المجاهرة بالنصيحة: آلية حيوية لصناعة الوعي ودرء الاستبداد

المجاهرة بالنصيحة: آلية حيوية لصناعة الوعي ودرء الاستبداد بقلم الدكتور مروان أحمد بحري Mervan Bahri مقدمة: بين النصيحة في الخفاء والمساءلة في العلن كثيراً ما يُوصم النقد العلني لأداء الحكومات بـ "التشويش" أو "تقويض الاستقرار"، في مقابل الترويج لنموذج "النصيحة السرية" بوصفه النموذج الأكثر أدباً وحكمة. إلا أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية: القضايا العامة التي تمس مصائر الملايين تحتاج إلى مساءلة علنية. المجاهرة هنا ليست خرقاً للأدب، بل هي إعلان لمبدأ راسخ: "الشؤون العامة مسؤولية الجميع، وليست حكراً على فئة دون أخرى". أولاً: صناعة الوعي الجماهيري من المتلقي السلبي إلى الفاعل الناقد الوظيفة الأساسية للمجاهرة بالنقد هي تفكيك احتكار المعلومات وبناء عقل جماعي ناضج. · كسر احتكار المعلومات: حين تنتقل مناقشة السياسات من الغرف المغلقة إلى الساحات العامة، تتحول الجماهير من مجرد متلقين لقرارات جاهزة إلى شركاء في تتبع صناعتها وتقييمها. هذه الشفافية تُبقي الذاكرة الجمعية حية وتجعل المحاسبة مستمرة. · بناء الرأي العام المستنير: النقاش العام الحر هو مدرسة شعبية عظيمة. من خلال اصطدام الآراء واختبار الحجج، يتعلم الناس تمييز الكلام المنطقي من العاطفي، والوعود الجوفاء من البرامج الواقعية. هذا التراكم المعرفي هو ما ينتج "وعياً جمعياً" قادراً على اتخاذ خيارات سياسية واعية. ثانياً: تمكين الكفاءات والمشاركة الفاعلة في صنع القرار لا يمكن للمجتمع أن يشارك بفاعلية في إدارة الشأن العام إذا كان يعمل في الظلام. النقد العلني هو الذي يضيء الطريق للقادرين على المساهمة. · إتاحة الفرصة لأصحاب الكفاءات: كثير من المفكرين وأصحاب الرؤى يبقون على الهامش بسبب هيمنة الخطاب الرسمي. حين يُفتح الباب أمام النقاش العام، يبرز هؤلاء بحلولهم البديلة، مما يثري الساحة الفكرية ويضغط على صانع القرار للاستعانة بالأجدر. · الإشراف والتقييم والرقابة: المجاهرة بالنقد هي الآلية العملية لمبدأ "الرقابة الشعبية". فبدون رقابة علنية ومحاسبة مستمرة، تتحول المؤسسات إلى أنظمة مغلقة تحاسب نفسها بنفسها، وهي معادلة تؤدي حتماً إلى الفساد والترهل. النقد العلني هو "جهاز المناعة" للجسد السياسي، الذي يكشف الخلل قبل أن يستشري. ثالثاً: عرقلة إنتاج الاستبداد لن نصنع "فرعوناً" مرة أخرى هذه هي القضية المصيرية التي تتوقف عليها مصير المجتمعات التي تخلصت من أنظمة القهر. · سيكولوجية الاستبداد: الاستبداد ليس مجرد نظام حكم، بل هو عقلية. العقلية التي تردد: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ". هذه النظرة الدونية التي تعامل الشعب كقاصر لا يدرك مصلحته، هي التي تصنع الطغاة. والمجتمع الذي يسكت عن هذا الخطاب يكون شريكاً في صناعته. · الثورة قطيعة مع العقلية وليس فقط مع النظام: الخطر الأكبر الذي يواجه الثورات هو أن تنتصر في إسقاط النظام، وتفشل في اقتلاع عقلية ذلك النظام. أن يأتي نظام جديد بلباس ثوري، ليعيد إنتاج نفس الآليات: مركزية القرار، وتهميش الرأي الآخر، وقمع النقد. عندها تكون الثورة قد خانت مبادئها. · المجاهرة كخط دفاع أول: النقد العلني هو السلاح الأمضى ضد هذه العقلية. فهو يذكر السلطة، في كل لحظة، بأنها خادمة للشعب وليست سيدة عليه، وأن شرعيتها مستمدة من رضا المحكومين وقدرتها على تحقيق تطلعاتهم. خاتمة: الحرية مسؤولية النقد في الختام، ليست "المجاهرة بالنصيحة" خياراً بين عدة أساليب، بل هي الفيصل بين المجتمع الراشد والمجتمع القاصر، بين النظام التعددي والنظام الشمولي بثوب جديد. إنها الضمانة الحقيقية ضد الانزياح التدريجي للسلطة نحو الاستبداد. إن مجتمعاً خاض ثورة ثم تنازل عن حقه في النقد العلني، هو كمن يبني قصراً جميلاً على أرضية من رمال. الدرس التاريخي الأهم أن صمت الشعوب هو السماد الذي تنمو فيه جذور الطغاة. لذلك، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية لأبناء المجتمعات التي تسعى للتغيير هي أن يحافظوا على حيوية النقد العلني، وأن يرفضوا أي محاولة لإسكاته، لضمان أن مسيرة التحرر تظل مستمرة نحو غاياتها في الحرية والكرامة والعدالة. بقلم الدكتور مروان بحري الدكتور مروان بحري مع تحيات كلية العلوم الإجتماعية Generations and Technology University