول مرة في التاريخ من أن تكون المرأة تبعاً لجنسها مأمورة فقط، ولتصبح بعد اليوم آمرة أيضاً." ويضيف أن هذا الحق في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هو ما يعبر عنه اليوم بحق "حرية الكلمة والنقد للمسؤولين ولغير المسؤولين". وهذه قراءة جريئة تعيد تأويل النص القرآني لتقديمه كتأصيل شرعي لمفهوم المشاركة السياسية والاجتماعية للمرأة. تكريم المرأة في السنة النبوية: لا يكتفي الدواليبي بالنصوص القرآنية، بل يستشهد بأحاديث نبوية تؤكد مكانة المرأة، منها: · حديث "من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك". · حديث "الجنة تحت أقدام الأمهات". · حديث "النساء شقائق الرجال". · حديث "كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته... والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها". وهذه الأحاديث – في قراءة الدواليبي – تكرس مبدأ المسؤولية المشتركة، وتؤكد أن المرأة ليست مجرد تابعة، بل هي راعية مسؤولة لها دورها المحوري في المجتمع. المبحث الثالث: الرد على الشبهات حول وضع المرأة في الإسلام هذا المبحث يشكل القسم الأطول والأكثر تفصيلاً في الكتاب، حيث يتناول الدواليبي ست شبهات رئيسية أثيرت حول حقوق المرأة في الإسلام، ويقدم ردوداً مفصلة عليها. أولاً: حول عدم المساواة في الميراث يبدأ الدواليبي بتأكيد أن الأصل في الإسلام هو المساواة الكاملة، وأن التفريق في بعض الحالات (كالذكر مثل حظ الأنثيين) جاء لتحقيق العدالة وليس لمجرد التمييز. ويوضح أن الذكر مسؤول عن النفقة على الأسرة، بينما الأنثى غير مسؤولة، ولذلك أعطي ضعف الأنثى في بعض الحالات، عملاً بقاعدة "الغرم بالغنم" (أي أن العطاء على قدر المسؤولية). ويشير إلى حالات المساواة في الميراث التي نادراً ما يذكرها من يثيرون هذه الشبهة: · المساواة بين الأم والأب من ولدهما إذا كان للولد أولاد ذكور. · المساواة بين الأخت والأخ لأم إذا لم يكن لأخيهما أصل من الذكور ولا فرع وارث. ثانياً: حول عدم المساواة في الشهادة يلفت الدواليبي النظر أولاً إلى أن الشهادة في الإسلام هي "عبء" ثقيل يتهرب منه الناس، وليست "حقاً" يتزاحمون عليه. ويستشهد بآيات تحذر من التهرب من الشهادة ("ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا") ومن كتمانها ("ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه"). أما بخصوص النص القرآني الذي يجعل شهادة امرأتين مقابل رجل واحد ("واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى")، فيوضح الدواليبي أن هذا ليس من باب "حقوق الإنسان" بل من باب "الأعباء". فالمرأة – كالرجل – قد تتعرض للنسيان أو الغفلة، والقرآن أشار إلى أن هذا الاحتمال وارد في حق المرأة أكثر من الرجل، دون أن ينفيه عن الرجل. ولذلك عزز الشهادة بشهادة امرأتين، كما عزز شهادة الرجل بشهادة رجل آخر. ويؤكد أن هذا لا يمس اعتبار المرأة، خاصة وقد قبلت الشريعة شهادة المرأة منفردة في كل أمر كان الأليف فيه أن لا يدعى لتحمل الشهادة إلا النساء. ثالثاً: حول استئثار الرجل بالطلاق يعتبر الدواليبي الزواج في الإسلام عقداً رضائياً يقوم على العطاء المتبادل، وأن المرأة تمتاز بالحصول على المهر. ويرى أن الطلاق من جانب الرجل هو "إقالة للعقد"، وفي العقود الملزمة، لا تجوز الإقالة إلا بإذن الطرفين، وهذا هو سبب منح الرجل حق الطلاق لأنه هو الذي دفع المهر. لكنه يؤكد أن المرأة ليست بلا حق، بل لها: · حق الخلع (أي أن تطلب الطلاق مقابل عوض تدفعه للزوج). · حق اشتراط الطلاق في عقد الزواج. وهذه الضمانات، في نظر الدواليبي، تحقق التوازن بين الطرفين. رابعاً: حول تعدد الزوجات يتعامل الدواليبي مع هذه الشبهة بمنهج تاريخي واضح: يؤكد أن الإسلام لم يفتح باب التعدد، بل حدّه، وأغلق الباب المفتوح من غير تحديد الذي كان سائداً في اليهودية وقبلها. ثم قيّده بشرط العدل بين الزوجات في الحقوق، وجعل للزوجة حق الرجوع إلى القضاء إذا شعرت بالظلم. ويوضح أن التعدد للزوجة الجديدة هو برضاها، وليس إجباراً، ويهدف إلى إنقاذها من أن تكون خليلة غير محترمة. أما بالنسبة للزوجة الأولى، فيمنحها الإسلام حق اشتراط عدم التعدد في عقد الزواج، وهو ما يعتبره الدواليبي "الإصلاح الثالث" في هذا الباب. ويرد على سؤال لماذا تزوج الرسول بأكثر من أربع؟ ويجيب بأن زواج الرسول كان لأسباب دعوية وتشريعية واجتماعية، وبعد ذلك حرم الله عليه الزواج مرة أخرى بنص قرآني: "لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج". خامساً: حول الحجاب يبدأ الدواليبي بتأكيد أن الأصل في الحجاب هو الستر والعفاف، وهو مبدأ إنساني مشترك في جميع الحضارات. فاللباس هو ما يميز الإنسان المتحضر عن الحيوان، والله تعالى يقول: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سواتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير". ويحدد الإسلام حدوداً دنيا للباس: · للرجل: ستر ما بين السرة والركبة. · للمرأة: ستر جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين والقدمين. ويوضح الدواليبي أن الحجاب ليس قيداً، بل هو حماية للمرأة من التحرش. ويستشهد بالسبب النزولي لآية الجلباب ("يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين"). فقد كان بعض المنافقين يتعرضون للنساء في المدينة، فإذا زُجروا اعتذروا بأنهم ظنوهن إماء، فنزلت الآية لتمييز الحرائر عن الإماء، حماية لكرامتهن. ويختم بالقول إن الحجاب هو "الماكسي" أو "الكفتان" الذي عرفته البشرية، وأضاف عليه الإسلام "الخمار" لستر الرأس، وكل ذلك في إطار الحشمة والحياء. سادساً: حول العقوبات الجسدية يتعامل الدواليبي مع هذا الموضوع باختصار، محيلاً القارئ إلى كتبه السابقة (خاصة "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية") حيث شرح بالتفصيل أن هذه العقوبات (كالقطع والرجم) هي عقوبات نظرية وليست واقعية، وأن شروط تطبيقها بالغة الصعوبة (كالاعتراف أربع مرات، أو وجود أربعة شهود عيان). والغرض منها هو الردع والوقاية، وليس التنكيل بالمجرمين. وقد صان الإسلام بهذه القسوة النظرية أيدي السارقين وأرواح الناس وأعراضهم. المبحث الرابع: مشكلات المرأة المعاصرة وكيفية معالجتها في هذا المبحث، ينتقل الدواليبي من الرد على الشبهات إلى تقديم رؤية إيجابية لقضية المرأة في العصر الحديث. انتقاد التيارات المتطرفة: يشير إلى أن هناك من يدعو إلى تفكك الأسرة تحت مسمى حرية المرأة، وينتقد أفكار الكاتبة الفرنسية سيمون دو بوفوار التي تصرح في كتاباتها بأنها لا تحب الأعمال المنزلية، وأن المرأة لن تتحرر إلا حين تتحرر من الأطفال، وتتمكن من رفض الزواج، وأنه يجب إلغاء العائلة! الاستشهاد بأصوات غربية منصفة: ينقل باهتمام تصريحات السيدة مونيك بيلتيه، وزيرة الشؤون النسائية في عهد الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، التي أدلت بها إلى مجلة "المجلة" العربية في يوليو 1984م، قائلة: "أنا أحترم سيمون دو بوفوار كثيراً لموهبتها ومساهمتها الفعّالة في قضية المرأة، ولكنني لا أوافقها على آرائها المذكورة... إننا حين نستكف عن وضع الأطفال، فهذا يعني نهاية العالم... وأعتقد أن احتقار الحياة العائلية هو احتقار للمرأة والرجل. وأقول دائماً إن المرأة ليست أقل ذكاء ولا أقل مقدرة من الرجل، ولكنني أقول في الوقت ذاته إنها مختلفة عن الرجل." هذا الاستشهاد بالغ الأهمية، فهو يُظهر أن هناك أصواتاً غربية تتفق مع الرؤية الإسلامية وتنتقد التطرف الآخر، مما يمنح الدواليبي حجة قوية في حواره مع الغرب. الرواسب الجاهلية: يعترف الدواليبي بوجود بعض الممارسات الخاطئة في المجتمعات الإسلامية، ويذكر منها تحديداً: · أكل مهور البنات (الاستيلاء على مهر المرأة): يقول في هذا السياق: "وإذا اشتكى اليوم بعض المالحظين والدارسين من مشاهدة أمثال هذه الرواسب، وخاصة مثل وضع بعض الرجال من بناتهم، واستغلالهن في حالة الزواج، وامتلاك مهرهن خالصاً في بعض الأطراف الإسلامية، وخاصة في بعض المناطق الريفية، فليس ذلك من المشكلات الإسلامية، وإنما هي أيضاً من رواسب مشكلات المرأة في عهود الإنسانية الماضية البغيضة، والمتأصّلة في النفوس في بعض المناطق، والتي حاربها الإسلام ولا يزال يُحاربها بكل عنف." · التقاليد الريفية الجاهلة: يؤكد أن هذه الممارسات لا تظهر إلا في بعض الأوساط الريفية الجاهلة التي ليس للإسلام سلطان على نفوسها، ولا تمتد إليهم الشريعة الإسلامية بأحكامها. أما الأوساط الإسلامية المدنية، والمُشربة بروح الإسلام، فإن بناتهم لا يخرجن من بيوت آبائهن للزواج إلا وهنّ متمتعات بأضعاف مهورهنّ عطاءً أبويّاً خالصاً. ويختم بقوله: "وبالجملة فإنها مشكلة غريبة عن الإسلام، ولا تظهر إلاّ في بعض الأوساط الريفيّة الجاهلة، والتي ليس للإسلام سلطان على نفوسها، ولا تمتد إليهم الشريعة الإسلامية بأحكامها..." خلاصة الرؤية الإسلامية: يؤكد الدواليبي أن الإسلام يعتبر الأسرة أساس المجتمع، وأن دور المرأة العظيم يبدأ من بناء هذه الأسرة على المودة والرحمة، ثم ينطلق منها إلى دورها في المجتمع الأكبر، ولا حجر عليها في ذلك ضمن مقتضيات المصلحة الشرعية. ويختم بقوله: "وإذا اشتكى اليوم بعض المالحظين والدارسين... فليس ذلك من المشكلات الإسلامية... وإن معالجة هذه الرواسب وأمثالها في العالم الإسلامي لا تحتاج إلى نصوص شرعية محلية أو دولية، لأن أحكام الإسلام في ذلك معروفة، ولا يقف أمام تطبيقها إلا غياب سلطان الشريعة في النفوس." الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي