جدلية البداية في الخطاب الثقافي العربي: دراسة نقدية تأصيلية من منظور شرعي واجتماعي ونفسي وقانوني الدكتور مروان أحمد بحري Mervan Bahri كلية العلوم الاجتماعية جامعة أجيال وتكنولوجيا مقدمة "لا يزالون في البداية".. جملة تتردد على ألسنة الكثيرين، كلما أشرت إلى خطأ أو نقص أو تقصير. وكأن من ضرورات البداية أن تكون عرجاء، يسير بها العميان، ويقودها الجاهلون! هذا المنطق المتهافت يحتاج إلى وقفة تأمل، بل إلى هدم جذري، لأنه يرسخ ثقافة العذر الدائم، ويحول البداية من حالة عابرة إلى سجن مؤبد. أولاً: التأصيل الشرعي لمفهوم الإتقان لقد أمر الله تعالى بالإتقان في كل شيء، وجعل ذلك سمة المؤمنين. يقول النبي ﷺ: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه الطبراني والبيهقي). فالإتقان مطلوب في أول العمل وآخره، ولم يرخص النبي ﷺ لأحد أن يقول: "أنا في البداية فلا تؤاخذني". بل إن القرآن يصور لنا بداية الخلق ذاتها على أنها نموذج من الإحكام: "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ" (الملك: 3). فالله سبحانه لم يخلق السماوات ثم يقول للملائكة: "لا تنتقدوا، فهذه بداية"! ثانياً: البدايات العظيمة في التاريخ الإسلامي بداية الدعوة الإسلامية: حين بعث النبي ﷺ، كان في "بداية" الدعوة، لكنه لم يقل لأصحابه: "لا تنتقدوا تنظيمي، فأنا في البداية". بل كان التنظيم محكماً، والمنهج واضحاً، والقيادة رشيدة. لقد أسس النبي ﷺ دولته في المدينة على أسس متينة: وثيقة المدينة، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، تنظيم الجيش، وضع ميزانية للدولة. وحين بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" (متفق عليه). لقد أعطاه منهجاً واضحاً، ولم يقل له: "اذهب وافعل ما شئت، فأنت في البداية". ثالثاً: النقد والإصلاح في الميزان الشرعي إن الإسلام لا يحبب إلى المؤمنين السكوت عن الخطأ، بل جعل النقد والتصحيح من تمام الدين. يقول الله تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ" (آل عمران: 110). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات "خير أمة"، وليس من صفاتها أن تقول: "دعوهم في بدايتهم". بل إن النبي ﷺ جعل تغيير المنكر باليد أو اللسان أو القلب علامة على صحة الإيمان، فقال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم). فكيف بمن يحول دون النقد بحجة "البداية"؟ أليس هذا من أعظم المنكرات؟ رابعاً: الفرق بين "البداية الطبيعية" و"البداية المعللة" لابد من التفريق بين حالتين: الأولى: بداية حقيقية، يسعى فيها صاحبها إلى الإتقان، لكن تعترضه بعض الصعوبات الواقعية، وهو يقبل النقد ويعمل على التصحيح. هذه بداية مباركة. الثانية: بداية متكررة، تتحول إلى شعار يبرر التقصير والإهمال، ويرفض صاحبها أي نقد بحجة أنهم "لا يزالون في البداية". هذه بداية ملعونة، لأنها تستمر إلى ما لا نهاية. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "الراحة لا تدرك بالتسويف، وإنما بالإتقان". فمن يظن أن البداية عذر للفشل، فهو واهم. خامساً: الأدلة العقلية والتاريخية أين كان الصحابة حين بنوا مسجد قباء؟ كانوا في بداية الهجرة، لكنهم بنوه بإتقان. أين كان أبو بكر حين جهز جيش أسامة؟ كان في بداية خلافته، لكنه أتم التجهيز رغم مرضه ووفاته. أين كان عمر بن الخطاب حين وضع ديوان الجيش والتقويم الهجري؟ كان في بداية دولته، لكنه وضع أسساً محكمة. إن البدايات العظيمة لا يعرفها التراخي، ولا يعرفها الفشل المبرر. إنها بدايات تعرف الأهداف، وتخطط للوصول إليها، وتقبل النقد كدواء لا كسم. سادساً: نقد ثقافة "البداية" كآلية للتلاعب إن من يقول "لا يزالون في البداية" إنما يمارس تلاعباً لفظياً. لأنه يحول البداية (وهي وصف لمرحلة زمنية) إلى حصانة ضد النقد. وهذا مغالطة منطقية، فالبداية لا تعني العجز، ولا تعني أن من حق القائد أن يكون جاهلاً. يقول الجاحظ: "من جعل البداية عذراً للإخفاق، جعل النهاية مستحيلة". وكأن هؤلاء يريدون أن يبقوا في البداية إلى الأبد، لئلا يُحاسبوا، ولئلا يُنتقدوا. سابعاً: منظور علم الاجتماع – البداية كآلية للسيطرة والتفلت المؤسسي من منظور علم الاجتماع، تعتبر مقولة "لا يزالون في البداية" نموذجاً صارخاً على ظاهرة اجتماعية خطيرة تعرف بـ "تحييد المسؤولية". فبدلاً من مواجهة النقد والاعتراف بالقصور، يتم إنتاج خطاب دفاعي يبرر الإخفاق ويحوله إلى "وضع طبيعي" لا يستحق المحاسبة. يكشف العالم الاجتماعي العربي الكبير ابن خلدون في مقدمته عن آلة خفية في مثل هذه المقولات، حين يصف حال الأمم التي تبدأ بالضعف فتركن إليه، فتصبح "البداية" سجناً أبدياً لا يؤدي إلى القوة، بل إلى مزيد من الضعف حتى الاضمحلال. وهذا ما يسمى بـ "الاستعلاء المعرفي للسلطة الفاشلة". عندما يقول القائد أو المؤسسة "نحن في البداية"، فإنه يمارس شكلاً من الإكراه المعنوي، حيث يُسكت الناقدين بادعاء أنهم لا يفهمون "خصوصية المرحلة". هذا يؤدي إلى ترسيخ ثقافة "التبعية العمياء"، حيث يصبح من "غير اللائق" انتقاد عرجاء البداية، وكأن العيب في عين الناقد لا في ساق القائد. بل أكثر من ذلك، فإن استمرار شعار "البداية" لسنوات هو علامة على "الخلل التعلمي المزدوج". فبدلاً من أن تتعلم المؤسسة من أخطائها لتحسين منهجها، فإنها تتعلم كيفية تبرير أخطائها وإنتاج أعذار أكثر إتقاناً. والنتيجة: "بداية" لا تنتهي، وجهل يتحول إلى مهارة في التبرير. كما يوصف هذه الظاهرة بـ "البيروقراطية الوهمية"، حيث توجد هياكل وخطط وقرارات على الورق، لكنها تبقى في حالة "بداية دائمة" كي لا تخضع للتقييم. إنها استراتيجية ماكرة لصناعة فشل ممنهج، يتم فيه إعادة إنتاج الجهل القيادي كفضيلة، والعرج كتقاليد. أما من منظور علم الاجتماع المعرفي، فهذه المقولة تعكس ما يُسمى بـ "الانغلاق المعرفي الجماعي"، حيث يصبح المجتمع أو الجماعة محصنة ضد أي نقد خارجي بحجة "ظروف البداية". الدليل الاجتماعي الواقعي: انظر إلى حال الأحزاب السياسية أو الشركات الناشئة التي تظل لسنوات تردد "ما زلنا في البداية". لا تلبث أن تنهار أو تتحول إلى كيانات هامشية، بينما المؤسسات الناجحة (مثل نهضة سنغافورة) لم تتخذ من "البداية" عذراً، بل جعلت من الإتقان شعاراً من اللحظة الأولى. ولعل أقوى دليل على فداحة هذا المفهوم اجتماعياً هو أن المجتمعات التي ترسخ لديها "عبادة البداية" تصبح مجتمعات غير قادرة على النضوج، تظل تتخبط في أخطاء الطفولة السياسية والإدارية لعقود، وينتشر فيها ما يعرف بـ "العجز المكتسب"، حيث يستسلم الأفراد والجماعات للفشل بحجة أن "الأمر طبيعي في البداية". ثامناً: منظور علم النفس – حين تصبح "البداية" آلية دفاع وتدميراً للذات من منظور علم النفس، تعتبر مقولة "لا يزالون في البداية" واحدة من أخطر آليات "التبرير المرضي"، وهي شكل من أشكال "الدفاعات النفسية الهروبية". فبدلاً من مواجهة القلق الناتج عن الفشل (عجز القائد، تقصير المؤسسة)، يلجأ الفرد أو الجماعة إلى التبرير الوهمي، وهو ما يعرف في علم النفس المعرفي بـ "الانحياز للتبرير". يشرح علماء النفس هذه الظاهرة من خلال "نظرية التنافر الداخلي". حين يعلم القائد أنه يخطئ (الواقع)، لكنه يريد أن يحافظ على صورته أمام نفسه والآخرين (التصور الذاتي)، ينشأ تنافر نفسي شديد. ولحل هذا التنافر، يلجأ إلى أبسط الحلول: تشويه الواقع عبر القول "نحن في البداية". بهذه العبارة يحول الفشل إلى نجاح مؤجل، والجهل إلى مرحلة ضرورية، والتقصير إلى طبيعي. وبذلك يهدئ قلبه، لكنه يضلل عقله. أما علماء النفس فيصفون ما يحدث في مثل هذه الحالات بـ "العجز المتعلم"، ولكن هنا بشكل معكوس. فليس الأفراد فقط من يتعلمون العجز، بل القادة أنفسهم يتعلمون كيف يكون العجز فناً قيادياً! إن تكرار مقولة "البداية" لسنوات يدرب الدماغ على نمط من التفكير يُسمى "التحيز للتفاؤل غير الواقعي"، حيث يعتقد القائد والمؤسسة أن الغد سيكون أفضل دون أي تغيير في السلوك أو المنهج. هذه هي ذروة الجنون النفسي: أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتتوقع نتيجة مختلفة. كما يشير علماء النفس في "هرم الحاجات" الشهير إلى أن الحاجة إلى "تقدير الذات" و "تحقيق الذات" لا يمكن بلوغها دون مواجهة النقد وتقبله. فمن يختبئ وراء "البداية" يبقى عالقاً في أدنى مستويات الهرم: الحاجة إلى الأمان الزائف، حيث يظن أن تجميد النقد هو أمان، بينما هو في الحقيقة تثبيت للفشل. هذا النوع من القيادة يوصف في علم النفس الإداري بـ "متلازمة الإمبراطور العاري"، حيث يظن القائد أنه يرتدي ثوباً ملكياً من الإنجازات المستقبلية، بينما الجميع يراه عارياً من الكفاءة. والأخطر من ذلك هو ما يسمى "التصلب النفسي القيادي"، حيث تتحول "البداية" إلى هوية ثابتة للجماعة. يبدأ الأفراد في استباق أي نقد بعبارات مثل: "لا تنتقد، فهم لا يزالون في البداية". هذا يؤدي إلى ظاهرة "الانغلاق المبكر للعقل"، حيث يصبح النقد البناء مهدداً للهوية الجماعية، فيُقمع، وتُقدس الأخطاء كتقاليد للبداية. الدليل النفسي التجريبي: أظهرت دراسات علماء النفس حول "العقلية الثابتة" مقابل "العقلية النامية" أن الأفراد والجماعات الذين يتبنون العقلية الثابتة (نحن هكذا خلقنا، هذه بدايتنا ولا يمكن تغييرها) يفشلون في التعلم من الأخطاء، بينما أصحاب العقلية النامية (نحن في بداية، لكننا نقبل النقد ونتحسن كل يوم) ينجحون. لكن من يردد "لا يزالون في البداية" كعذر دائم، ليس لديه عقلية نامية، بل لديه عقلية متحجرة ترفض التطور باسم "البداية"! والخلاصة النفسية القاطعة: من يستخدم "البداية" لتبرير العجز والجهل، فهو ليس في بداية طريق النجاح، بل في نهاية طريق الفشل. لأنه حول البداية (وهي فرصة) إلى نهاية (وهي مبرر دائم). وأول خطوات العلاج النفسي لهذا الداء هي "الكشف الجريء"، أن يقول القائد لنفسه: "أنا لست في بداية أعذر بها تقصيري، بل أنا مسؤول عن كل خطوة منذ الخطوة الأولى". عندها فقط تبدأ البداية الحقيقية. تاسعاً: منظور القانون العربي الموحد – "البداية" ليست عذراً معفياً من المسؤولية في إطار القانون العربي الموحد، الذي يستند في جوهره إلى الشريعة الإسلامية الغراء، ويستلهم مبادئ العدالة من التراث الفقهي العربي، ويوحد عبر اتفاقيات عربية مثل "الاتفاقية العربية الموحدة للقانون المدني" (الصادرة عن جامعة الدول العربية) والأنظمة القضائية النموذجية، فإن مقولة "لا يزالون في البداية" تُعتبر دفاعاً واهياً لا قيمة قانونية له، بل قد تشكل إقراراً بالتقصير والإهمال الجسيم الموجب للمسؤولية. أولاً: المسؤولية التقصيرية في القانون العربي الموحد: تنص المادة (1/2) من مشروع القانون المدني العربي الموحد (الصادر عن مجلس وزراء العدل العرب) على أن: "كل من ألحق ضرراً بغيره خطأً، سواء كان متعمداً أو غير متعمد، ألزم بالتعويض". ويعرف الخطأ بأنه "انحراف عن السلوك الذي يفرضه الحذر العادي واليقظة المعتادة". والسؤال المحوري: هل الشخص الحريص العادي في "بداية" أي عمل يكون أقل حذراً؟ كلا، بل يكون أكثر حذراً وتخطيطاً. فمن يتخذ "البداية" عذراً للتساهل، فقد انحرف عن سلوك الحريص العادي، وارتكب خطأً قانونياً يوجب التعويض. ثانياً: قاعدة "العبرة بالضمان مع التفريط": مصدر هذه القاعدة في القانون العربي الموحد هو الفقه الإسلامي الذي يجعل الضمان مرتبطاً بالتفريط، وليس بمرحلة العمل. فالقانون المدني المصري (المادة 178)، والأردني (المادة 267)، والإماراتي (المادة 383) وغيرها من القوانين العربية تتفق على أن "من تسبب في ضرر بفعل أو ترك، ضمن"، دون أن تذكر استثناءً لمن يدعي أنه "في البداية". بل إن التفريط الذي يحدث في البداية يكون أشد إدانة، لأنه كان من الممكن تجنبه ببذل عناية أكبر في التخطيط. ثالثاً: مبدأ "الغبن والتدليس" لا علاقة له بالبداية: قد يحاول البعض التمويه بأن "البداية" تعني نقص الخبرة، وهذا قد يصل إلى مستوى "التدليس" إذا أخفى القائد جهله أو عدم استعداده. فالمادة (4/1) من القانون العربي الموحد لمكافحة الغش التجاري (الصادرة عن مجلس الوحدة الاقتصادية العربية) تعتبر أن "إخفاء الحقائق الجوهرية المتعلقة بالقدرة على التنفيذ" يعد تدليساً. فمن يقول "نحن في البداية" بعد أن وعد بإنجاز عمل معين دون أن يكون لديه الحد الأدنى من الكفاءة، يكون قد ارتكب تدليساً موجباً للتعويض وفسخ العقد. رابعاً: في عقود الأشغال العامة والإدارة: ينص القانون الإداري العربي الموحد (النموذج الصادر عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية) على أن "المتعاقد مع الإدارة ملزم بتنفيذ التزاماته طبقاً للجدول الزمني المتفق عليه، بغض النظر عن كونه مبتدئاً أو من ذوي الخبرة". فشركة مقاولات تتخذ من "بدايتها" عذراً لتأخير مشروع جسر أو مستشفى، تتعرض للغرامات التراكمية، وفسخ العقد، وحظر التعامل مع الدولة. ولا يقبل القاضي الإداري العربي أي دفع بأن "الفريق التنفيذي لا يزال في البداية"، لأن هذا كان يجب أن يكون واضحاً قبل توقيع العقد. خامساً: مبدأ "العدالة والقانون" يرفضان إطالة البداية: أورد الفقهاء في شرح القانون العربي الموحد قاعدة راسخة: "لا ضرر ولا ضرار"، وهي قاعدة مقاصدية تمنع إلحاق الضرر بالغير بحجة أي ظرف كان. فالجماعة أو القائد الذي يكرر "لا يزالون في البداية" لسنوات، يلحق ضرراً مستمراً بالمجتمع (من خدمات متعثرة، قرارات خاطئة، إهدار أموال عامة)، وهذا الضرر يستوجب التعويض وعزل المتسببين. بل إن بعض التشريعات العربية (كالقانون الكويتي والإماراتي) تعتبر تكرار الإخفاق لنفس السبب (وهو عدم تجاوز مرحلة "البداية") دليلاً على "الاستمرار في الخطأ الجسيم"، وهو موجب للمساءلة التأديبية والمدنية. سادساً: الدليل من صكوك عربية موحدة: · الميثاق العربي لحقوق الإنسان (الصادر عن جامعة الدول العربية 2004) ينص في مادته (15) على أن لكل فرد الحق في محاكمة عادلة ومحاسبة المسؤولين عن أخطائهم. فمن يرتكب خطأ ويتخذ "البداية" درعاً، يحرم الأفراد من حقهم في المساءلة. · الاستراتيجية العربية للحوكمة (الصادرة عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية) تضع مبدأ "المساءلة والشفافية" كأساس، وتحظر التبرير بالإجراءات الروتينية أو "مرحلة البداية" كوسيلة للإفلات من المحاسبة. الخلاصة القانونية القاطعة (في ضوء القانون العربي الموحد): إن القضاء العربي، من المحاكم المدنية إلى مجالس التأديب، لا يقبل دفاع "البداية" كسبب معفٍ من المسؤولية. بل يعتبره دليلاً على "الإخلال بحسن النية" و "الاستخفاف بحقوق المتعاقدين والمجتمع". وكلما طال أمد "البداية" المزعومة، كلما زادت شدة المساءلة، لأن القانون يفترض أن المرحلة الانتقالية لا تستغرق عمر المؤسسة. فإما أن تثبت أنك لم تخطئ، وإما أن تتحمل المسؤولية. أما أن تختبئ وراء سراب "البداية" لسنين، فالقانون العربي الموحد يدينك، ويقول لك: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، وأنت تدعي أنك لا تزال في بدايتك، فقدم بينتك، وإلا فأنت مقصر بإقرارك. خاتمة: كيف نصحح المفهوم؟ إن العلاج يبدأ من إعادة تعريف "البداية" في ثقافتنا. البداية الحقيقية هي: 1. أن يكون القائد عالماً راشداً، وليس جاهلاً متعجرفاً. 2. أن يكون العمل متقناً بحسب المستطاع، مع قبول النقد البناء. 3. أن تكون البداية مرحلة مؤقتة، وليست شعاراً دائماً. 4. أن يعلم الجميع أن الإسلام دين الإتقان، لا دين التبريرات الواهية. فليحذر الذين يتخذون "البداية" جنة لتقصيرهم، فإن الله لا يحب المفسدين، ولا يحب المتساهلين في دينه. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: إتقان، وصدق، ونقد بناء، وقيادة رشيدة، لا عرجاء يقودها الجاهلون. D.Mervan Bahri Generations and Technology University https://gtuedu.org/