قراءة تحليلية في كتاب "موقف الإسلام من العلم وأثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإنسانية للدكتور محمد معروف الدواليبي

قراءة تحليلية في كتاب "موقف الإسلام من العلم وأثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإنسانية دراسة في المنهج والمضمون والرسالة مقدمة: الكتاب في سياقه الفكري والتاريخي يأتي كتاب "موقف الإسلام من العلم وأثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإنسانية" للدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله كعمل تأسيسي في مشروعه الفكري، فهو يضرب في عمق العلاقة بين الإسلام والعلم والحضارة. والكتاب هو في الأصل محاضرة ألقاها الدواليبي في المؤتمر الثالث عشر للسيرة والسنة النبوية، الذي عقد في الدوحة، قطر. وقد جمع في محاضرته بين موضوعين اثنين من بين أربعة وأربعين موضوعاً اقترحتها اللجنة التحضيرية: "أثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإسلامية" و"الرسول وموقفه من العلم"، وجعلهما تحت عنوان واحد. وقد صدر الكتاب كمنشور مستقل عام 1975م. هذا الكتاب يختلف عن سابقيه في كونه يركز على الأساس النظري والحضاري للإسلام، ويقدم أطروحة مركزية: أن الإسلام ليس مجرد دين للعبادات، بل هو نظام للحياة والعلم والمدنية، وأنه هو النظام العالمي الجديد الذي تبحث عنه البشرية. السياق الزمني للكتاب بالغ الأهمية. فالمحاضرة ألقيت في سبعينيات القرن العشرين، في فترة كانت الأمم المتحدة قد عقدت جلسات استثنائية (1974-1975) واعترفت فيها بعجز الأنظمة العالمية السائدة (الرأسمالية والشيوعية) عن حل المشكلات الإنسانية، وأحالت الموضوع إلى منظمة اليونسكو لوضع مبادئ نظام عالمي جديد. هذا السياق جعل أطروحة الدواليبي تأتي في توقيت حساس، حيث يقدم الإسلام كبديل جاهز ومتكامل. ما يميز هذا الكتاب هو منهجيته الفريدة التي تجمع بين التحليل المفهومي، والتأصيل الشرعي، والتوثيق بالمصادر الغربية، والمقارنة الحضارية، وربط الماضي بالحاضر. القسم الأول: استعراض كامل لمحتوى الكتاب المقدمة: السياق العالمي وأزمة الأنظمة الوضعية يبدأ الدواليبي كتابه بوضع القارئ في قلب الأحداث العالمية في سبعينيات القرن العشرين. يشير إلى أن الأمم المتحدة عقدت جلسة استثنائية عام 1974م، وأخرى عام 1975م، واعترفت فيها بعجز الأنظمة العالمية السائدة (الرأسمالية والشيوعية) عن حل المشكلات الإنسانية، وأقرت بضرورة إقامة "نظام اقتصادي عالمي جديد". ويشير إلى أن تضارب المصالح بين الدول حال دون الوصول إلى حلول، مما جعلهم يعترفون بأنه لا أمل في ظل الأنظمة المتصارعة، وأنه يجب وضع نظام جديد تتراعى فيه جميع المعطيات الجديدة وفق قواعد جديدة. ثم يشير إلى أن الأمم المتحدة أحالت الموضوع إلى منظمة اليونسكو، فوضع خبراؤها مبادئ وقواعد جديدة. وهذه المبادئ – في قراءة الدواليبي – تتطابق تماماً مع ما جاء به الإسلام قبل أربعة عشر قرناً. وهكذا، يضع الدواليبي أطروحته: الإسلام هو النظام الجديد المطلوب، وخبراء الأمم المتحدة اكتشفوا متأخرين ما جاء به الإسلام مبكراً. ثم ينتقل الدواليبي إلى تحديد الهدف من محاضرته: أن يبين موقف الإسلام من العلم أولاً، ثم أثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإنسانية ثانياً. الفصل الأول: موقف الإسلام من العلم أولاً – إعادة تعريف مفهوم "الدين" في الإسلام: يبدأ الدواليبي بتحليل جذري لمفهوم "الدين". ينقل عن الموسوعة الفرنسية الكبرى للعلوم والآداب والفنون أن علماء الغرب أحصوا مائة تعريف للدين، وأسقطوا ثمانية وتسعين منها، واعتمدوا على تعريفين اثنين فقط. (التعريف الأول) لـ: Gobl et: الدين هو الطريقة التي يحقق بها الإنسان صلاته مع قوى الغيب العلوية". هذا التعريف يختزل الدين في العلاقة العمودية بين الإنسان وخالقه فقط، ويتجاهل العلاقة الأفقية بين الإنسان وأخيه الإنسان، ويفصل الدين عن الحياة الاجتماعية والعملية. (التعريف الثاني )لـ : James Dermesteter الدين هو ما يشتمل على كل معلوم وكل سلطة لا تتفق والعلم". هذا التعريف يضع الدين في موقف عدائي مع العلم، ويفصل بينهما بشكل حاد، ويفترض أن كل ما هو ديني لا يمكن أن يكون علمياً، والعكس صحيح. وهذا المفهوم هو الذي جعل كثيراً من علماء الغرب ينظرون إلى الإسلام على أنه دين جامد لا يتفق مع العلم والتطور. ثم يقرر الدواليبي أن مفهوم الدين في القرآن الكريم يختلف تمام الاختلاف عن هذين التعريفين. فالإسلام، مع أنه سماه القرآن ديناً في آخر آية نزلت ("اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً")، قد تجاوز هذه الحدود الضيقة. فقد تجاوز حدود "صلة الإنسان مع قوى الغيب" إلى "صلة الإنسان مع الإنسان"، وأعطى الثانية نفس الاهتمام. كما حمل المخاطبين على الاحتكام في كل هذه الصلات إلى "العلم والعقل والفكر". ويستشهد بالآيات التي تقول: "ونفصل الآيات لقوم يعلمون"، "لقوم يعقلون"، "لقوم يتفكرون". هذا التجاوز – في قراءة الدواليبي – هو ما يجعل الإسلام قادراً على مواكبة التطور العلمي، وهو ما يرد على اتهام الغرب للإسلام بالجمود. ثانياً – فريضة العلم: تفرد الإسلام بها: يؤكد الدواليبي أن أعظم ما امتازت به دعوة الإسلام على غيرها من الأنظمة والأديان هو أنها أوجبت طلب العلم على كل مسلم ومسلمة. يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، ويشير إلى أن هذا يختلف عن كل الأنظمة الأخرى التي لم تفرض العلم كفريضة دينية ملزمة، سواء كان المسلم ذكراً أو أنثى. ويشير إلى أن أول آية نزلت من القرآن الكريم هي: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم". وهذا يدل على أن العلم هو أساس الدعوة الإسلامية، وأن النبي ﷺ أمر بالقراءة والكتابة كأول واجب. ويذكر أيضاً أن النبي جعل فدية أسرى بدر تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، معتبراً أن هذا أهم من المال. ثالثاً – الفرق بين الإسلام والديانات الأخرى في موقفها من العلم: يشير الدواليبي إلى أن الديانات الأخرى – قبل الإسلام وبعده – كانت تعادي العلم، وتعتبر العقل والبحث عدوين للإيمان. ويضرب أمثلة بالعقائد "الوثنية" التي انتشرت في الصين والهند واليونان وروما، والتي كانت تحارب العلم وتعتبره بدعة. أما الإسلام، فقد جعل العلم جزءاً من الإيمان، وفتح آفاق البحث للناس، وأمرهم بالنظر في خلق السماوات والأرض. الفصل الثاني: أثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإنسانية ينتقل الدواليبي إلى استعراض الآثار العملية الملموسة التي ترتبت على "فريضة العلم" في الإسلام. ويقسم هذه الآثار إلى ستة محاور رئيسية: الناحية العلمية، والإنسانية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والتشريعية. أولاً – من الناحية العلمية: يقدم الدواليبي إسهامات المسلمين في مختلف العلوم، مستنداً إلى شهادات كبار المستشرقين والمؤرخين الغربيين. ينقل عن المؤرخ دي لامبر قوله في كتابه "تاريخ الفلك": "إذا عددنا بجهد اثنين أو ثلاثة من الملاحظين عند اليونان، فإنه يرى على العكس من ذلك عدد كبير منهم عند العرب". وينقل عنه أيضاً: "أما في الكيمياء فإنه لا يستطاع ذكر أحد من الملاحظين عند اليونان، بينما هم عند العرب يعدون بالمئات". أما فيما يتعلق بالطريقة العلمية الحديثة (الاختبار والملاحظة)، فينقل الدواليبي عن غوستاف لوبون قوله: "إن الاختبار والملاحظة هما أساس الطريقة العلمية الحديثة، ولقد أسند إلى بيكون بصورة عامة فكرة وضع الاختبار مكان سلطة الأستاذ، غير أنه يجب أن نعترف بأن هاتين القاعدتين إنما تعودان بصورة كاملة إلى العرب". وينقل أيضاً عن هامبولد قوله: "إن العرب قد سموا إلى هذه الدرجة غير المعروفة تقريباً عند القدماء". ويشير الدواليبي إلى أن الحضارة الحديثة كلها قائمة على الأرقام العربية، وإضافة "الصفر" الذي ابتكره المسلمون. ويسأل: "ماذا سيكون نصيب الحضارة الحديثة بأجمعها اليوم لو لم يأخذ الغرب الأرقام العربية؟". ويوضح أن الرومان كانوا يكتبون الأرقام بأحرف لاتينية سبعة، وكانوا يضاعفون الأحرف حتى في الأرقام الصغيرة، بينما أتم العرب الأرقام في عشرة أرقام بسيطة بإضافة الصفر. ثانياً – من الناحية الإنسانية (المساواة وكرامة الإنسان): يؤكد الدواليبي أن الإسلام أقام مجتمعاً لا فضل فيه لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لغني على فقير، ولا لشريف على وضيع. ويستشهد بقول الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين بويع بالخلافة: "أيها الناس! إن القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه للضعيف، وإن الضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له من القوي". ويشير إلى أن هذه المبادئ لم تكن معروفة من قبل، ولا تزال المجتمعات المتقدمة (كأمريكا) تعاني من التمييز العنصري، على الرغم من وصايا الأمم المتحدة واتفاقياتها الدولية. ثالثاً – من الناحية الاجتماعية (التكافل الاجتماعي): يفرد الدواليبي مساحة كبيرة للحديث عن نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام، معتبراً إياه من أعظم إحداثات الإسلام. يذكر أن الإسلام لم يترك هذا التكافل وصية يوصى بها فحسب، بل أوجب فريضة مالية (الزكاة) اعتبرها حقاً لأصحاب الحاجة على اختلاف أنواعها، وأوجب القتال عند الاقتضاء لتحصيلها، واتخذ لهذا النظام صندوقاً مالياً خاصاً، وجعل الجباية له من أولى واجبات الدولة. ويذكر أن الإسلام جعل من مصارف الزكاة شراء الأرقاء وتحريرهم، والوفاء عن الغارمين العاجزين عن وفاء ديونهم، بعد أن كان عجز المدين عن وفاء دينه يؤدي به إلى الاسترقاق في الشرائع القديمة (كالقانون الروماني). كما أوجب الإسلام دية من مات جوعاً على جميع أهل قريته أو حيه، تماماً كدية القاتل. ويشير الدواليبي إلى أن الإسلام لم يرض قط في حق الفرد أن يوصله المجتمع إلى "حد الكفاف" فقط (أي الضرورة فقط)، بل أوجب له "حق الكفاية" في السكن واللباس والطعام ووسائل الانتقال (كدابة ونحوها) حسب تطور الظروف، وذلك ليتساوى جميع أبناء المجتمع في مستوى الحياة الكريمة. رابعاً – من الناحية الاقتصادية: يذكر الدواليبي أن الإسلام أوجب العمل، وجعله عبادة، واعتبره ديانة لعمارة الأرض. ويستشهد بحديث النبي ﷺ: "إذا أدركت أحدكم الساعة وفي يده فسيلة فليزرعها". ويرى في هذا الحديث تفرداً إسلامياً في الحض على العمل وزيادة الإنتاج من أجل الغير، ولو كان الإنسان نفسه في حالة يأس من الحياة. ويشير إلى أن الإسلام أنكر نظام الطبقات والامتيازات، وأقام نظاماً اقتصادياً يقوم على حرية العمل وحرمة الملكية الخاصة، مع مراعاة التخطيط والعدالة في التوزيع. كما ينقل عن الخليفة عمر بن الخطاب قوله: "لو عشت إلى قابل لأخذت من فضول أموال الناس ووضعتها في فقرائهم". خامساً – من الناحية السياسية (الشورى): يذكر الدواليبي أن الإسلام أقر مبدأ الشورى، وهو مبدأ يختلف عن الديمقراطية الغربية (التي تقوم على سلطة الأكثرية) والشيوعية (التي تقوم على سلطة الأقلية). فالشورى ترفع أهل الرأي جميعاً – أقلية أو أكثرية – إلى مستوى واحد في الاعتبار، من غير أن يشعر أحد بالإهمال أو عدم الاكتراث به. ويقر الدواليبي أن هذا المبدأ يستدعي إعداداً تربوياً خاصاً ليكون له أثره الحميد. سادساً – من الناحية التشريعية: يشير الدواليبي إلى أن الشريعة الإسلامية كانت أسبق من كل القوانين الوضعية في ضمان حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. ويذكر أن الإسلام أنكر نظام الطبقات والامتيازات الذي كان سائداً في العالم القديم، وأقام شريعة عالمية وإنسانية ترعى مصالح الحياة المتجددة، ولا تميز بين إنسان وإنسان في الكرامة الإنسانية. الخاتمة: الإسلام هو النظام الجديد المطلوب يختم الدواليبي كتابه بالتأكيد على أن الإسلام جاء بهذه القيم والمبادئ الحضارية المتقدمة قبل أربعة عشر قرناً، وأن ما تبحث عنه الأمم المتحدة واليونسكو اليوم هو ما جاء به الإسلام أصلاً. ويدعو إلى تبني الإسلام كالنظام العالمي الجديد، لأنه وحده القادر على وضع حد للأثرة وحب الذات والتمييز بين الأفراد والطبقات والشعوب في حقهم جميعاً في الحياة الكريمة. ويشير إلى أن المجتمع الأول الذي أوجده الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان مجتمعاً لا فضل فيه لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لغني على فقير. ويؤكد أن المسلمين المخلصين يتقبلون هذه المبادئ بصدق لما للدين من سلطان على النفوس فوق سلطان القوانين. القسم الثاني: منهجية الدواليبي في مقاربة موضوع العلم والحضارة بعد هذا الاستعراض لمحتوى الكتاب، يمكننا الآن تحليل منهجية الدواليبي التي تمثل أهم ما يميز هذا الكتاب. أولاً: توظيف المصادر الغربية لتدعيم أطروحة سبق الإسلام من أبرز سمات منهج الدواليبي في هذا الكتاب هو اعتماده المكثف على المصادر الغربية – وتحديداً المستشرقين والمؤرخين الغربيين – لتأكيد أن الإسلام سبق الحضارة الغربية في العلم والمنهجية العلمية. يستشهد الدواليبي بعدد من كبار المؤرخين والمستشرقين، منهم غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب"، وهامبولد، ودي لامبر في كتابه "تاريخ الفلك"، وليبري، والبارون دي فو. هذا التوظيف يحقق أهدافاً متعددة. فهو يضفي مصداقية عالية على أطروحة الدواليبي في عيون القارئ الغربي، لأن الشهادة تأتي من مؤرخيهم هم لا من علماء المسلمين. كما أنه يفند الرواية الاستشراقية التي حاولت طمس دور الحضارة الإسلامية، ويظهر أن المستشرقين أنفسهم هم من يشهدون بسبق العرب والمسلمين. والأهم أنه ينزع سلاح الخصم باستخدام أدواته المعرفية، فينتقل الدواليبي من موقع الدفاع إلى موقع الإفحام. ثانياً: تحليل مفهوم "الدين" وتفكيك التعريف الغربي يعتمد الدواليبي على استراتيجية ذكية في تفنيد اتهام الغرب للإسلام بالجمود. يبدأ بنقل تعريفين للدين من الموسوعة الفرنسية الكبرى، وهما تعريفان قاصران: الأول يختزل الدين في العلاقة العمودية مع الغيب ويتجاهل العلاقة الأفقية مع الناس، والثاني يضع الدين في موقف عدائي مع العلم. ثم يقرر أن مفهوم الدين في القرآن يختلف تماماً، لأنه يجمع بين صلة الإنسان بالله وصلة الإنسان بالإنسان، ويجعل الاحتكام إلى العلم والعقل والفكر في كل شيء. هذا التحليل يهدف إلى تفكيك الصورة النمطية عن الإسلام كدين يعطل العقل، ويقدمه بدلاً من ذلك كدين يحرض على العلم والتفكير. ثالثاً: التأكيد على فريضة العلم كخاصية متفردة للإسلام يرى الدواليبي أن "فريضة العلم" هي الميزة الأولى التي امتازت بها دعوة الإسلام على غيرها. ويقدم الأدلة من النص النبوي ("طلب العلم فريضة على كل مسلم")، ومن أول آية نزلت ("اقرأ")، ومن التطبيق العملي (فداء أسرى بدر بتعليم المسلمين الكتابة). هذه الأدلة تثبت – في قراءة الدواليبي – أن الإسلام ليس ديناً للجهل والتقليد، بل دين للعلم والتحصيل. رابعاً: توثيق إسهامات المسلمين في الحضارة الإنسانية يعتمد الدواليبي على شهادات غربية موثقة لإثبات أن المسلمين هم من أسسوا المنهج العلمي الحديث، وأنهم سبقوا الغرب في الفلك والكيمياء والرياضيات والطب. وهذا التوثيق يهدف إلى تصحيح الرواية التاريخية الغربية التي حاولت طمس دور الحضارة الإسلامية، واستعادة الثقة في التراث الإسلامي لدى القارئ المسلم الذي قد يكون تأثر بالرواية الغربية، وإثبات أن التقدم الغربي لم ينشأ من فراغ، بل كان نتيجة تراكم حضاري استفاد من إنجازات المسلمين. خامساً: ربط الماضي بالحاضر ومخاطبة المؤسسات الدولية يلاحظ القارئ أن الدواليبي يحرص على ربط مبادئ الإسلام بما توصلت إليه الأمم المتحدة واليونسكو في سبعينيات القرن العشرين. فهو يذكر أن خبراء اليونسكو دعوا إلى وحدة الأسرة البشرية، والمساواة بين الشعوب، وإقامة العدل، ومحو التمييز. ثم يقرر أن هذه المبادئ هي نفسها التي جاء بها الإسلام قبل أربعة عشر قرناً. هذا الربط يحقق هدفاً مهماً: إظهار أن الإسلام ليس ديناً متخلفاً، بل هو النظام الذي تبحث عنه المؤسسات الدولية الحديثة. القسم الثالث: وقفات مع الكتاب في سياقه بعد هذه القراءة التحليلية، لا بد من وقفات متأملة مع الكتاب، ليس بقصد التقليل من قيمته، بل في إطار السعي إلى قراءة أكاديمية منصفة تراعي سياق الكتاب وظروف إنتاجه. أولاً – السياق الزمني والسياسي: الكتاب صدر عام 1975م، وهو منتصف فترة السبعينيات التي شهدت اعتراف الأمم المتحدة بعجز الأنظمة الرأسمالية والشيوعية عن حل المشكلات الإنسانية. هذا السياق جعل أطروحة الدواليبي – بأن الإسلام هو النظام الجديد المطلوب – تأتي في توقيت حساس، حيث كان هناك فراغ فكري وأيديولوجي تحتاج البشرية إلى ملئه. ثانياً – الجمهور المستهدف: الكتاب هو محاضرة ألقيت في مؤتمر دولي عن السيرة النبوية، أي أنه موجه إلى جمهور مسلم من نخبة أكاديمية ودينية. لذلك، لم يكن الدواليبي بحاجة إلى تعريف الجمهور بأساسيات الإسلام، بل كان بحاجة إلى تعزيز ثقتهم في تراثهم، وتقديم أدلة من مصادر غربية على سبق الإسلام. ثالثاً – نقاط القوة في الكتاب: يتميز الكتاب بمنهجية علمية تعتمد على المصادر الغربية، مما يضفي عليه مصداقية عالية ويجعله مقنعاً للقارئ الغربي أيضاً. كما يتميز بالشمولية، حيث يغطي جوانب متعددة: العلمية، والإنسانية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والتشريعية. والتوثيق الدقيق بأقوال كبار المستشرقين يعطي البحث وزناً أكاديمياً. وربط الماضي بالحاضر يجعل الرسالة الإسلامية قابلة للتطبيق في العصر الحديث. والتفرد بفكرة "فريضة العلم" كخاصية متفردة للإسلام يعد ابتكاراً منهجياً مهماً. رابعاً – حدود الكتاب (مع الإنصاف لسياقه): الكتاب هو محاضرة في مؤتمر إسلامي، لذلك فهو يحمل طابعاً دعوياً قد يغلب على الطابع الأكاديمي المحايد، وهذا مفهوم في سياقه. والإسهاب في نقل شهادات المستشرقين قد يكون مكرراً في بعض الأحيان. والكتاب لم يتعرض للإشكاليات المعاصرة في العلاقة بين الإسلام والعلم (كقضايا التطور، والاستنساخ، وغيرها). كما أن الاعتماد على مصادر تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (غوستاف لوبون توفي 1931) قد يعتبر قيداً، لكن هذا مفهوم في سياق محاضرة تهدف إلى التأكيد على المبادئ وليس إلى استعراض أحدث الأبحاث. خامساً – قراءة الكتاب بإنصاف في سياقه: لقراءة هذا الكتاب بإنصاف، يجب أن نضعه في سياقه الصحيح. فهو ليس بحثاً تاريخياً محايداً، بل هو محاضرة دعوية – علمية تهدف إلى تعزيز ثقة المسلمين في تراثهم، والرد على الشبهات الغربية. وهذا الهدف مشروع في سياقه. والكتاب يستهدف جمهوراً مسلماً، لذلك فهو يفترض الإيمان بالإسلام، ولا يخوض في نقاش حول صحة الإسلام من عدمه. والكتاب هو نتاج مرحلته الزمنية: سبعينيات القرن العشرين كانت مرحلة كانت فيها الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى استعادة ثقتها في تراثها بعد قرون من الانكسار. وهذا الكتاب يسهم في هذه المهمة. والاعتماد على المصادر الغربية هو قوة وليس ضعفاً؛ ففي سياق الحوار مع الغرب، هذا الاعتماد يجعل الحجة قائمة على ما يعترف به الخصم نفسه. القسم الرابع: مقارنة مع كتب الدواليبي السابقة يمكن مقارنة هذا الكتاب مع أبرز كتب الدواليبي السابقة ذات الصلة بموضوع العلم والحضارة، مثل: "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون"، و"ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية"، و"نظرات إسلامية"، و"الدولة والسلطة في الإسلام"، و"حوار الحضارات". هذه المقارنة تبرز تطور فكر الدواليبي وتنوع مناهجه. من حيث الهدف العام، نجد أن كل كتاب من هذه الكتب له هدفه الخاص. فكتاب "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون" يهدف إلى إثبات أن المسلمين سبقوا العالم في مجال القانون والتشريع. وكتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" يهدف إلى توثيق الحوارات التي أجراها الدواليبي مع وفود غربية حول حقوق الإنسان في الإسلام. وكتاب "نظرات إسلامية" يهدف إلى تقديم رؤية إسلامية شاملة لقضايا معاصرة متنوعة. وكتاب "الدولة والسلطة في الإسلام" يهدف إلى توضيح مفهوم الحكم في الإسلام. وكتاب "حوار الحضارات" يهدف إلى توثيق حوارات الدواليبي مع المؤسسات الغربية. أما هذا الكتاب فهدفه إثبات أن الإسلام هو نظام عالمي جديد، وأنه دين يحض على العلم والعقل، وأنه أصل الحضارة الإنسانية الحديثة. من حيث المنهج، تتنوع مناهج الدواليبي حسب طبيعة كل كتاب. فكتاب "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون" اعتمد على المنهج التاريخي المقارن والاستشهاد بالشرائع القديمة. وكتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" اعتمد على المنهج الحواري الجدلي. وكتاب "نظرات إسلامية" اعتمد على المنهج المقالي التحليلي. وكتاب "الدولة والسلطة في الإسلام" اعتمد على المنهج التحليلي السياسي والاستشهاد بالنصوص الشرعية. وكتاب "حوار الحضارات" اعتمد على المنهج التوثيقي السردي. أما هذا الكتاب فيعتمد على المنهج التحليلي المفاهيمي، مع الاستشهاد بالمصادر الغربية وربط الماضي بالحاضر. من حيث الجمهور المستهدف، نجد أن الدواليبي يخاطب جماهير مختلفة. فكتاب "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون" يخاطب جمهوراً أكاديمياً مسلماً (محاضرة في مركز الملك فيصل). وكتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" يخاطب جمهوراً غربياً أولاً ثم جمهوراً مسلماً عند النشر. وكتاب "نظرات إسلامية" يخاطب جمهوراً مسلماً عاماً. وكتاب "الدولة والسلطة في الإسلام" يخاطب جمهوراً أكاديمياً وسياسياً. وكتاب "حوار الحضارات" يخاطب جمهوراً غربياً ومسلماً معاً. أما هذا الكتاب فيخاطب جمهوراً أكاديمياً – دينياً مسلماً (مؤتمر السيرة النبوية)، مع خطاب موازٍ موجه للغرب باستخدام مصادره. من حيث نقاط الالتقاء مع الكتب الأخرى، نجد أن هذا الكتاب يشترك مع كتابي "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون" و"ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" في الاعتماد على المصادر الغربية، وفي فكرة "السبق الحضاري"، وفي ربط الماضي بالحاضر. أما من حيث التميز والتفرد، فيتميز هذا الكتاب عن غيره بالتركيز على الأساس النظري للعلم في الإسلام، وليس فقط على التطبيقات العملية. فهو يحلل مفهوم "الدين" في الإسلام، ويؤسس لفكرة "فريضة العلم" كخاصية متفردة، ويوثق بالشهادات الغربية أن المسلمين هم من أسسوا المنهج العلمي الحديث. وهذا يجعله كتاباً تأسيسياً في مشروع الدواليبي الفكري. القسم الخامس: وقفة مقارنة مع كتاب "الإسلام والعلم الحديث" لعبد الرزاق نوفل قبل الختام، تجدر الإشارة إلى أن كتاب الدواليبي لم يكن الأول في تناول العلاقة بين الإسلام والعلم. فقد سبقه كتاب "الإسلام والعلم الحديث" لعبد الرزاق نوفل، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1958م. وهذا الكتاب يختلف عن كتاب الدواليبي في المنهج والهدف اختلافاً كبيراً. فبينما اعتمد الدواليبي على المنهج التاريخي المقارن، مستعيناً بالمؤرخين والمستشرقين الغربيين (غوستاف لوبون، هامبولد، دي لامبر) لإثبات أن المسلمين هم من أسسوا المنهج العلمي الحديث وأسهموا في الحضارة الإنسانية، اعتمد نوفل على المنهج الإعجازي العلمي، مستعيناً بأطباء وعلماء نفس غربيين (كارل يونج، ديل كارنيجي) لإثبات أن العبادات الإسلامية (كالصلاة والصيام) لها فوائد صحية ونفسية، وأن القرآن يحتوي على حقائق علمية سبقت اكتشافات العصر الحديث. كما أن كتاب الدواليبي يتسم بعمق أكبر وتنظيم أكثر، ويعتمد على توثيق دقيق للمصادر الغربية، بينما كتاب نوفل أقرب إلى الخطاب الدعوي المبسط، موجه للقارئ العام. هذه المقارنة لا تهدف إلى المفاضلة بين الكتابين، فلكل منهما قيمته في سياقه. كتاب نوفل كان رائداً في مجال الإعجاز العلمي في زمانه، وكتاب الدواليبي كان رائداً في التأريخ للعلم عند العرب والمسلمين. ولكنها تهدف إلى وضع كتاب الدواليبي في سياقه، وإبراز تميز منهجه الأكاديمي الرصين. خاتمة: قيمة الكتاب في مشروع الدواليبي الفكري يمثل كتاب "موقف الإسلام من العلم وأثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإنسانية" إضافة نوعية لمشروع الدواليبي الفكري. فبعد أن عرفناه كعالِم شريعة وقانون يدافع عن الإسلام في مواجهة الشبهات الغربية في قضايا الإنسان، نراه هنا يخوض معركة جديدة: معركة إثبات أن الإسلام هو أصل الحضارة الإنسانية الحديثة، وأنه هو النظام العالمي الجديد المطلوب. الكتاب يجمع بين التحليل المفهومي (بتفكيك مفهوم "الدين" في الفكر الغربي وإعادة تعريفه في الإسلام)، والتأصيل الشرعي (بالاستشهاد بالنصوص القرآنية والنبوية التي تفرض العلم)، والتوثيق بالمصادر الغربية (بالاستشهاد بكبار المستشرقين والمؤرخين لإثبات سبق المسلمين)، والمقارنة الحضارية (بمقارنة الإسلام بالأنظمة الرأسمالية والشيوعية)، وربط الماضي بالحاضر (بربط مبادئ الإسلام بما توصلت إليه الأمم المتحدة واليونسكو). ما يميز منهج الدواليبي في هذا الكتاب هو قدرته على تحويل النقاش من الدفاع إلى الهجوم، ومن الرد على الشبهات إلى تقديم البديل. فهو لا يقول فقط "الإسلام ليس ضد العلم"، بل يقول "الإسلام هو الذي أسس العلم الحديث". وهذا الانتقال هو قمة الثقة بالنفس والحضارة. ورغم بعض الملاحظات حول الطابع الدعوي والإطالة، يبقى هذا الكتاب وثيقة مهمة في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر، وشاهداً على مرحلة من مراحل الوعي الحضاري الإسلامي، حيث انتقل العلماء المسلمون من التبعية الفكرية إلى الاستقلالية، ومن الانكسار إلى الثقة، ومن تقليد الغرب إلى تقديم الإسلام كبديل. معلومات النشر: · الناشر: دار الشواف للنشر والتوزيع. · تاريخ النشر: 1975م. · عدد الصفحات: 80 صفحة تقريباً. شكر وتقدير لا يفوتني في ختام هذه القراءة التحليلية أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير والعرفان للأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، الذي تفضل مشكوراً بتقديم النسخ من مؤلفات والده والوثائق التاريخية القيمة، وكان له الفضل في توفير المادة العلمية التي أضاءت هذه القراءة، كما كان له فضل تصحيح المعلومات وتصويبها، ومنها تحديد تاريخ الإصدار الصحيح للكتاب، مما أضاف إلى هذا البحث بعداً توثيقياً دقيقاً. فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والده، وأن يبارك له في علمه وجهده، وأن ينفع به الأمة الإسلامية. الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University الإستشراق والإستغراب #محمد_معروف_الدواليبي #الشريعة_والقانون #التاريخ_الإسلامي #الفكر_الإسلامي #التراث_العلمي #مكتبة_جامعية #كتب_إلكترونية #طلاب_الشريعة #كلية_الشريعة #الحضارة #التعريف_بالإسلام