صَدَقَ اللهُ.. وَكَذَبَ بُورقِيبَةُ! : الدكتور محمد كالو

صَدَقَ اللهُ.. وَكَذَبَ بُورقِيبَةُ! في سجلات التاريخ صفحاتٌ تشرق بنور الحق، ومواقفُ تزلزل عروش الباطل بكلمة صدقٍ لا تلين، وتعد حادثة المواجهة العلمية بين العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى الذي وقف كالجبل الأشم في وجه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة عام 1960م، فصلاً فريداً من فصول العزة الإسلامية، ومنارةً هادية في تاريخ العلاقة بين النص الشرعي وسلطة الدولة. لم تكن تلك الحادثة مجرد اختلاف عابر في وجهات النظر، بل كانت زلزالاً فكرياً اصطدمت فيه محاولات عصرنة الدين قسراً بصخرة الثبات المنهجي، ففي الوقت الذي حاول فيه بورقيبة امتطاء لغة "الجهاد" لتبرير إفطار العمال بدعوى رفع الإنتاج، وقف ابن عاشور بصفته حارساً لثغور الشريعة، ليعيد الأمور إلى نصابها بكلماتٍ نُحتت في ذاكرة الزمن. إنها قصة تلخص صراع التأويل، وتكشف كيف يمكن لكلمة الحق أن تزلزل أركان السياسة حينما تحاول الأخيرة التغول على الثوابت، لتظل مقولة الشيخ الشهيرة نبضاً حياً يبرهن أن العلم الحقيقي لا يُشترى بالجاه، وأن هيبة الشريعة تعلو ولا يُعلى عليها. فما هي كلمة الحق التي أطلقها الشيخ ابن عاشور رحمه الله تعالى؟ في رمضان من عام 1379هـ، أطلّ الرئيس التونسي آنذاك، الحبيب بورقيبة، بخطابٍ غريبٍ في مرماه، أراد فيه أن يطوع النص الديني لخدمة الأجندة السياسية، زعم أن الصيام يُضعف الإنتاج ويُعطل عجلة التنمية، واصفاً معركة البناء بـ "الجهاد الأكبر"، قياساً على الجهاد في سبيل الله تعالى الذي يُبيح الفطر للمجاهدين. كان هذا الطرح بمثابة السم في العسل؛ صفة استُخدمت لليّ أعناق النصوص، فكان لا بد من سيفٍ من الحق يقطع دابر هذه الشبهة. وحين طُلب من شيخ جامع الزيتونة، الإمام ابن عاشور، أن يبارك هذا التوجه بفتوى شرعية، لم يبع دينه بدنيا غيره. ارتقى منبر الإذاعة، والناس حابسةٌ أنفاسها، فكان كلامه كالغيث الذي يحيي الأرض بعد موتها، أو كالصاعقة التي تحرق هشيم الباطل. لم يتحدث الشيخ بلسان المداهن، بل بلسان الموقن، فتلا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183). ثم أتبعها ببيانٍ شافٍ، موضحاً أن رخص الفطر حصرها الشارع في السفر والمرض وما في حكمهما، وليست التنمية الاقتصادية مبيحةً لهتك حرمة الشهر الفضيل، ثم ختم موقفه بعبارته التي سارت بها الركبان، واختصرت معاني العزة والولاء لله سبحانه: (صدق الله.. وكذب بورقيبة!) لقد كان موقف ابن عاشور موقفاً شجاعاً لمعنى الأمانة العلمية؛ حيث لم يركن إلى فقه التبرير، بل تمسك بفقه الدليل. واستند الشيخ إلى الآية المحكمة التي تفيد فرضية الصيام وجعلت التقوى غايته الكبرى، والتقوى لا تتحقق بمخالفة أمر الله تعالى طلباً لمتاع الدنيا. ومن المعلوم في السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص الفطر إلا لعذرٍ شرعي، وقد قال في الحديث المتفق عليه: "بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ..." وذكر منها صوم رمضان، والأصل في العبادة التوقيف والامتثال. إن كلمات الشيخ ابن عاشور لم تكن مجرد خطاب وحروفٍ نُطقت، بل كانت شهاباً ثاقباً لانتصار الوحي أحرق زيف الادعاءات، وإعلان صريح بأن التنمية الحقيقية لا تبدأ بهدم أركان الإسلام، بل بالاستمداد من روحه، رحل الشيخ ابن عاشور رحمه الله تعالى وبقي علمه وموقفه كالشامة في جبين التاريخ، يُعلّم الأجيال أن العالم هو من يقول: "لا" حين يظن الجميع أن "نعم" هي طريق النجاة، وأن العالم الحق هو الذي يكون نبراساً في الظلمات، لا ظلاً للسلطان؛ ليثبت أن النجاة الحقيقية إنما تكون في رحاب الصدق مع الله تعالى والوفاء لأمانة العلم. رحل بورقيبة ورحل ابن عاشور، وبقي التاريخ يهمس في أذن كل جيل: إن الحق أبلج، والباطل لجلج، وأن كلمة "صدق الله" هي الغالبة دائماً وأبداً، مهما تجمّل الباطل بزينة الجهاد أو الإصلاح. وفي ختام هذا المشهد التاريخي المهيب، تنجلي لنا حقيقةٌ ساطعة كشمس الضحى؛ وهي أن مواقف الرجال هي التي تخلد ذكراهم، وأن مداد العلماء الصادقين لا يقلُّ أثراً عن دماء الشهداء في حماية بيضة الدين، فقد كان موقف الشيخ ابن عاشور بمثابة الفرقان الذي ميّز بين الثوابت الشرعية والمتغيرات السياسية، مبرهناً على أن الشريعة الغراء ليست ثوباً يُفصّل على مقاس الأهواء، بل هي ميزانٌ عدلٌ تخضع له الرقاب. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا الأمريكية Generations and Technology University