قراءة في ضرورة القصاص العادل وبناء الوعي الجمعي بقلم الدكتور مروان بحري

قراءة في ضرورة القصاص العادل وبناء الوعي الجمعي بقلم المربي الدكتور مروان أحمد بحري Mervan Bahri كلية العلوم الاجتماعية تمهيد: نحن والشعوب الأخرى في "الحالة" العربيّة عموماً والسورية خصوصاً، نتحدث عن شعب له تاريخ عريق وطويل يميزه عن بقية الشعوب، سواء من حيث الأصالة والنقاء، أو من حيث البعد الأخلاقي والاجتماعي والثقافي. صحيح أن هذا الوصف لا ينطبق على العموم من حيث الشمولية، ولا على الخصوص من حيث الالتزام، وصحيح أن الأمر يخضع للنسبية بلا شك. وهذا ما يفسر وجود طبقة من النخب المثقفة لديها مساحة من الوعي تمكنها من الحكم على السلوك العام للمجتمع من جهة، ولمن يتصدر قيادة المجتمع من جهة ثانية، رغم أنهم "قِلّةٌ قليلة" يقابلهم كثرة كثيرة وغالبيّةٌ من المتعالمين والمتفيقهين والمنافقين الذين لا هم لهم سوى شتم "الحاكم النازل" وطلب ودِّ "الحاكم الصاعد"! والعمل على صنعه "صنماً" بديلاً عن سابقه، وإذا رفض أن يكون صنماً، يُعمل على استبداله بصنم يناسب حاجات العبيد إلى وجود "معبودٍ مرئيّ" أمامهم! وكما ترون، فالمشكلة مع "القطيع" وليست مع الراعي، ولا مع المَرْبَع، ولا مع حمار الراعي، ولا مع كلابه! لذلك فإن الحل يكون فقط في توسيع مساحة الوعي ما أمكن. لأن المجتمع الواعي هو الذي يُنتج قيادة ملتزمة تقود البلاد إلى بر الأمان، ويدعمها، ويحارب الفاسد ويرفضه. جميع تجارب الشعوب وحالات التغيير فيها خضعت لهذه المعايير. والشعوب التي نجح فيها التغيير هي التي دفعت مئات الآلاف من الضحايا حتى حصلت على مساحة واسعة من الوعي الذاتي الجماهيري و"تنقية الشارع" من أدران النفاق! نحن في "سوريّة" دفعنا أكثر من مليوني ضحيّة من الأبرياء، وتُدمرت البنى التحتيّة لعشرة ملايين آخرين وربما أكثر، كانوا جميعهم من مُكوِّن واحد بهدف تدمير البلاد وتشريد العباد وتسييد الباطل! لماذا لا نتفق أولاً على إقامة وتنفيذ القصاص العادل، ونحاسب ونقتصَّ من القتلة والمجرمين الذين لا يشكّلون عشر معشار ما قُتل من الأبرياء، وذلك من أجل إعادة إعمار البلاد، وإحياء العباد أو تحييدهم على الأقل؟ أولاً: الدليل الشرعي من القرآن الكريم لا يستقيم الحديث عن الوعي الجمعي والقصاص العادل دون الرجوع إلى الوحي الإلهي الذي وضع الميزان الأسمى لسلوك البشر. يقول الله تبارك وتعالى: 1. في النهي عن التقليد الأعمى (وهو أصل ظاهرة "القطيع"): {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]. وهذه الآية تصف حال من يرفضون الوعي والتفكير النقدي ويفضّلون السير على ما وجدوا عليه آباءهم، مهما كان ذلك الطريق خاطئاً. 2. في وصف حال من يفقدون القدرة على الوعي: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]. وقال عنهم في آية أخرى: {لَا يَعْقِلُونَ}. وهو حال من يركضون خلف كل صانع صنم دون تروٍ ولا تفكير. 3. في ضرورة القصاص العادل كأساس للحياة: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]. إنها صيغة كونية محكمة: لا حياة حقيقية لأمة بدون قصاص عادل. فكيف بمن قتل الملايين؟ إن تطبيق القصاص ليس انتقاماً، بل هو إحياء للأمة من موات الظلم والجور. 4. في النهي عن مدح الظالمين والتزلف لهم: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: 113]. والركون يعني: الميل والرضا والتزلف. وهو بالضبط ما يفعله "المتفيقهون" الذين يبحثون عن ودّ الحاكم الصاعد ويصنعونه صنماً. 5. في أن الظلم يؤدي إلى الهلاك حتماً: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف: 59]. سنة إلهية لا تتخلف. 6. في ضرورة إقامة العدل ولو على النفس أو الأقربين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. والعدل يبدأ من محاسبة المجرمين وتنقية المجتمع من دنسهم. ثانياً: الدليل من السنة النبوية الصحيحة 1. حديث تحريم الظلم (الحديث القدسي): قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا" (رواه مسلم). وهذا أصل عظيم ينبغي أن يُكتب بماء الذهب على جدران كل مؤسسة في سوريا والعالم العربي. الظلم محرّم ولو بين فردين، فكيف إذا كان ظلماً منظماً قتل مليوني إنسان؟ 2. حديث في ذم من يتبع الأهواء ويبيع آخرته بدنياه: قال ﷺ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، الْعَامِلُ فِيهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَالْجَالِي بَيْنَ أَظْهُرِ الْكُفَّارِ، وَالْعَاصِي فِيهِمْ كَالْمُسْتَذَلِّ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشَرُّ النَّاسِ مَنْ يَتَّبِعُ الْهَوَى وَيَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ" (رواه الحاكم وصحّحه الألباني). 3. حديث في النفاق الاجتماعي والتزلف للسلطة: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" (رواه البخاري). وذلك فيمن يداهن السلطان ويظهر الولاء لأجل المصالح دون حق. 4. حديث في ذم "الرعاع" الذين لا عهد لهم: قال ﷺ: "إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا" (رواه مسلم). وإن كان الحديث في إفشاء الأسرار الزوجية، فإنه يبين خطورة من لا يملكون أمانة ولا عهداً، وهم كثر في زمن الفتن. ثالثاً: آراء علماء الاجتماع والعمران 1. ابن خلدون (مقدمة ابن خلدون، القرن الثامن الهجري): أكد ابن خلدون على أن الأمم لا تنهض إلا بفعل "العصبية" – وهو الوعي الجمعي المتماسك الذي يدفع الأمة للتغيير. كما حذّر من أن "المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب"، وهذه هي الظاهرة التي ترينا كيف تنتقل الجماهير من طاعة حاكم ظالم إلى طاعة آخر، مع بقاء عقلية العبودية ذاتها. ووصف "الهمج والرعاع" بأنهم "أسرع شيء إلى فساد العمران" إذا لم يكن لهم وعي وقيادة راشدة. 2. غوستاف لوبون (كتاب "سير الجماعات"، 1895م): أثبت الباحث الفرنسي أن الفرد في الجمع الحاشد يفقد شخصيته الناقدة، وتسيطر عليه العواطف والغرائز، فيصبح قابلاً للتوجيه والاستغلال بسهولة. وهذا ما يفسر كيف أن ملايين الناس يمكنهم أن يهتفوا اليوم لطاغية وغداً لآخر، دون أن يشعروا بالتناقض. ودعا غوستاف لوبون إلى أن الحل الوحيد هو "تثقيف الجماهير" – أي توسيع مساحة الوعي كما ورد في المقال. 3. أنطونيو غرامشي (مفكر إيطالي، أوائل القرن العشرين): قال غرامشي: السلطة لا تستمر بالقهر وحده، بل بـ"الهيمنة الثقافية"، أي جعل المقهورين يرضون بواقعهم ويظنون أنه لا بديل عنه. وهنا يأتي دور "المتفيقهين" و"المتعالمين" الذين ذكرهم المقال، والذين يعملون كـ"مثقفي السلطة" لتطبيع الظلم وإضفاء الشرعية على من يقبض على زمام الحكم، مهما تغير الاسم. رابعاً: ما يقوله علم النفس وعلم الأعصاب الإدراكي 1. اختبارات "سليمان آش" في توافق الرأي (عقد 1950م): طلب الباحث من مشارك أن ينظر إلى خطوط ذات أطوال مختلفة، ثم يسأله: أي هذه الخطوط الثلاثة مساوٍ للخط المعياري؟ وعندما أجابت مجموعة من المتواطئين بشكل خاطئ، فإن ثلاثة أرباع المشاركين الحقيقيين خالفوا ما تراه أعينهم واتبعوا رأي المجموعة! هذه هي آلة "القطيع" تعمل داخل الدماغ البشري. فالضغط الاجتماعي يطغى على الحقيقة. 2. اختبارات "ستانلي ميلغرام" في الإذعان للسلطة (عقد 1960م): أظهر الباحث أن ما يقرب من الثلثين من البشر العاديين العقلاء مستعدون لتوجيه صدمات كهربائية قد تؤدي إلى الموت، لمجرّد أن شخصاً يلبس ثياب المختبر (رمز السلطة) يأمرهم بذلك! وهذا يفسر كيف يمكن لمجتمع بأكمله أن يتواطأ مع النظام في جرائمه الكبرى، وكيف يمكن للقطيع أن يسير وراء راعٍ يوصله إلى الجحيم. 3. ظاهرة "الانحياز التأكيدي" في الدماغ البشري: تعني أن الدماغ يميل إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد ما يعتقده مسبقاً، وتجاهل ما يناقضه. لذلك، عندما يتبنى الشخص "صنماً" سياسياً معيناً، فإنه سيبحث عن كل ما يدعمه ويبرره، ويرفض أي نقد له. وهنا يأتي دور الوعي النقدي: القدرة على مجابهة هذا الانحياز الطبيعي. خامساً: إلى الذين يقولون "نترك القصاص الآن ونبني أولاً" جوابنا من الكتاب والسنة: · يقول الله تعالى: {وَإِذَا أَخَذْنَا الْمُتْرَفِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْيَةِ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ فِيهَا يَجْأَرُونَ . لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنصَرُونَ} [المؤمنون: 64-65]. · ويقول النبي ﷺ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (رواه مسلم). فالقاتل إذا لم يُقتصّ منه اليوم، ستجري جرائم باسمه بعده، وسيكون الوزر في رقبة كل من تركه دون عقاب. إن إعمار البلاد على قبور الضحايا بغير قصاص هو إعمار على قاعدة الفساد، وسينهار أسرع مما بُني. الخاتمة: الطريق الوحيد للخلاص ليس الحل أن ننتظر قائداً عادلاً ينزل من السماء. وليس الحل أن نلعن الحاكم الراحل ثم نركع للحاكم الجديد. الحل الوحيد هو ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. التغيير يبدأ من الوعي الذاتي لكل فرد، ثم من القرار الجريء بتنقية الشارع من أدران النفاق وتقديس الأشخاص. القصاص العادل هو بوابة هذا التغيير. فكما أن الجسد لا يبرأ من السرطان إلا باستئصاله، فكذلك المجتمع لا يبرأ من جراح الملايين إلا بإقامة حد القصاص على القتلة والمجرمين. سوريا التي ضحت بمليوني شهيد تستحق أن يقوم أبناؤها صفاً واحداً ليعلنوا: لا ظلم بعد اليوم، لا إفلات من العقاب، لا تقديس لأحد. ونعم للإعمار بعد القصاص، وللحياة بعد الموت، وللوعي بعد السبات العميق. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وأنقذ أمتنا من شرور أنفسها ومن ظلم القتلة ومن نفاق المتفيقهين، واجمع كلمتها على كتابك وسنة نبيك. آمين د.مروان بحري D.Mervan Bahri مع تحيات كلية العلومالاجتماعية . Generations and Technology University .