قراءة تحليلية في كتاب "المرأة في الإسلام" للدكتور محمد معروف الدواليبي

قراءة تحليلية في كتاب "المرأة في الإسلام" للدكتور محمد معروف الدواليبي دراسة في المنهج والمضمون والرسالة بقلم الدكتور محمد سعيدمصطفى أركي مقدمة: يأتي كتاب "المرأة في الإسلام" للدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله كثمرة ناضجة لمسيرة فكرية وعلمية حافلة، امتدت لعقود من العمل الأكاديمي والدبلوماسي والحواري. فالكتاب ليس مجرد بحث عابر في قضية آنية، بل هو خلاصة منهجية متكاملة تبلورت عبر سلسلة من اللقاءات العلمية والحوارات الحضارية التي قادها الدواليبي مع أبرز المؤسسات الغربية: الفاتيكان، والمجلس الأوروبي، ومجلس الكنائس العالمي، والجامعات الفرنسية. وما يميز هذا الكتاب عن غيره من المؤلفات التي تناولت قضية المرأة في الإسلام هو منهجيته الفريدة التي تجمع بين: · العمق التأصيلي: بالعودة إلى النصوص الشرعية وفهم مقاصدها. · المنظور التاريخي المقارن: بوضع قضية المرأة في سياقها الحضاري العالمي. · الانفتاح الحواري: بالاستشهاد بالمصادر الغربية والأصوات الغربية المنصفة. · الواقعية: بالاعتراف بوجود ممارسات خاطئة في المجتمعات الإسلامية، وتمييزها عن صحيح الدين. هذه القراءة التحليلية تسعى إلى استعراض كامل محتوى الكتاب، ثم الغوص في أعماق منهجية الدواليبي، وأخيراً تقديم تقييم شامل يضع الكتاب في سياقه ويرصد إسهاماته. القسم الأول: استعراض كامل لمحتوى الكتاب المقدمة: السياق العالمي لقضية المرأة يبدأ الدواليبي كتابه بوضع قضية المرأة في إطارها العالمي، مشيراً إلى التحولات الكبرى التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أخذت الأمم المتحدة تدعو إلى نظام جديد يقوم على مبادئ إنسانية تعترف بوحدة الأسرة البشرية وكرامة الإنسان. وكان لجنس المرأة النصيب الأكبر في هذه الدعوات، بعد قرون من التمييز والإقصاء. يشير الدواليبي إلى أن تقدم العلم والتكنولوجيا صغّر الأرض وزال الحدود، وامتزجت الشعوب وتشابكت مصالحها، مما استدعى ظهور مفاهيم جديدة تدعو إلى محو التمايز بين البشر عرقياً وقومياً ودينياً واقتصادياً. وهكذا، يضع الدواليبي قضية المرأة في سياقها الإنساني الواسع، ليؤكد من البداية أن الإسلام لم يأت بمعزل عن هذه القضايا، بل كان أسبق إليها وأكثر شمولاً. المبحث الأول: المرأة في الحضارات القديمة والعالم قبل الإسلام يمثل هذا المبحث الجوهر التاريخي للكتاب، حيث يستعرض الدواليبي وضع المرأة في أبرز الحضارات القديمة، ليُظهر أن ما وصلت إليه البشرية من تحرر للمرأة لم يكن نتاجاً ذاتياً، بل كان ثمرة تراكم حضاري ساهم فيه الإسلام بشكل جذري. أولاً – الثورة الفرنسية وازدواجية المعايير: يشير الدواليبي إلى أن الثورة الفرنسية التي يُحتج بها عادةً كمصدر لحقوق الإنسان، أعلنت في مادتها الأولى: "يولد الرجل حراً ولا يجوز استعباده". لكنها رفضت إضافة كلمة "والمرأة"، وظل إعلان الثورة قاصراً على الرجال. ويستشهد بمأساة أوليمب دو كورج التي تجرأت عقب الثورة وقدمت سبع عشرة مادة تطالب بمساواة المرأة بالرجل، فلم يقبل اقتراحها وصدر الأمر بقطع رأسها بالمقصلة! هذه الواقعة – التي يرويها الدواليبي بتفصيل دقيق – تهدف إلى تفكيك الأسطورة الغربية حول ريادة الغرب في حقوق المرأة، وإظهار أن المسيرة كانت شاقة ومكلّفة بالدماء، وأن الإسلام سبق هذه الإنجازات بقرون. ثانياً – المرأة في شريعة مانو الهندية: ينقل الدواليبي عن الزعيم الهندي جواهر لال نهرو في كتابه "اكتشاف الهند" أن وضع المرأة في الهند القديمة كان سيئاً من غير ريب، حيث كانت تعتمد على الأب ثم الزوج ثم الابن، وكانت محرومة من الميراث، وكانت في الجملة موروثة لا وارثة. ويضيف أن شريعة مانو جعلت "كل ما هو كائن في الوجود ملكاً للبراهمة"، وأن المرأة لم تكن تتمتع بأية أهلية قانونية مستقلة. ثالثاً – المرأة في شريعة الرومان وآثارها: يصف الدواليبي وضع المرأة في الشريعة الرومانية بأنه كان قائماً على: · عدم الاعتراف بأية أهلية حقوقية للمرأة. · وضعها تحت الوصاية الدائمة، لا فرق بين صغرها أو بلوغها سن الرشد. · كونها في الجملة موروثة لا وارثة. ويشير إلى أن آثار هذه الشريعة امتدت حتى اليوم في كثير من الدول الحديثة المتأثرة بالقانون الروماني. رابعاً – المرأة في عهد النصرانية الأولى: ينقل الدواليبي عن نهرو أن وضع المرأة في الهند القديمة كان أفضل من وضعها في بلاد اليونان القديمة، أو في رومة القديمة، أو في عهود النصرانية الأولى. ويشير إلى أن بعض الندوات الدينية في روما شككت في إنسانية المرأة وطبيعة روحها، بل إن أحد هذه الاجتماعات قرر "أنه لا روح لها على الإطلاق، وإنها لن تبعث في الحياة الأخرى"! هذه الإشارة بالغة الأهمية، فهي تُظهر أن الجدل حول "إنسانية المرأة" لم يكن مجرد قضية اجتماعية، بل كان قضية لاهوتية عميقة في تاريخ المسيحية الأوروبية. خامساً – المرأة في جزيرة العرب قبل الإسلام: يخصص الدواليبي فقرة خاصة للحديث عن وضع المرأة العربية قبل الإسلام، وهو الوضع الذي كان شراً من كل ما سبق. فقد كانت المرأة العربية "عاراً يحرص أولياؤها الذكور على التخلص منها بوأدها حية ساعة ولادتها". وكان لذلك عوامل مختلفة، أهمها ضعف بنيتها في الشدائد، وضآلة كسب الرجل في الحياة. ويستشهد بالآيات القرآنية التي نددت بهذا الوضع الأليم: · "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به: أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون" (النحل: 58-59). · "وإذا الموؤودة سئلت. بأي ذنب قتلت" (التكوير: 8-9). · "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقكم وإياهم" (الأنعام: 151). بهذا الاستعراض التاريخي المقارن، يضع الدواليبي القارئ في مواجهة حقيقة صارخة: أن ما وصلت إليه البشرية من تكريم للمرأة لم يكن سهلاً، وأن الإسلام جاء في ظلام حالك من التمييز والإقصاء، ليحدث ثورة تشريعية وأخلاقية غير مسبوقة. المبحث الثاني: إصلاحات الإسلام للمرأة والمنطلقات النظرية بعد أن رسم الدواليبي صورة قاتمة لوضع المرأة قبل الإسلام، ينتقل إلى عرض إصلاحات الإسلام الجذرية، مركزاً على ثلاثة منطلقات نظرية أساسية: المنطلق الأول: المساواة في الإنسانية والكرامة يؤسس الدواليبي لهذا المنطلق بالنص القرآني: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى" (الحجرات: 13)، وهو نص يعلن أن الأصل الإنساني واحد للرجال والنساء. ويضيف إليه قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم" (الإسراء: 70)، ليؤكد أن التكريم الإلهي يشمل الذكر والأنثى على السواء. المنطلق الثاني: المساواة في الأهلية والحقوق يشير الدواليبي إلى أن الإسلام منح المرأة حق التملك والتصرف والبيع والشراء، خلافاً للقوانين الرومانية التي كانت تجعلها تحت الوصاية الدائمة. وقد جاهر القرآن بذلك في آيات متعددة، منها قوله تعالى: "للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن" (النساء: 32). المنطلق الثالث: المساواة في الولاية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا المنطلق هو الأكثر جرأة في تحليله، حيث يستشهد الدواليبي بقوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (التوبة: 71). ويعلق على ذلك قائلاً: "بهذا النص الخالد على الزمن، لم يكتف الإسلام من إنقاذ المرأة من التبعية للرجل كشيء من الأشياء، أو من إنقاذها من وصايته عليها... بل رفعها إلى مقام المساواة الكريمة... وبذلك خرج جنس المرأة أول مرة في التاريخ من أن تكون المرأة تبعاً لجنسها مأمورة فقط، ولتصبح بعد اليوم آمرة أيضاً." ويضيف أن هذا الحق في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هو ما يعبر عنه اليوم بحق "حرية الكلمة والنقد للمسؤولين ولغير المسؤولين". وهذه قراءة جريئة تعيد تأويل النص القرآني لتقديمه كتأصيل شرعي لمفهوم المشاركة السياسية والاجتماعية للمرأة. تكريم المرأة في السنة النبوية: لا يكتفي الدواليبي بالنصوص القرآنية، بل يستشهد بأحاديث نبوية تؤكد مكانة المرأة، منها: · حديث "من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك". · حديث "الزم رجلها، فثم الجنة". · حديث "النساء شقائق الرجال". · حديث "كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته... والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها". وهذه الأحاديث – في قراءة الدواليبي – تكرس مبدأ المسؤولية المشتركة، وتؤكد أن المرأة ليست مجرد تابعة، بل هي راعية مسؤولة لها دورها المحوري في المجتمع. المبحث الثالث: الرد على الشبهات حول وضع المرأة في الإسلام هذا المبحث يشكل القسم الأطول والأكثر تفصيلاً في الكتاب، حيث يتناول الدواليبي ست شبهات رئيسية أثيرت حول حقوق المرأة في الإسلام، ويقدم ردوداً مفصلة عليها. أولاً: حول عدم المساواة في الميراث يبدأ الدواليبي بتأكيد أن الأصل في الإسلام هو المساواة الكاملة، وأن التفريق في بعض الحالات (كالذكر مثل حظ الأنثيين) جاء لتحقيق العدالة وليس لمجرد التمييز. ويوضح أن الذكر مسؤول عن النفقة على الأسرة، بينما الأنثى غير مسؤولة، ولذلك أعطي ضعف الأنثى في بعض الحالات، عملاً بقاعدة "الغرم بالغنم" (أي أن العطاء على قدر المسؤولية). ويشير إلى حالات المساواة في الميراث التي نادراً ما يذكرها من يثيرون هذه الشبهة: · المساواة بين الأم والأب من ولدهما إذا كان للولد أولاد ذكور. · المساواة بين الأخت والأخ لأم إذا لم يكن لأخيهما أصل من الذكور ولا فرع وارث. ثانياً: حول عدم المساواة في الشهادة يلفت الدواليبي النظر أولاً إلى أن الشهادة في الإسلام هي "عبء" ثقيل يتهرب منه الناس، وليست "حقاً" يتزاحمون عليه. ويستشهد بآيات تحذر من التهرب من الشهادة ("ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا") ومن كتمانها ("ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه"). أما بخصوص النص القرآني الذي يجعل شهادة امرأتين مقابل رجل واحد ("واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى")، فيوضح الدواليبي أن هذا ليس من باب "حقوق الإنسان" بل من باب "الأعباء". فالمرأة – كالرجل – قد تتعرض للنسيان أو الغفلة، والقرآن أشار إلى أن هذا الاحتمال وارد في حق المرأة أكثر من الرجل، دون أن ينفيه عن الرجل. ولذلك عزز الشهادة بشهادة امرأتين، كما عزز شهادة الرجل بشهادة رجل آخر. ويؤكد أن هذا لا يمس اعتبار المرأة، خاصة وقد قبلت الشريعة شهادة المرأة منفردة في كل أمر كان الأليف فيه أن لا يدعى لتحمل الشهادة إلا النساء. ثالثاً: حول استئثار الرجل بالطلاق يعتبر الدواليبي الزواج في الإسلام عقداً رضائياً يقوم على العطاء المتبادل، وأن المرأة تمتاز بالحصول على المهر. ويرى أن الطلاق من جانب الرجل هو "إقالة للعقد"، وفي العقود الملزمة، لا تجوز الإقالة إلا بإذن الطرفين، وهذا هو سبب منح الرجل حق الطلاق لأنه هو الذي دفع المهر. لكنه يؤكد أن المرأة ليست بلا حق، بل لها: · حق الخلع (أي أن تطلب الطلاق مقابل عوض تدفعه للزوج). · حق اشتراط الطلاق في عقد الزواج. وهذه الضمانات، في نظر الدواليبي، تحقق التوازن بين الطرفين. رابعاً: حول تعدد الزوجات يتعامل الدواليبي مع هذه الشبهة بمنهج تاريخي واضح: يؤكد أن الإسلام لم يفتح باب التعدد، بل حدّه، وأغلق الباب المفتوح من غير تحديد الذي كان سائداً في اليهودية وقبلها. ثم قيّده بشرط العدل بين الزوجات في الحقوق، وجعل للزوجة حق الرجوع إلى القضاء إذا شعرت بالظلم. ويوضح أن التعدد للزوجة الجديدة هو برضاها، وليس إجباراً، ويهدف إلى إنقاذها من أن تكون خليلة غير محترمة. أما بالنسبة للزوجة الأولى، فيمنحها الإسلام حق اشتراط عدم التعدد في عقد الزواج، وهو ما يعتبره الدواليبي "الإصلاح الثالث" في هذا الباب. ويرد على سؤال لماذا تزوج الرسول بأكثر من أربع؟ ويجيب بأن زواج الرسول كان لأسباب دعوية وتشريعية واجتماعية، وبعد ذلك حرم الله عليه الزواج مرة أخرى بنص قرآني: "لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج". خامساً: حول الحجاب يبدأ الدواليبي بتأكيد أن الأصل في الحجاب هو الستر والعفاف، وهو مبدأ إنساني مشترك في جميع الحضارات. فاللباس هو ما يميز الإنسان المتحضر عن الحيوان، والله تعالى يقول: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سواتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير". ويحدد الإسلام حدوداً دنيا للباس: · للرجل: ستر ما بين السرة والركبة. · للمرأة: ستر جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين والقدمين. ويوضح الدواليبي أن الحجاب ليس قيداً، بل هو حماية للمرأة من التحرش. ويستشهد بالسبب النزولي لآية الجلباب ("يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين"). فقد كان بعض المنافقين يتعرضون للنساء في المدينة، فإذا زُجروا اعتذروا بأنهم ظنوهن إماء، فنزلت الآية لتمييز الحرائر عن الإماء، حماية لكرامتهن. ويختم بالقول إن الحجاب هو "الماكسي" أو "الكفتان" الذي عرفته البشرية، وأضاف عليه الإسلام "الخمار" لستر الرأس، وكل ذلك في إطار الحشمة والحياء. سادساً: حول العقوبات الجسدية يتعامل الدواليبي مع هذا الموضوع باختصار، محيلاً القارئ إلى كتبه السابقة (خاصة "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية") حيث شرح بالتفصيل أن هذه العقوبات (كالقطع والرجم) هي عقوبات نظرية وليست واقعية، وأن شروط تطبيقها بالغة الصعوبة (كالاعتراف أربع مرات، أو وجود أربعة شهود عيان). والغرض منها هو الردع والوقاية، وليس التنكيل بالمجرمين. وقد صان الإسلام بهذه القسوة النظرية أيدي السارقين وأرواح الناس وأعراضهم. المبحث الرابع: مشكلات المرأة المعاصرة وكيفية معالجتها في هذا المبحث، ينتقل الدواليبي من الرد على الشبهات إلى تقديم رؤية إيجابية لقضية المرأة في العصر الحديث. انتقاد التيارات المتطرفة: يشير إلى أن هناك من يدعو إلى تفكك الأسرة تحت مسمى حرية المرأة، وينتقد أفكار الكاتبة الفرنسية سيمون دو بوفوار التي تصرح في كتاباتها بأنها لا تحب الأعمال المنزلية، وأن المرأة لن تتحرر إلا حين تتحرر من الأطفال، وتتمكن من رفض الزواج، وأنه يجب إلغاء العائلة! الاستشهاد بأصوات غربية منصفة: ينقل باهتمام تصريحات السيدة مونيك بيلتيه، وزيرة الشؤون النسائية في عهد الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، التي أدلت بها إلى مجلة "المجلة" العربية في يوليو 1984م، قائلة: "أنا أحترم سيمون دو بوفوار كثيراً لموهبتها ومساهمتها الفعّالة في قضية المرأة، ولكنني لا أوافقها على آرائها المذكورة... إننا حين نستكف عن وضع الأطفال، فهذا يعني نهاية العالم... وأعتقد أن احتقار الحياة العائلية هو احتقار للمرأة والرجل. وأقول دائماً إن المرأة ليست أقل ذكاء ولا أقل مقدرة من الرجل، ولكنني أقول في الوقت ذاته إنها مختلفة عن الرجل." هذا الاستشهاد بالغ الأهمية، فهو يُظهر أن هناك أصواتاً غربية تتفق مع الرؤية الإسلامية وتنتقد التطرف الآخر، مما يمنح الدواليبي حجة قوية في حواره مع الغرب. الرواسب الجاهلية: يعترف الدواليبي بوجود بعض الممارسات الخاطئة في المجتمعات الإسلامية، ويذكر منها تحديداً: · أكل مهور البنات (الاستيلاء على مهر المرأة): يقول في هذا السياق: "وإذا اشتكى اليوم بعض الملاحظين والدارسين من مشاهدة أمثال هذه الرواسب، وخاصة مثل وضع بعض الرجال من بناتهم، واستغلالهن في حالة الزواج، وامتلاك مهرهن خالصاً في بعض الأطراف الإسلامية، وخاصة في بعض المناطق الريفية، فليس ذلك من المشكلات الإسلامية، وإنما هي أيضاً من رواسب مشكلات المرأة في عهود الإنسانية الماضية البغيضة، والمتأصّلة في النفوس في بعض المناطق، والتي حاربها الإسلام ولا يزال يُحاربها بكل عنف." · التقاليد الريفية الجاهلة: يؤكد أن هذه الممارسات لا تظهر إلا في بعض الأوساط الريفية الجاهلة التي ليس للإسلام سلطان على نفوسها، ولا تمتد إليهم الشريعة الإسلامية بأحكامها. أما الأوساط الإسلامية المدنية، والمُشربة بروح الإسلام، فإن بناتهم لا يخرجن من بيوت آبائهن للزواج إلا وهنّ متمتعات بأضعاف مهورهنّ عطاءً أبويّاً خالصاً. ويختم بقوله: "وبالجملة فإنها مشكلة غريبة عن الإسلام، ولا تظهر إلاّ في بعض الأوساط الريفيّة الجاهلة، والتي ليس للإسلام سلطان على نفوسها، ولا تمتد إليهم الشريعة الإسلامية بأحكامها..." خلاصة الرؤية الإسلامية: يؤكد الدواليبي أن الإسلام يعتبر الأسرة أساس المجتمع، وأن دور المرأة العظيم يبدأ من بناء هذه الأسرة على المودة والرحمة، ثم ينطلق منها إلى دورها في المجتمع الأكبر، ولا حجر عليها في ذلك ضمن مقتضيات المصلحة الشرعية. ويختم بقوله: "وإذا اشتكى اليوم بعض الملاحظين والدارسين... فليس ذلك من المشكلات الإسلامية... وإن معالجة هذه الرواسب وأمثالها في العالم الإسلامي لا تحتاج إلى نصوص شرعية محلية أو دولية، لأن أحكام الإسلام في ذلك معروفة، ولا يقف أمام تطبيقها إلا غياب سلطان الشريعة في النفوس." القسم الثاني: منهجية الدواليبي في مقاربة قضية المرأة بعد هذا الاستعراض الشامل لمحتوى الكتاب، يمكننا الآن الغوص في تحليل منهجية الدواليبي، التي تمثل أهم ما يميز هذا الكتاب عن غيره. أولاً: المنهج التاريخي المقارن يعتمد الدواليبي على مقارنة وضع المرأة في الإسلام بوضعها في الحضارات السابقة (الهندية، اليونانية، الرومانية، العربية الجاهلية)، ليس بهدف "الانتصار" بل بهدف "الفهم". فهو يريد أن يضع القارئ في مواجهة حقيقة تاريخية: أن الإسلام جاء في سياق عالمي كان فيه تهميش المرأة هو القاعدة، وأن إصلاحاته كانت ثورية بكل المقاييس. وهذا المنهج يحقق أهدافاً متعددة: · نزع القداسة عن الغرب: بإظهار أن الغرب لم يكن رائداً في تحرير المرأة، بل كان متأخراً ومتردداً. · تقدير حجم الإصلاح الإسلامي: بإظهار الفجوة الهائلة بين ما كانت عليه المرأة قبل الإسلام وما آلت إليه بعده. · تفكيك الأسطورة الاستشراقية: التي كانت تزعم أن الإسلام جاء ليقيد المرأة، بينما التاريخ يثبت العكس. ثانياً: توظيف المصادر الغربية من أبرز سمات منهج الدواليبي اعتماده على المصادر الغربية لتأكيد مواقفه. فهو يستشهد بـ: · جواهر لال نهرو (الزعيم الهندي) في وصف وضع المرأة في الهند القديمة. · أستاذ الحقوق الرومانية في جامعة باريس في وصف قسوة القانون الروماني. · أوليمب دو كورج (الناشطة الفرنسية) في وصف مأساة المرأة تحت الثورة الفرنسية. · سيمون دو بوفوار ومونيك بيلتيه (الكاتبتان الفرنسيتان) في مقاربة الأزمة الأسرية في الغرب. هذا التوظيف يحقق مصداقية عالية في خطابه الموجه للغرب، فهو لا يتحدث عنهم من خلف جدار، بل يستخدم أدواتهم المعرفية ليخاطبهم بلغتهم وبما يعترفون به. ثالثاً: المنهج الاستقرائي والتأصيلي لا يكتفي الدواليبي بالنصوص الجزئية، بل يحاول استخلاص المبادئ العامة التي تحكم رؤية الإسلام للمرأة. فهو ينتقل من الجزئيات (آيات الميراث، الشهادة، الطلاق) إلى الكليات (المساواة في الإنسانية، المساواة في الأهلية، المساواة في الولاية). وهذا المنهج يمنح القراءة بعداً فلسفياً وعمقاً تأصيلياً. رابعاً: الرد على الشبهات من داخل المنطق الغربي عندما يرد على شبهة تعدد الزوجات، لا يكتفي بالقول إنه حلال، بل يدخل في نقاش منطقي: يذكر أن التعدد كان مفتوحاً من غير حد في اليهودية، وأن الإسلام حدّه وقيّده بشروط. وعندما يرد على شبهة الحجاب، يذكر أن الحجاب هو "الماكسي" الذي كان رائجاً في الغرب نفسه. وهذا يظهر قدرة الدواليبي على تحويل النقاش من "هذا هو ديننا" إلى "هذا هو الأقرب إلى الفطرة الإنسانية". خامساً: الفصل بين الإسلام والرواسب الجاهلية من أبرز ملامح منهج الدواليبي أنه لا يدّعي المثالية المطلقة. فهو يعترف بوجود ممارسات خاطئة في المجتمعات الإسلامية (كأكل مهور البنات)، ولكنه يؤكد أنها ليست من الإسلام، بل هي رواسب جاهلية يجب محاربتها. هذا الفصل بين "الإسلام" و"المسلمين" يمنحه مصداقية، ويجعله أكثر قدرة على نقد الممارسات الخاطئة باسم الدين. سادساً: الحوار مع الغرب من موقع قوة يخاطب الدواليبي الغرب ليس من موقع الدفاع، بل من موقع العرض. فهو لا يقول "الإسلام ليس كما تتصورون"، بل يقول "الإسلام يقدم لكم حلاً لأزماتكم". وهذا الانتقال من "الرد على الشبهات" إلى "تقديم البديل" هو قمة الثقة بالنفس والحضارة. القسم الثالث: في فهم حدود الكتاب – غياب بعض القضايا والطابع الدفاعي في سياقه بعد هذه القراءة التحليلية الموسعة، لا بد من وقفات متأملة مع حدود الكتاب، ليس بقصد التقليل من قيمته، بل في إطار السعي إلى قراءة أكاديمية منصفة تراعي سياق الكتاب وظروف إنتاجه. أولاً – غياب بعض القضايا المعاصرة: يلاحظ القارئ المعاصر أن الكتاب لا يتطرق إلى قضايا مثل تمكين المرأة في المناصب القيادية السياسية، أو دور المرأة في الاجتهاد، أو العنف الأسري. وهذا الغياب ليس إغفالاً عن قصد، بل يعود إلى أسباب موضوعية تتعلق بطبيعة المشروع الفكري للدواليبي وسياقه الزمني: طبيعة المعركة التي كان يخوضها: الدواليبي كان في معركة حضارية كبرى هدفها الأساسي الرد على حملات التشويه الاستشراقية التي كانت تصوّر الإسلام على أنه دين يظلم المرأة. وكان همه الأول هو إثبات المبادئ العامة: المساواة في الإنسانية والكرامة والأهلية، والرد على الشبهات حول النصوص التشريعية الأساسية (الميراث، الشهادة، الطلاق، التعدد، الحجاب). أما القضايا التفصيلية المعاصرة فكانت – في منهجه – تأتي في مرحلة لاحقة بعد ترسيخ الأصول. السياق الزمني: المادة التي يعتمد عليها الكتاب تعود إلى الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وهي فترة لم تكن فيها قضايا مثل "تمكين المرأة في المناصب القيادية" مطروحة في العالم الإسلامي بنفس القوة التي هي عليها اليوم، ولم تكن قضية "العنف الأسري" قد حظيت بالاهتمام الأكاديمي والاجتماعي الذي حظيت به لاحقاً. كما أن "دور المرأة في الاجتهاد" كان مطروحاً في أوساط أكاديمية محدودة، ولم يكن محوراً في النقاش العام أو في الحوار مع الغرب. الجمهور المستهدف: الكتاب موجّه في جزء كبير منه إلى الجمهور الغربي الذي كان يشن حملة على الإسلام بحجة "ظلم المرأة". ولذلك كان التركيز على إظهار أن الغرب نفسه تأخر في منح المرأة حقوقها (كما في قصة أوليمب دو كورج)، وأن ما يقدمه الإسلام هو حل إلهي متكامل، وليس مجرد استجابة لضغوط اجتماعية. أما القضايا الداخلية في المجتمعات الإسلامية، فطرحها في خطاب موجه للغرب كان سيضع الإسلام في موقع الدفاع مرة أخرى، وهو ما كان الدواليبي يحاول تجاوزه. ثانياً – الطابع الدفاعي في بعض الفقرات: على الرغم من التحول الواضح من "الدفاع" إلى "العرض" في هذا الكتاب مقارنة بكتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية"، إلا أن بعض الفقرات لا تزال تحمل طابعاً دفاعياً. وهذا يعود إلى أسباب متعددة: طبيعة الرد على الشبهات: الخطاب الدفاعي ليس ضعفاً، بل هو مرحلة ضرورية في أي حوار حضاري. عندما يواجه فكر ما (كالإسلام) هجوماً مركزاً من فكر آخر (كالغرب)، فإن أولى خطواته هي الرد على الاتهامات وتفكيك المغالطات. الدواليبي كان في معركة فكرية، وكان لا بد من الرد على الشبهات أولاً قبل الانتقال إلى العرض الإيجابي. الجمهور المزدوج: الكتاب كان يخاطب جمهورين في آن واحد: الجمهور الغربي الذي كان يطرح هذه الشبهات، والجمهور المسلم الذي كان يعاني من هزيمة نفسية ويحتاج إلى تأكيد أن ما عنده هو الخير والعدل. هذا الجمهور المزدوج يفرض أحياناً طابعاً دفاعياً، لأن الهدف هو إقناع الطرفين بوجهة النظر الإسلامية. طبيعة القضايا المطروحة: بعض القضايا – مثل "الميراث" و"الشهادة" – هي قضايا نصية قطعية. لم يكن الدواليبي ليتجاوز النص أو يؤوله بشكل يصطدم مع الفهم التقليدي، بل كان عليه أن يدافع عن النص ويبين حكمته. وهذا النوع من الدفاع هو دفاع عن النص، وليس دفاعاً عن هزيمة. التحول التدريجي: من الإنصاف القول إن الدواليبي كان في طور التحول من الدفاع إلى العرض. في كتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" كان الطابع دفاعياً بشكل أكبر لأنه كان في سياق حوار مباشر مع أسئلة الوفد الأوروبي. أما في هذا الكتاب، فقد قلّ الطابع الدفاعي، وظهرت فقرات كثيرة ذات طابع إيجابي عارض، كعرض المنطلقات الثلاثة والاستشهاد بأصوات غربية منصفة مثل مونيك بيلتيه. خلاصة الوقفات: هذه الوقفات ليست نقضاً لقيمة الكتاب، بل هي محاولة لفهمه في سياقه، وللإنصاف لمشروعه الفكري الذي استمر عقوداً في خدمة الإسلام والدفاع عنه في المحافل الدولية. فالكتاب يظل عملاً فكرياً رائداً، يتميز بمنهجية علمية تعتمد على المقارنة التاريخية والتوثيق بالمصادر الغربية، ويقدم نموذجاً مهماً للخطاب الإسلامي الذي يخاطب الآخر بلغة يفهمها، ويعتز بتراثه دون أن يقع في فخ الدونية أو الانغلاق. وهو بذلك يستحق أن يقرأ ويدرس، وأن يكون مصدر إلهام للأجيال الجديدة في منهجية التعامل مع التراث الإسلامي في سياقه الحضاري العالمي. مقارنة : لتكتمل الصورة حول قضية المرأة في الخطاب الإسلامي المعاصر، يجدر بنا أن نقارن بين كتاب الدكتور الدواليبي "المرأة في الإسلام" وكتاب آخر صدر بعنوان "تحرير المرأة: ممّن؟ وفيم حريتها؟" للدكتور شوقي أبو خليل، المؤرخ والباحث المعروف رحمه الله تعالى. هذه المقارنة ليست من باب المفاضلة، بل من باب إظهار تعددية المناهج والأساليب في معالجة قضية واحدة، والتكامل بينها. أولاً – التعريف بالكاتبين وسياق كل منهما: · الدكتور محمد معروف الدواليبي: عالم قانون وشريعة، ودبلوماسي، ومفكر إسلامي، شارك في حوارات دولية كبرى مع الفاتيكان والمجلس الأوروبي ومجلس الكنائس العالمي. خبرته في القانون والحقوق المقارنة جعلت كتابه "المرأة في الإسلام" يتسم بالطابع الأكاديمي المقارن، والاهتمام الأساسي بالرد على الشبهات الغربية التي كانت تتصدر الساحة الفكرية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. · الدكتور شوقي أبو خليل: مؤرخ وباحث، له إسهامات واسعة في كتابة التاريخ الإسلامي بأسلوب مبسط وموجه للقارئ العام. صدر كتابه "تحرير المرأة" عام 1993م، وجاء – على حد قوله في مقدمته – بعد خطبة زواج سمعها، أثارت استياءه لما تضمنته من سوء فهم للنصوص الشرعية وتقديم صورة مشوهة عن المرأة. وهو بهذا ينطلق من واقع اجتماعي معاش، ومن معركة داخلية ضد الممارسات الخاطئة. ثانياً – الفرق في المنهج والغرض: الدواليبي انطلق من معركة حضارية كبرى مع الغرب، فكان همه الأساسي هو تفكيك الأسطورة الغربية حول ريادة الغرب في تحرير المرأة، والرد على الشبهات الاستشراقية التي كانت تصوّر الإسلام على أنه دين يظلم المرأة. ولذلك اعتمد على: المنهج التاريخي المقارن (مقارنة الإسلام بالحضارات القديمة: الهندية، الرومانية، اليونانية، العربية الجاهلية)، وتوظيف المصادر الغربية (جواهر لال نهرو، وأساتذة الحقوق الفرنسيين، وسيمون دو بوفوار، ومونيك بيلتيه)، ومخاطبة الغرب بلغة يفهمها، وتقديم الإسلام كبديل إنساني، والتركيز على النصوص الكلية والمبادئ العامة (المساواة في الإنسانية، الأهلية، الولاية). أبو خليل انطلق من معركة داخلية، من واقع اجتماعي يعيشه، حيث رأى أن الخطر الأكبر على المرأة المسلمة لا يأتي من الغرب فقط، بل من سوء فهم بعض المسلمين للنصوص الشرعية، ومن تفسيرات خاطئة تروجها بعض الخطابات الدينية في المساجد والمحافل الاجتماعية. ولذلك اعتمد على: النقد المباشر للممارسات الخاطئة (مثل خطب الزواج التي تُذكّر العريس بحقه في التعدد في يوم فرحه، أو التي تستشهد بحديث "ناقصات عقل ودين" خارج سياقه)، والتركيز على تصحيح المفاهيم الخاطئة داخل المجتمع الإسلامي، ومخاطبة الجمهور المسلم بلغة بسيطة، وإعادة قراءة النصوص في سياقها الصحيح، والاستشهاد بمواقف عملية من السيرة النبوية لبيان مكانة المرأة (كالشفاء بنت عبد الله، وأسماء بنت أبي بكر، وخولة بنت ثعلبة). ثالثاً – الفرق في المضمون والاهتمامات: الدواليبي ركز في كتابه على الشبهات الكبرى التي أثارها الغرب: الميراث، الشهادة، الطلاق، التعدد، الحجاب، والعقوبات. وكان همه أن يثبت أن هذه النصوص لها حكمتها وعدالتها، وأن الإسلام سبق الغرب في تكريم المرأة، بل إنه يقدم حلاً لأزمات الأسرة التي يعاني منها الغرب نفسه. أبو خليل ركز على قضايا داخلية تعاني منها المرأة المسلمة في مجتمعاتها، وخصص ملحقاً كاملاً في نهاية كتابه لعناوين فرعية تعكس هذا الاهتمام: القوامة، الميراث، الشهادة، النشوز، الحجاب، عمل المرأة، التعدد، كيف نعامل الأهل، المجادلة، يهمنا المضمون. رابعاً – شاهد تطبيقي: الرد على شبهة "تعدد الزوجات" لتتضح الصورة أكثر، يمكننا أن ننظر إلى كيفية معالجة كل من الكاتبين لشبهة "تعدد الزوجات"، فهي نموذج يُظهر الفرق في المنهج والعمق بوضوح. رد الدكتور شوقي أبو خليل: كتب باختصار:"التعدد في الإسلام مباح وليس مفروضاً، والفرق كبير بين الأمرين: الإباحة تعني أن الأمر متروك للضرورة والحاجة، أما الفرض فإلزام لا ينص عليه الإسلام. والتعدد في المجتمع الإسلامي ليس ظاهرة عامة، فالغالبية العظمى من المسلمين (أكثر من ٨٩٪) ليس لديهم أكثر من زوجة واحدة. وهناك عوامل مقبولة تدفع البعض إلى الزوجة الثانية، أما من يتزوج بلا سبب وسلوكه غير إسلامي، فلا يحسب ذلك على الإسلام." نلاحظ في هذا الرد: الإيجاز الشديد، والاعتماد على التوكيد المباشر، والاستشهاد بواقع المسلمين كحجة واقعية، وغياب الضوابط الشرعية التفصيلية. رد الدكتور الدواليبي: خصص عدة فقرات، أوضح فيها أن الإسلام لم يفتح باب التعدد بل حدّه وأغلق الباب المفتوح من غير تحديد، وقيّده بشرط العدل بين الزوجات، وأعطى الزوجة حق الرجوع إلى القضاء عند الظلم، ومنح الزوجة الأولى حق اشتراط عدم التعدد في عقد الزواج (وهو ما اعتبره "الإصلاح الثالث")، كما أوضح أن التعدد للزوجة الجديدة يكون برضاها. ثم خصص فقرة كاملة للرد على إشكال تزوج النبي بأكثر من أربع، موضحاً أن ذلك كان لأسباب دعوية وتشريعية، ثم حرم الله عليه الزواج مرة أخرى بنص قرآني صريح. خامساً – لماذا هذا الفرق؟ وكيف نفهمه؟ يكشف هذا التباين بوضوح عن اختلاف طبيعة المعركة والجمهور المستهدف. فالدواليبي كان في معركة فكرية قانونية مع خصوم على أعلى مستوى، وكانوا يسألون أسئلة ناقدة تحتاج إلى تفنيد من الجذور، مما استدعى ردوداً تفصيلية موسعة، مسنودة بالقانون المقارن والمصادر الغربية. أما أبو خليل فكان في معركة إصلاحية داخلية، يخاطب جمهوراً مسلماً بسيطاً، وكان همه الأساسي طمأنتهم وتخفيف الهاجس النفسي، وردع الخطباء الذين يثيرون الموضوع في غير محله. لم يكن في معركة قانونية فلسفية، بل في معركة نفسية واجتماعية داخلية. وهذا الفرق لا يعود إلى نقص في علم أحدهما، بل إلى اختلاف جوهري في طبيعة المعركة والجمهور المستهدف. سادساً – نقاط الاتفاق والالتقاء: على الرغم من اختلاف المنهج والغرض، فإن الكاتبين يتفقان على أسس مهمة: المبدأ الحاكم "النساء شقائق الرجال"، ورفض الرواسب الجاهلية (كأكل المهور، أو منع المرأة من التعليم والعمل)، والاستشهاد بالسيرة النبوية وأمثلة من الصحابيات، وقراءة النصوص في سياقها، ونقد التفسيرات الخاطئة للنصوص الشرعية. سابعاً – قيمة المقارنة وتكامل الرؤيتين: تكمن أهمية هذه المقارنة في أنها تُظهر أن معركة الدفاع عن المرأة المسلمة كانت مزدوجة، وأن كلا الكاتبين أدرك جانبا منها: الدواليبي قاد المعركة الخارجية ضد حملات التشويه الغربية، وأبو خليل قاد المعركة الداخلية ضد التفسيرات الخاطئة والممارسات الجاهلية. وهذان الجهدان متكاملان، ولا يمكن فصلهما. فلو أن المسلمين اقتدوا بتعاليم الإسلام كما فهمها الدواليبي وأبو خليل، لما وجد المستشرقون فرصة للتشويه، ولا وجدت المرأة المسلمة ظلماً في مجتمعها. وتزداد قيمة هذه المقارنة حين نعلم أن الدكتور شوقي أبو خليل نفسه كان يجل الدكتور الدواليبي ويذكره في محاضراته، مما يدل على أن الاختلاف في الأسلوب لم يكن خلافاً في المنهج، بل تنوعاً في أساليب الدعوة والنصح، وأن الرجلين كانا متفقين على الأهداف الكبرى: إكرام المرأة، وتصحيح صورتها في الإسلام، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية. فلكل مقام مقال، ولكل معركة سلاحها، وبينهما تكامل لا تضاد. خاتمة: قيمة الكتاب في مشروع الدواليبي الفكري يمثل كتاب "المرأة في الإسلام" تتويجاً لمشروع فكري متكامل للدكتور محمد معروف الدواليبي، امتد لعقود من العمل الأكاديمي والدبلوماسي والحواري. فالكتاب يجمع بين: · العمق التأصيلي: بالعودة إلى النصوص الشرعية وفهم مقاصدها. · المنظور التاريخي: بوضع قضية المرأة في سياقها الحضاري العالمي. · الانفتاح الحواري: بالاستشهاد بالمصادر الغربية والأصوات الغربية المنصفة. · الواقعية: بالاعتراف بوجود ممارسات خاطئة في المجتمعات الإسلامية، وتمييزها عن صحيح الدين. ما يميز منهج الدواليبي هو قدرته على مخاطبة جمهورين في آن واحد: الجمهور المسلم، ليؤكد له أن الإسلام كرّم المرأة وأعطاها مكانة لم تبلغها حضارة أخرى، والجمهور الغربي، ليقدم له الإسلام كحل لأزمات الأسرة التي يعاني منها. ورغم بعض الملاحظات التي يمكن أن توجه إليه في ضوء تطور الدراسات المعاصرة، يبقى هذا الكتاب وثيقة مهمة في مسيرة الفكر الإسلامي الحديث، وشاهداً على مرحلة من مراحل الحوار الإسلامي الغربي، حيث كان علماء المسلمين يثبتون أن الإسلام ليس مجرد دين للعبادات، بل هو نظام متكامل للحياة، يصلح لكل زمان ومكان. كلمة من الأستاذ نوفل الدواليبي (ابن المؤلف) بعد اطلاعه على هذه القراءة التحليلية، تفضل الأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي – حفظه الله – بتقديم شكره وتقديره، وأكد على أهمية مثل هذه القراءات في زماننا، مشيراً إلى أن شعوبنا العربية والإسلامية "مهمومة بالأحداث السياسية والوجودية التي تم فرضها"، مما جعل كثيراً من الناس يتجهون إلى التطرف، وداعياً إلى ضرورة "العودة إلى الفكر والعقلانية". فله جزيل الشكر وعظيم الامتنان على ثقته ودعمه. شكر وتقدير ولا يفوتني في ختام هذه القراءة التحليلية أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير والعرفان للأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، الذي تفضل مشكوراً بتقديم النسخ الإلكترونية من مؤلفات والده، ومن بينها هذا الكتاب القيم "المرأة في الإسلام". كما أشكره على ما قدمه من معلومات ووثائق تاريخية أضافت إلى هذه القراءة بعداً توثيقياً مهماً، وأتاحت لي فرصة الغوص في فكر هذا العالم الكبير من مصادره الأصلية. فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والده، وأن يبارك له في علمه وجهده، وأن ينفع به الأمة الإسلامية. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات . الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University https://gtuedu.org/