قراءة في كتاب أكذوبة الأرض الموعودة لبني اسرائيل من الفرات إلى النيل

قراءة تحليلية في كتاب "أكذوبة الأرض الموعودة لبني إسرائيل من الفرات إلى النيل" دراسة في المنهج والمضمون والرسالة بقلم الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي مقدمة: يأتي كتاب "أكذوبة الأرض الموعودة لبني إسرائيل من الفرات إلى النيل" للدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله كعمل فريد في مسيرته الفكرية، فهو يختلف جذرياً عن كتبه السابقة التي ركزت على قضايا حقوق الإنسان والمرأة والحوار الإسلامي المسيحي. هنا، ينتقل الدواليبي إلى ساحة أخرى: ساحة الصراع مع المشروع الصهيوني، ولكن بأسلوب مختلف تماماً عن الخطاب السياسي أو العاطفي التقليدي. الكتاب هو في جوهره رسالة مفتوحة، صيغت في الأصل لتُرفع إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، ثم رفعت إلى المؤتمر الإسلامي الشعبي العالمي في بغداد بتاريخ 16-18 يونيو 1990م. وقد صدر الكتاب كمنشور مستقل عام 1994م عن دار الشواف للنشر والتوزيع. هذا السياق الزمني بالغ الأهمية، فهو يأتي بعد حرب الخليج الثانية مباشرة، في لحظة كان فيها الغضب العربي والإسلامي في أوجه ضد السياسات الغربية التي تتعامل بازدواجية معايير صارخة. ما يميز هذا الكتاب هو منهجيته الفريدة التي تجمع بين: · الإفحام الديني: بالاستشهاد بنصوص التوراة والإنجيل والتلمود لإثبات أن الله قد رفض بني إسرائيل. · الاحتجاج السياسي: بفضح ازدواجية المعايير الغربية في تطبيق حقوق الإنسان. · المخاطبة المباشرة للغرب: بمخاطبة الرئيس الأمريكي شخصياً وتوجيه الأسئلة المحرجة إليه. · التوثيق من مصادر الخصم: اعتماد الدواليبي على النصوص اليهودية والمسيحية نفسها كحجة ضد إسرائيل. هذه القراءة التحليلية تسعى إلى استعراض كامل محتوى الكتاب، ثم تحليل منهجيته، وأخيراً تقديم تقييم شامل يضع الكتاب في سياقه ويرصد قيمته وإسهاماته. القسم الأول: استعراض كامل لمحتوى الكتاب المقدمة: رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي يفتتح الدواليبي كتابه بمقدمة قوية، موجهة إلى "سيادة الرئيس الأمريكي العظيم جورج بوش". وهذه الصياغة تحمل في طياتها سخرية لاذعة، فهو يصفه بـ"العظيم" ثم يشرع في تفكيك تناقض مواقفه. يكتب الدواليبي بأسلوب يجمع بين التهذيب الدبلوماسي واللهجة الاتهامية: "إنه ليسوفني ويؤلمني، وأنت اليوم الداعي لحماية حق الإنسان اليهودي السوفييتي بالهجرة إلى إسرائيل، أنه لا يمر عليك ولا يحرك قلبك العظيم أن ذلك عدوان صريح على حق الإنسان الفلسطيني في أرضه وفي أرض أجداده منذ ما قبل التاريخ... بل إنه لم يزد في حزني أن قلبك العظيم لم يتحرك مع ذلك باسم حقوق الإنسان على حق الإنسان الفلسطيني المقهور في أرضه بسبب دعمكم لإسرائيل." هذا المقطع يحدد الإطار العام للكتاب: فضح ازدواجية المعايير الغربية. ففي الوقت الذي كان فيه الغرب يضغط على الاتحاد السوفيتي للسماح لليهود بالهجرة إلى إسرائيل، كان يتغاضى عن تهجير الفلسطينيين وتدمير بيوتهم وقتل أطفالهم. الدواليبي يضع الرئيس الأمريكي أمام هذا التناقض الصارخ، ويسأله: كيف تدافع عن حقوق اليهود وتتجاهل حقوق الفلسطينيين؟ التمهيد الأول: نصوص من التوراة تثبت رفض الله لبني إسرائيل هذا القسم هو جوهر الكتاب وأهم ابتكاراته المنهجية. فبدلاً من أن يرد الدواليبي على إسرائيل من منظور إسلامي أو عربي، ينتقل إلى أرض الخصم ويستخدم سلاحه ضده. يستعرض نصوصاً مدمرة من أسفار الأنبياء في التوراة، تثبت أن الله قد رفض بني إسرائيل بسبب عصيانهم وتمردهم. أولاً – من سفر إرميا النبي: يستشهد الدواليبي بعدة فقرات من سفر إرميا، وهو من أقسى الأنبياء على بني إسرائيل في التوراة: · الفصل 6، الفقرات 28-30: "كلهم عصاة متمردون... كلهم مفسدون... والرب قد رفضهم." هذه الفقرة تعلن بشكل قاطع أن الله رفضهم تماماً. · الفصل 23، الفقرات 39-40: "ها أنا ذا أنساكم وأرفضكم أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها... وأجعل عليكم عاراً أبدياً، وخزياً أبدياً لا ينسى." هنا، لا يكتفي الرفض، بل يُلحق به "عار أبدي" و"خزي أبدي لا ينسى". هذا النص يبطل أي ادعاء بأن اليهود ما زالوا "شعب الله المختار". ثانياً – من سفر هوشع النبي: · الفصل 1، الفقرة 8: "إنكم لستم شعبي... وأنا لا أكون لكم." هذا النص هو أقوى نصوص الرفض في التوراة. فالله يعلن أنهم لم يعودوا شعبه، وأنه ليس إلههم. · الفصل 5، الفقرة 6: "يذهبون ليطلبوا الرب ولا يجدونه، قد تنحى عنهم." هنا، حتى التوبة والطلب لا ينفعان، لأن الله قد تنحى عنهم تماماً. ثالثاً – من سفر التثنية (الفصل 28، الفقرات 28-45): هذا الفصل معروف في التوراة باسم "لعنات التثنية"، وهو يصف العقوبات التي ستحل ببني إسرائيل إذا عصوا الله. يورد الدواليبي فقرات منها: "ويضربك الرب بالجنون، والعمى، وتحير القلب... كل هذه اللعنات تأتي عليك وتتبعك حتى تستأصل... وتكون هذه اللعنات فيك آية ومعجزة وفي نسلك إلى الدهر." هذه الفقرات تثبت أن ما حدث لليهود عبر التاريخ من اضطهاد وتشريد لم يكن عبثاً، بل كان نتيجة طبيعية لعصيانهم، حسب نص كتابهم المقدس. رابعاً – من سفر عاموس النبي (الفصل 8، الفقرات 2-3): "قد أتت النهاية على إسرائيل... لا أعود أصفح عنهم." هذا النص يعلن أن الفرصة قد انتهت، وأن الله لن يعود ليصفح عنهم مهما فعلوا. الخلاصة من هذه النصوص: في قراءة الدواليبي، هذه النصوص تثبت بشكل قاطع أن: · الله قد رفض بني إسرائيل رفضاً نهائياً. · الوعد بالأرض كان مشروطاً بالطاعة، وهم عصوا، فسقط الشرط وسقط معه الوعد. · ما يحدث لليهود من اضطهاد وتشريد هو تنفيذ للعنة الإلهية التي حلت بهم. التمهيد الثاني: نصوص من الإنجيل تثبت أن المسيح أرسل لخراف بني إسرائيل الضالة يشير الدواليبي إلى قول المسيح في إنجيل متى (15: 24): "إنما أرسلت لخراف بني إسرائيل الضالة." ويعلق على ذلك بأن مهمة المسيح كانت محصورة بالتبشير بين اليهود، وليس بين غيرهم. وهذا يثير تساؤلاً مهماً: إذا كانت مهمة المسيح لليهود، فلماذا يُرسل المنصرون إلى المسلمين وغيرهم، ولا يُرسل منصر واحد إلى اليهود الذين هم أحوج الناس إلى التبشير بحسب عقيدة المسيحية؟ هذا التساؤل يهدف إلى تفكيك التناقض في الموقف الغربي المسيحي من اليهود، وإظهار أن اليهود ظلوا عصاة على دينهم، وأنهم لا يستحقون دعماً خاصاً من المسيحيين. النص الرئيسي: تفنيد أكذوبة "الأرض الموعودة من الفرات إلى النيل" ينتقل الدواليبي إلى جوهر الكتاب، وهو تفنيد المزاعم اليهودية بأن "أرض إسرائيل" الموعودة تمتد من نهر الفرات إلى نهر النيل. يذكر أن هذا الادعاء يستند إلى تفسيرات مشوهة لنصوص التوراة، وأن النصوص الحقيقية تثبت عكس ذلك تماماً. الأدلة التي يقدمها الدواليبي: أولاً – أن الوعد كان مشروطاً بالطاعة والاستقامة: يذكر أن الله عندما وعد إبراهيم وموسى وبني إسرائيل بالأرض، كان ذلك مشروطاً بطاعته والتمسك بشرائعه. وعندما عصوا، سقط الوعد وأعلن رفضهم. وهذا واضح من نصوص سفر التثنية التي أوردها. ثانياً – أن الله قد أعلن رفضه لبني إسرائيل بشكل قاطع: من خلال النصوص التي أوردها في التمهيد الأول، يثبت الدواليبي أن الله أعلن أن بني إسرائيل "ليسوا شعبه"، وأنه رفضهم "رفضاً أبدياً". وبالتالي، لا يمكن أن يكون لهم أي حق في أي أرض. ثالثاً – أن "الأرض الموعودة" كانت للعرب الكنعانيين أصلاً: يشير الدواليبي إلى أن فلسطين كانت أرضاً للعرب الكنعانيين قبل وصول بني إسرائيل إليها، وأن بني إسرائيل لم يكونوا سوى غزاة احتلوا الأرض وقتلوا أهلها. وهذا ما يحدث اليوم أيضاً: غزو جديد، وتشريد جديد. رابعاً – أن التلمود والتراث اليهودي يحرضان على قتل غير اليهود: يشير الدواليبي إلى نصوص من التلمود اليهودي التي تحرض على إبادة غير اليهود، ويؤكد أن هذا هو السبب الحقيقي وراء العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين. هذه النصوص تثبت أن العدوان الإسرائيلي ليس مجرد صراع على أرض، بل هو عدوان ديني مستند إلى نصوص دينية. الخاتمة: دعوة إلى التحكيم إلى التوراة والإنجيل والتلمود يختم الدواليبي كتابه بدعوة إلى أنصار إسرائيل في الغرب إلى العودة إلى كتبهم المقدسة – التوراة والإنجيل والتلمود – ليروا بأنفسهم أن الله قد رفض بني إسرائيل، وأن "الأرض الموعودة" ليست لهم، وأن ما يفعلونه في فلسطين هو عدوان صريح باسم دين لم يعودوا أهلاً له. "وتعالوا نحتكم فيهم اليوم إلى التوراة والتلمود والإنجيل." هذه الدعوة هي قمة الإفحام، لأنها تطلب من الخصم أن يحتكم إلى مصادره هو، وإلى كتبه هو، ليرى أن هذه المصادر تشهد ضده. القسم الثاني: منهجية الدواليبي في مقاربة القضية الفلسطينية بعد هذا الاستعراض الشامل لمحتوى الكتاب، يمكننا الآن تحليل منهجية الدواليبي في مقاربة القضية الفلسطينية. هذه المنهجية تمثل نقلة نوعية في أسلوب الدفاع عن القضية الفلسطينية، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية: أولاً: توظيف نصوص التوراة كحجة ضد إسرائيل (الإفحام من الداخل) أبرز ما يميز هذا الكتاب هو اعتماد الدواليبي على نصوص التوراة والإنجيل ذاتها لتفنيد المزاعم الإسرائيلية. هذا المنهج يحقق أهدافاً متعددة: · الإفحام بالحجة: يستحيل على اليهودي المتدين أن يرد على نصوص من كتابه المقدس تثبت رفض الله له. · مخاطبة الضمير الغربي المسيحي: عندما يقرأ المسيحي في الغرب أن التوراة تعلن رفض الله لبني إسرائيل، قد يعيد النظر في دعمه لهم. · تفكيك الأسطورة: يكشف الدواليبي أن "أرض الميعاد" لم تكن هبة مجانية، بل كانت مشروطة بالطاعة، واليهود لم يلتزموا. هذا المنهج يشبه ما فعله الدواليبي في كتبه السابقة عندما استشهد بالمصادر الغربية ليدعم مواقفه. هنا، يفعل الشيء نفسه لكن مع نصوص التوراة. ثانياً: فضح ازدواجية المعايير الغربية يكرس الدواليبي جزءاً كبيراً من كتابته لفضح تناقض الموقف الغربي. فهو يذكر أن الغرب يدافع عن حقوق الإنسان في مكان (حق اليهود السوفييت في الهجرة)، وينتهكها في مكان آخر (حق الفلسطينيين في أرضهم). ويذكر أن أمريكا وأوروبا تغض الطرف عن جرائم إسرائيل، بينما تتدخل بقوة في أزمات أخرى. وهذا الأسلوب يهدف إلى تفكيك الشرعية الأخلاقية التي يدعيها الغرب، وإظهار أن "حقوق الإنسان" لديه ليست سوى أداة سياسية تستخدم عندما تخدم مصالحه. ثالثاً: المنهج التاريخي المقارن يعتمد الدواليبي على مقارنة التاريخ القديم بالتاريخ الحديث. فهو يذكر أن بني إسرائيل لم يدخلوا فلسطين أول مرة إلا بالغزو والقتل، وأنهم طردوا منها عدة مرات بسبب غدرهم وخيانتهم. ويذكر أن هذا هو ما يحدث اليوم أيضاً: غزو جديد، وتشريد جديد. وهذا المنهج يضع الأحداث المعاصرة في سياقها التاريخي، ويُظهر أن الصراع ليس جديداً، بل هو تكرار لنمط قديم من العدوان. رابعاً: مخاطبة الرئيس الأمريكي مباشرة من اللافت في الكتاب أنه موجه إلى الرئيس الأمريكي شخصياً. وهذا يحقق أهدافاً متعددة: · لفت الانتباه: مخاطبة رئيس دولة عظمى تجعل الكتاب أكثر تأثيراً. · إحراج الرئيس: يضعه الدواليبي أمام تناقض مواقفه، ويسأله سؤالاً مباشراً. · توجيه رسالة إلى الرأي العام الغربي: مخاطبة الرئيس الأمريكي هي في الحقيقة رسالة إلى الشعب الأمريكي والنخب الغربية، تفضح سياسات حكوماتهم. خامساً: الاستشهاد بالمصادر اليهودية والمسيحية لا يكتفي الدواليبي بالتوراة، بل يستشهد أيضاً بالإنجيل والتلمود. وهذا يوسع دائرة المخاطبين: اليهود والمسيحيين على السواء. ويؤكد أن الكتاب المقدس اليهودي – المسيحي نفسه يشهد ضد المزاعم الصهيونية. القسم الثالث: وقفات مع الكتاب في سياقه بعد هذه القراءة التحليلية، لا بد من وقفات متأملة مع حدود الكتاب، ليس بقصد التقليل من قيمته، بل في إطار السعي إلى قراءة أكاديمية منصفة تراعي سياق الكتاب وظروف إنتاجه. أولاً – السياق الزمني والسياسي: الرسالة الأصلية كُتبت في عام 1990م (ورُفعت إلى المؤتمر الإسلامي الشعبي العالمي في بغداد في يونيو 1991م)، ثم نُشرت ككتاب مستقل عام 1994م عن دار الشواف للنشر والتوزيع. هذا السياق يفسر اللهجة الحادة والمواجهة المباشرة التي يتسم بها الكتاب. ثانياً – الجمهور المستهدف: الكتاب موجّه إلى جمهورين: · الغرب المسيحي واليهودي: لإفحامهم بنصوص كتبهم. · الجمهور العربي والإسلامي: لتعزيز وعيه بأن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية فقط، بل قضية دينية وتاريخية. ثالثاً – حدود الكتاب: · غياب الحلول العملية: الكتاب يركز على النقد والتفنيد، لكنه لا يقدم رؤية واضحة للحل. · الطابع العاطفي في بعض الفقرات: على الرغم من المنهجية العلمية، إلا أن بعض الفقرات تحمل طابعاً عاطفياً شديداً. · التركيز على الجانب الديني فقط: القضية الفلسطينية لها أبعاد سياسية وقانونية وإنسانية، والكتاب ركز بشكل كبير على البعد الديني. · نقص المصادر الثانوية: الكتاب يعتمد بشكل أساسي على النصوص المقدسة. رابعاً – غياب الإشارة إلى أثر الرسالة أو رد فعل الجهة الموجهة إليها: يلاحظ القارئ أن الكتاب صيغ في الأصل كرسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، لكنه يخلو من أي إشارة إلى ما إذا كانت هذه الرسالة قد وصلت بالفعل إلى الرئيس بوش، أو ما إذا كان هناك أي رد فعل رسمي من جانبه. هذا الغياب يثير تساؤلات حول طبيعة العمل: هل هو مراسلة دبلوماسية حقيقية تنتظر رداً؟ أم أنه "رسالة مفتوحة" موجهة في الأصل إلى الرأي العام العالمي، واستُخدمت صيغة مخاطبة الرئيس كأداة بلاغية؟ وبما أن الكتاب صدر عام 1994م، فمن المرجح أن الهدف الأساسي كان التوثيق والتأثير الفكري، وليس انتظار رد رسمي. خامساً – الدواليبي وغيره من الباحثين: مكانة الكتاب في سياقه الفكري الدواليبي لم يكن الوحيد الذي تناول هذا الموضوع. فهناك باحثون آخرون سبقوه أو عاصروه، منهم: الدكتور أحمد داوود، والدكتور خزعل الماجدي، وتوماس طومسون، والدكتور أسعد قطّان، ونور مصالحة. لكن ما يميز كتاب الدواليبي هو: · صيغة "الرسالة المفتوحة" الموجهة إلى الرئيس الأمريكي. · الجمع بين الإفحام الديني والاحتجاج السياسي في آن واحد. · الخلفية القانونية والدبلوماسية للكاتب. · الاعتماد الحصري على المصادر اليهودية والمسيحية دون غيرها. · السياق الزمني الحساس الذي كُتبت فيه الرسالة الأصلية. القسم الرابع: تحليل مقارن مع كتاب "المرأة في الإسلام" بين كتاب "أكذوبة الأرض الموعودة" وكتاب "المرأة في الإسلام"، ثمة تشابهات واختلافات منهجية تستحق الوقوف عندها. أوجه التشابه: · الاعتماد على مصادر الخصم: في كتاب المرأة، استشهد الدواليبي بالمصادر الغربية (نهرو، وأساتذة الحقوق الفرنسيين، وسيمون دو بوفوار) لتفنيد الشبهات. وفي هذا الكتاب، استشهد بنصوص التوراة والإنجيل لتفنيد المزاعم الصهيونية. المنهج واحد: استخدام سلاح الخصم ضده. · مخاطبة الغرب بلغته: في كلا الكتابين، يخاطب الدواليبي الغرب بلغة يفهمها ويحترمها (لغة القانون والحقوق في كتاب المرأة، ولغة النص المقدس في هذا الكتاب). · فضح ازدواجية المعايير: في كتاب المرأة، فضح ازدواجية المعايير الغربية في حقوق المرأة (الثورة الفرنسية تعلن حقوق الرجل وتعدم المرأة المطالبة بحقوقها). وفي هذا الكتاب، فضح ازدواجية المعايير في تطبيق حقوق الإنسان بين اليهود والفلسطينيين. أوجه الاختلاف: · الطبيعة والأسلوب: كتاب المرأة طويل، منهجي، هادئ، يتبع أسلوب العرض والتحليل. أما هذا الكتاب فهو قصير (38 صفحة)، حاد، ساخر، يتبع أسلوب المواجهة المباشرة والإفحام. · الجمهور المستهدف: كتاب المرأة يخاطب جمهورين (المسلم والغربي) بهدف الإقناع والحوار. أما هذا الكتاب فيخاطب الرئيس الأمريكي مباشرة، والجمهور الغربي بشكل عام، بهدف الإحراج والفضح. · الغرض: كتاب المرأة يهدف إلى الدفاع عن الإسلام وتقديمه كبديل حضاري. أما هذا الكتاب فيهدف إلى تفنيد رواية تاريخية - دينية تستخدم لتبرير الاحتلال. · السياق: كتاب المرأة كُتب في سياق حوار هادئ مع الغرب. أما هذا الكتاب فكُتب في سياق مواجهة سياسية حادة بعد حرب الخليج الثانية. خاتمة: قيمة الكتاب في مشروع الدواليبي الفكري يمثل كتاب "أكذوبة الأرض الموعودة" إضافة نوعية لمشروع الدواليبي الفكري. فبعد أن عرفناه كعالِم شريعة وقانون يدافع عن الإسلام في مواجهة الغرب في قضايا حقوق الإنسان والمرأة، نراه هنا يخوض معركة جديدة: معركة تفنيد الأكذوبة الصهيونية من داخل نصوصهم المقدسة. الكتاب يجمع بين: · العمق الديني: بالاستشهاد بنصوص التوراة والإنجيل والتلمود. · المنظور التاريخي: بوضع الأحداث في سياقها التاريخي. · الاحتجاج السياسي: بفضح ازدواجية المعايير الغربية. · الإفحام الحواري: باستخدام سلاح الخصم ضده. ما يميز منهج الدواليبي في هذا الكتاب هو قدرته على تحويل الصراع من صراع سياسي – عسكري إلى صراع ديني – فكري، حيث يثبت أن الكتاب المقدس اليهودي – المسيحي نفسه يشهد ضد المزاعم الصهيونية. ورغم بعض الملاحظات حول الطابع العاطفي، وغياب الإشارة إلى أثر الرسالة، والانتقائية في اختيار النصوص، يبقى هذا الكتاب وثيقة مهمة في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر، وشاهداً على مرحلة من مراحل الصراع مع المشروع الصهيوني، حيث انتقل العلماء المسلمون من الدفاع إلى الهجوم، ومن الرد إلى الإفحام، ومن مخاطبة الجمهور العربي إلى مخاطبة الضمير الغربي بلغته ومصادره. معلومات النشر: · الناشر: دار الشواف للنشر والتوزيع. · سنة النشر: 1994م. · عدد الصفحات: 38 صفحة. شكر وتقدير لا يفوتني في ختام هذه القراءة التحليلية أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير والعرفان للأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي Nofal Al Dawalibi ، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، الذي تفضل مشكوراً بتقديم النسخ من مؤلفات والده والوثائق التاريخية القيمة، وكان له الفضل في توفير المادة العلمية التي أضاءت هذه القراءة، كما كان له فضل تصحيح المعلومات وتصويبها، مما أضاف إلى هذا البحث بعداً توثيقياً دقيقاً. كما أتقدم بالشكر والتقدير للأستاذ الدكتور رأفت شهير شحادة Rafat Shahadah – حفظه الله – الذي كان له الفضل في تحفيزي وتشجيعي على الخوض في هذا المشروع البحثي، والإتيان على فكر الدواليبي من مختلف جوانبه. فلهما مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والد الأستاذ نوفل، وأن يبارك لهما في علمهما وجهدهما، وأن ينفع بهما الأمة الإسلامية. كلمة من الأستاذ نوفل الدواليبي (ابن المؤلف) بعد اطلاعه على هذه القراءة التحليلية، تفضل الأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي – حفظه الله – بهذا التعليق: "ممتاز. أشكركم مجدداً لإلقاء الضوء على ما تجرده بعض النصوص الدينية لدى اليهود والمسيحيين في حقيقة ما يعانيه الشعب الفلسطيني من اضطهاد بذريعة كاذبة، طغياناً عليهم وحقوقهم التاريخية والشرعية. وأيضاً غضب الله على اليهود. جزاكم الله خيراً، ولكن جهودكم في ميزان حسناتكم." فله مني جزيل الشكر على ثقته ودعمه، وأسأل الله أن يحفظه ويمده بالصحة والعافية. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ملحق: نصوص التوراة التي استشهد بها الدواليبي (كاملة) للقارئ الذي يرغب في الاطلاع على النصوص كاملة كما وردت في الكتاب، نقدمها هنا: أولاً – من سفر إرميا النبي (الفصل 6، الفقرات 28-30): "كلهم عصاة متمردون... كلهم مفسدون... والرب قد رفضهم." ثانياً – من سفر إرميا النبي (الفصل 23، الفقرات 39-40): "ها أنا ذا أنساكم وأرفضكم أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها... وأجعل عليكم عاراً أبدياً، وخزياً أبدياً لا ينسى." ثالثاً – من سفر هوشع النبي (الفصل 1، الفقرة 8): "إنكم لستم شعبي... وأنا لا أكون لكم." رابعاً – من سفر هوشع النبي (الفصل 5، الفقرة 6): "يذهبون ليطلبوا الرب ولا يجدونه، قد تنحى عنهم." خامساً – من سفر التثنية (الفصل 28، الفقرات 28-45): "ويضربك الرب بالجنون، والعمى، وتحير القلب... كل هذه اللعنات تأتي عليك وتتبعك حتى تستأصل... وتكون هذه اللعنات فيك آية ومعجزة وفي نسلك إلى الدهر." سادساً – من سفر عاموس النبي (الفصل 8، الفقرات 2-3): "قد أتت النهاية على إسرائيل... لا أعود أصفح عنهم." د.محمد سعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University