قراءة تحليلية في كتاب "حول موقف الشريعة من المصارف: الأحكام والقواعد العامة الشرعية" للدكتور محمد معروف الدواليبي مقدمة: الكتاب في سياقه الفكري والتاريخي يمثل كتاب "حول موقف الشريعة من المصارف" للدكتور محمد معروف الدواليبي وثيقة فقهية وفكرية فريدة، تعكس جانباً آخر من عبقرية هذا الرجل الذي عرفناه مفكراً سياسياً ومحاوراً حضارياً ومؤرخاً للقانون. هنا، يظهر الدواليبي في ثوبه الشرعي والفقهي، ليخوض في واحدة من أكثر القضايا إشكالاً في الفقه الإسلامي المعاصر: المعاملات المصرفية. من هو الدواليبي؟ (محطات فكرية وسياسية) قبل الخوض في الكتاب، لا بد من إلقاء نظرة سريعة على مسيرة الرجل، كما وثقها نجله الأستاذ نوفل الدواليبي. ولد الدكتور محمد معروف الدواليبي في حلب عام 1907م، لعائلة عريقة. كانت أولى محطاته الفكرية والسياسية هي مقاومة الاحتلال الفرنسي في سوريا، حيث أسس مع مجموعة من الشباب تنظيماً سرياً أطلق عليه "تنظيم القمصان الحديدية والعباء الحمر" لمقاومة الاستعمار، وعمل داعية في بعض المساجد يلقي خطب الجمعة التي أزعجت الفرنسيين، فسهلوا له السفر إلى فرنسا لمتابعة دراسته، كي يتخلصوا منه. وفي باريس، لم يتوقف نضاله، بل ترأس جمعية الطلاب العرب، وانتهز فرصة احتلال ألمانيا لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية ليُقنع الجنرال ديغول بضرورة الجلاء عن سوريا ولبنان. كما عمل على تحرير الحاج أمين الحسيني وتهريبه من فرنسا. وفي هذه الفترة، تزوج فرنسية اعتنقت الإسلام. عاد إلى سوريا عام 1946 ليسهم في بناء الدولة ما بعد الاستقلال، وكان من قادة "حزب الشعب". عاصر الانقلابات العسكرية المتتالية (حسني الزعيم، أديب الشيشكلي)، وأُدخل السجن عام 1963 ثم أُخرج عام 1964. بعدها، بدأت مرحلة جديدة في حياته النضالية، تمحورت حول الحوار الإسلامي المسيحي، وتأسيس نظام عادل يؤمن السلام في المنطقة. عمل على إقناع السوفييت بأخطائهم في أفغانستان، وتوسط لإيقاف الحرب العراقية-الإيرانية. ظل يناضل حتى آخر حياته لإظهار حقيقة الإسلام كدين فكر وعقل وحوار. هذه التجربة الغنية، التي جمعت بين العمل السياسي السري، والدبلوماسية الدولية، والعمل الحزبي، والمعاناة في السجون، كلها صقلت شخصية الدواليبي، وجعلته مفكراً واقعياً لا يطلب المستحيل، وقادراً على الاجتهاد في أخطر القضايا. الكتاب في سياقه التاريخي يتناول هذا الكتاب قضية شغلت الفقه الإسلامي طوال النصف الثاني من القرن العشرين: هل المعاملات المصرفية الحديثة (الودائع والقروض بفائدة) تعتبر من الربا المحرم قطعياً، أم أنها شيء جديد مختلف يحتاج إلى اجتهاد وتكييف شرعي جديد؟ هذه القضية كانت ولا تزال مثار جدل كبير، وازدادت حدة مع توسع النظام المصرفي العالمي واحتياج الدول الإسلامية إلى التمويل لتحقيق التنمية الاقتصادية. والكتاب هو في الأصل مقدمة تعريفية لبحث تقدم به الدواليبي باسم الجامعة السورية إلى مؤتمر "أسبوع الفقه الإسلامي" الذي عقد في جامعة باريس عام 1951، بدعوة من مؤسسة الحقوق المقارنة في لاهاي. هذا السياق يظهر أن الدواليبي لم يكن مجرد فقيه تقليدي، بل كان عالماً قادراً على تمثيل الفقه الإسلامي في أرقى المحافل الأكاديمية الغربية، بلغة يفهمها الغرب وبمنهجية مقارنة رصينة. القسم الأول: تعريف بالمصطلحات الأساسية (لفهم أسهل) قبل الخوض في تحليل الكتاب، لا بد من تعريف القارئ ببعض المصطلحات الفقهية الأساسية التي وردت فيه، ليسهل عليه متابعة التفاصيل. أولاً: الربا – لغة: الزيادة. وشرعاً: زيادة مالية مقابلة لأجل في عقد القرض أو البيع. والربا نوعان رئيسيان: · ربا النسيئة (ربا الجاهلية): وهو الذي ورد فيه الوعيد الشديد في القرآن. صورته أن يكون للدائن دين على مدين قد حل أجله، فيطلب المدين التأجيل لعدم قدرته على السداد، فيقول الدائن: "إما أن تقضي، وإما أن تربي" (أي تزيد في المال مقابل التأجيل). هذه الزيادة هي ربا النسيئة، وهو محرم قطعياً بإجماع العلماء. · ربا الفضل: وهو الزيادة في مقابلة الأجل عند عقد الدين من البداية (وليس بعد حلول الأجل). مثاله: أن أقرضك ألف دينار على أن تردها بعد سنة بألف ومائة. هذه الزيادة (المائة) هي ربا الفضل. جمهور العلماء على تحريمه، لكن بعضهم يراه محرماً سداً للذريعة (أي لأنه قد يؤدي إلى ربا النسيئة)، وليس بنص قطعي. ثانياً: القرض – هو إعطاء مال لمن ينتفع به ثم يرد بدله. والقرض الحسن هو ما كان بدون فائدة، وفيه أجر عظيم عند الله لأنه من أبواب الإحسان والتكافل. أما القرض الربوي فهو ما كان بفائدة محددة سلفاً. ثالثاً: القراض (أو المضاربة) – هو عقد شراكة بين طرفين: صاحب مال (رب المال) وعامل (المضارب) يتاجر بماله، ويكون الربح بينهما بنسبة متفق عليها، والخسارة على صاحب المال وحده (ما لم يكن تفريط من العامل). هذا العقد جائز شرعاً بإجماع العلماء، وكان معمولاً به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. وهو الأساس الذي اقترح الدواليبي تكييف المصارف عليه. رابعاً: القاعدة الفقهية "المصلحة" – هي جلب منفعة أو دفع مضرة. ولها مراتب: الضروريات (ما لا يقوم الدين والدنيا إلا بها)، والحاجيات (ما يحتاج الناس إليها للتوسعة ورفع الضيق)، والتحسينيات (ما يرجع إلى مكارم الأخلاق). العلماء اختلفوا في مدى اعتبارها عند الاجتهاد، لكن جمهورهم على أن "المصلحة المرسلة" (التي لم يرد بها نص خاص) تعتبر مصدراً من مصادر التشريع، بشرط ألا تصادم نصاً قطعياً. القسم الثاني: منهجية الدواليبي الاقتصادية وطريقة تفكيره بعد قراءة هذا الكتاب، يمكن استخلاص منهجية الدواليبي وطريقة تفكيره الاقتصادية في النقاط التالية: أولاً: منهج التفريق بين النص وتطبيقاته الواقعية – أبرز ما يميز منهج الدواليبي الاقتصادي أنه لا يقرأ النص الشرعي بمعزل عن الواقع. فهو يرى أن النص القرآني حرم "ربا النسيئة" الجاهلي الذي كانت صورته: دين تجاري حل أجله، والمدين معسر، فيطلب تأجيلاً مقابل زيادة. هذه الصورة لها خمس خصائص محددة (المدين فقير محتاج للصدقة، الدائن يستغل حاجته، المعاملة ليست تجارة، إلخ). ثم ينزل إلى واقع المعاملات المصرفية الحديثة، ويحللها تحليلاً اقتصادياً واجتهادياً، ليستخلص خصائصها الخمس (المدين تاجر كبير محتاج للسيولة، المنفعة متبادلة، المعاملة تجارة، إلخ). ثم يقارن بين الخصائص في الحالتين. فإذا تطابقت، حرم. وإذا اختلفت، خضعت للاجتهاد. هذه المنهجية تجمع بين الالتزام بالنص (لا يلغي حرمة الربا)، والواقعية (لا يحرم شيئاً لم يرد فيه نص)، والدقة التحليلية (لا يحكم بالتشابه حتى يتأكد منه). ثانياً: منهج تغيير التكييف وليس تغيير الحكم – هذه نقطة دقيقة لكنها جوهرية في فكر الدواليبي. هو لم يقل: "المصارف حلال" أو "المصارف حرام". بل قال: "المصارف في صورتها الحالية فيها شبهة، لكن يمكن تغيير تكييفها الشرعي من عقد قرض ربوي إلى عقد مضاربة، فتصبح حلالاً". الفرق كبير: من يقول "المصارف حلال" يتجاهل النصوص. ومن يقول "المصارف حرام" يتجاهل الواقع. أما الدواليبي فيقول: "دعنا نغير صيغة العقد نفسه، ونجعله متوافقاً مع الشريعة". وهذا هو عين الاجتهاد المقاصدي: الحفاظ على المقصد (تحقيق التنمية الاقتصادية دون ظلم)، مع تغيير الوسيلة (من القرض الربوي إلى المضاربة). ثالثاً: منهج المصلحة والحاجة كمسوغ للاجتهاد – الدواليبي لم يكتفِ بالمقارنة بين الخصائص، بل أسس لشرعية المصارف على قواعد فقهية راسخة: قواعد ابن القيم وابن تيمية وابن قدامة وابن حزم في المصلحة والحاجة. وهو بذلك يتبنى منهجاً مقاصدياً، يرى أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، وليس لمجرد الأحكام النظرية. رابعاً: منهج الحوار والمناقشة مع المخالفين – ما يميز الدواليبي عن غيره من الفقهاء أنه لم يكتفِ بالكتابة في كتبه، بل نزل إلى الميدان وناقش مخالفيه علناً. قصة مناقشته للشيخ محمد أبو زهرة في ندوة "نور على نور" عبر التلفزيون، بحضور الدكتور مصطفى السباعي والدكتور عيسى عبده إبراهيم، والتي دامت ساعة كاملة، وانتهت بتوقف أبي زهرة عن الإجابة، هي خير دليل على منهجه. وهذا يعكس ثقته بمنهجه ورأيه، واحترامه للعقل والمنطق في النقاش الفقهي. خامساً: تداخل الخبرات (وزير اقتصاد سابق + فقيه + سياسي مخضرم) – هذه النقطة بالغة الأهمية. في عام 1950، كان الدواليبي وزيراً للاقتصاد الوطني في سوريا. هذا يعني أنه عندما تقدم ببحثه إلى مؤتمر باريس عام 1951، لم يكن مجرد فقيه ينظر إلى المعاملات المصرفية من زاوية النصوص فقط، بل كان خبيراً اقتصادياً يعرف كيف تعمل المصارف، ويدرك حاجة الاقتصاد الحديث إلى التمويل والائتمان. هذه الخبرة المزدوجة (فقه + اقتصاد + سياسة) هي ما مكنته من تقديم رؤية اجتهادية متوازنة، تجمع بين الالتزام بالنصوص وفهم الواقع الاقتصادي. سادساً: منهج التدرج والترقب في تغيير الواقع – الدواليبي لم يطلب إلغاء المصارف فوراً، لأنه يعلم أن هذا مستحيل عملياً. ولم يطلب تقنينها كما هي، لأنه يعلم أن هذا مخالف شرعاً. بل طلب "تصحيح المسار" تدريجياً، من خلال: أولاً تغيير التكييف الشرعي للعقود من قرض إلى مضاربة، وثانياً إصدار نظام ملزم من ولي الأمر بهذا التكييف، وثالثاً متابعة تطور القضية عبر الزمن كما فعل مع شهادات الاستثمار المصرية التي تابعها من عام 1972 إلى عام 1984. خلاصة: كيف يمكن وصف منهج الدواليبي الاقتصادي؟ يمكن وصف منهج الدواليبي الاقتصادي بأنه منهج مقاصدي واقعي اجتهادي حواري تدرجي: · مقاصدي لأنه ينطلق من مقاصد الشريعة (العدل، المصلحة، دفع الحرج). · واقعي لأنه يحلل الواقع الاقتصادي تحليلاً دقيقاً قبل أن يحكم عليه. · اجتهادي لأنه لا يخشى مخالفة المشهور إذا قام الدليل على صحة رأيه. · حواري لأنه يناقش مخالفيه علناً ولا يكتفي بإصدار الفتوى من وراء مكتب. · تدرجي لأنه يطلب تغيير الواقع خطوة بخطوة، وليس دفعة واحدة. وهذا المنهج يختلف جذرياً عن المنهج التقليدي الذي يكتفي بعرض أقوال السلف دون تحليل واقع، وعن المنهج الاستهلاكي الغربي الذي يقدس الربا ويجعله أساس الاقتصاد. إنه منهج إسلامي أصيل، يجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في التطبيق، وبين الالتزام بالنصوص والانفتاح على الواقع. القسم الثالث: ماذا أضاف إليّ هذا الكتاب؟ (شهادة شخصية) بعد قراءة هذا الكتاب، لا أستطيع إلا أن أعترف بأنه زادني كثيراً، بل فاجأني في أكثر من مستوى. أولاً: علمني أن الدواليبي لم يكن منظّراً سياسياً فقط، بل كان فقيهاً اقتصادياً من الطراز الأول. قبل قراءة هذا الكتاب، كنت أعرف الدواليبي من خلال كتبه السابقة: "الدولة والسلطة في الإسلام"، و"ندوات حقوق الإنسان"، و"المرأة في الإسلام"، و"أمريكا وإسرائيل". كنت أراه مفكراً سياسياً ومحاوراً حضارياً. لكن هذا الكتاب كشف لي وجهاً آخر: الدواليبي الفقيه الأصولي المجتهد. ثانياً: علمني كيف أقرأ النص الشرعي بمنهجية التفريق بين النص وتطبيقاته الواقعية. قبل قراءة هذا الكتاب، كنت أقرأ النص الشرعي كما يقرأه كثير من الناس: "الربا حرام" يعني "أي زيادة على القرض هي ربا محرم". وهذا فهم سطحي. الدواليبي علمني أن أقرأ النص بطريقة أعمق: أنظر إلى خصائص الربا الذي حرمه القرآن، ثم أنظر إلى واقع المعاملة المصرفية، ثم قارن. هذه المنهجية غيرت طريقة تفكيري في قراءة النصوص الشرعية. ثالثاً: علمني أن تغيير التكييف أحياناً أفضل من تغيير الحكم. قال: "دعنا نغير صيغة العقد نفسه من قرض ربوي إلى مضاربة، فتصبح حلالاً". هذا التفكير الهندسي في إعادة تشكيل العقود لتناسب الشريعة، بدلاً من الاصطدام المباشر مع الواقع، هو درس عظيم في المرونة الفقهية. رابعاً: علمني الجرأة الفكرية في مناقشة الكبار. قصة مناقشته للشيخ محمد أبو زهرة في ندوة "نور على نور" عبر التلفزيون، والتي انتهت بتوقف أبي زهرة عن الإجابة، علمتني أن الحق ليس حكراً على الكبار، وأن الجرأة على مناقشة المخالفين بالحجة والدليل هي سنة علمية نبيلة. خامساً: فاجأني بأن الأزهر نفسه لم يكن قد أصدر فتوى في موضوع المصارف في ذلك الوقت. كنت أظن أن الأزهر كان له موقف موحد من قضية المصارف منذ البداية. لكن تبين لي أن مندوب الأزهر (الشيخ محمد دراز) قال للدواليبي: "إن مجلس كبار علماء الأزهر لم يأذن له أن يبحث في معاملات المصارف لا سلباً ولا إيجاباً". هذا يعني أن القضية كانت مفتوحة للاجتهاد. سادساً: زادني إيماناً بأهمية المصلحة في الاجتهاد الفقهي. هذا المنهج المقاصدي جعلني أتساءل: كم من الفتاوى التي نرددها اليوم هي فتاوى جامدة، لم تراعِ تغير الزمان والمكان والمصالح؟ سابعاً: علمني أن الاقتصاد الإسلامي ليس مجرد تحريم الربا، بل هو نظام متكامل قائم على العدل والمشاركة. ثامناً: علمني أن خبرة وزير الاقتصاد السابق هي التي مكنته من هذا الاجتهاد المتوازن. هذا الإدراك أضاف لي بعداً جديداً في فهم العلاقة بين الفقه والواقع. القسم الرابع: تلخيص الكتاب أولاً: إشكالية الكتاب يطرح الدواليبي إشكالية مركزية: المعاملات المصرفية الحديثة (الودائع والقروض بفائدة) هل هي من الربا المحرم قطعياً بنصوص القرآن والسنة، أم أنها شيء جديد مختلف يحتاج إلى اجتهاد وتكييف شرعي جديد؟ ثانياً: خصائص الربا القرآني (الربا المحرم قطعياً) يبدأ الدواليبي بتحديد خصائص الربا القرآني (ربا النسيئة الجاهلي) الذي ورد فيه الوعيد الشديد. ويستخلص خمس خصائص أساسية: 1. المدين محتاج للصدقة: في آيات الربا، المدين هو شخص معسر، لا يملك وفاء دينه، ويستحق أن يتصدق عليه الدائن برأس المال. 2. الدائن يستغل حاجة المدين: الدائن منفرد بالمنفعة، وهو "ظالم" يستحق الوعيد بـ"حرب من الله ورسوله". 3. المعاملة ليست تجارة: الربا ليس بيعاً ولا تجارة، بل هو مجرد تنمية لمال الدائن في أموال المدينين المعسرين. 4. آكلة الربا في حالة تخبط واضطراب: يشبههم القرآن بـ"الذي يتخبطه الشيطان من المس". 5. ربا النسيئة هو زيادة جديدة على دين قديم: بعد حلول الأجل، يطلب الدائن زيادة مالية جديدة في مقابل تأجيل السداد (النساء)، وهذه الزيادة لا يقابلها أي نفع مادي للمدين. الخلاصة: حرمة الربا قطعية، والحكمة منها إزالة الظلم ومنع استغلال الغني لحاجة أخيه الفقير. ثالثاً: خصائص المعاملات المصرفية (المقارنة مع الربا) بعد تحديد خصائص الربا، ينتقل الدواليبي إلى تحليل المعاملات المصرفية الحديثة، ويستخلص خمس خصائص مقابلة: 1. المدين ليس محتاجاً للصدقة، بل هو تاجر كبير محتاج للسيولة. 2. المنفعة متبادلة، وليس فيها استغلال. 3. المعاملة المصرفية هي تجارة (بيع) وليست ربا. 4. المتعاملون مطمئنون، وليسوا في تخبط. الخلاصة: المعاملات المصرفية ليست من الربا المحرم قطعياً، لأن خصائصها تختلف تماماً عن خصائص الربا القرآني، ولذلك فهي تخضع للاجتهاد ولقواعد المصلحة والحاجة. رابعاً: الأساس النظري لإباحة المصارف يؤسس الدواليبي شرعية المصارف على قواعد فقهية راسخة: قاعدة ابن القيم أن الشرائع مبنية على مصالح العباد، وقاعدة ابن تيمية أن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج، وقاعدة ابن قدامة أن ما فيه مصلحة من غير ضرر فهو جائز، وقاعدة ابن حزم بتقديم المصلحة الراجحة على المفسدة، والاستدلال ببيع السلم الذي أباحه النبي لحاجة الناس. خامساً: الحل المقترح – تكييف المصارف على عقود المضاربة يقدم الدواليبي حلاً عملياً وشرعياً، وهو إصدار مادة نظامية تلزم المصارف والمتعاملين بالتكيف على أحكام المضاربة الشرعية، مع كفالة حد معين من الأرباح يخضع للزيادة والنقص تبعاً للظروف الاقتصادية، ويستدل على جواز هذا التكييف بقصة عمر بن الخطاب مع ابنيه. القسم الخامس: خاتمة – قيمة الكتاب في مشروع الدواليبي الفكري يمثل كتاب "حول موقف الشريعة من المصارف" إضافة نوعية لمسيرة الدواليبي الفكرية. فهو لم يكن مجرد مفكر سياسي أو محاور حضاري، بل كان عالماً فقيهاً اجتهادياً، يخوض في أخطر القضايا الاقتصادية التي تهم حياة المسلمين اليومية. الكتاب يجمع بين الفهم العميق للنصوص الشرعية، والتحليل الاقتصادي الواقعي، والجرأة الفكرية في الاجتهاد، والهم الوطني والاقتصادي لخدمة الأمة. ورغم ما يمكن توجيهه من ملاحظات على بعض تفاصيل رأيه، يبقى هذا الكتاب وثيقة فقهية مهمة، تعكس منهجاً رائداً في التعامل مع المستجدات الاقتصادية، يقوم على فهم النصوص فهماً مقاصدياً، وتحليل الواقع تحليلاً دقيقاً، والاجتهاد في حدود المصلحة والحاجة، وعدم الجمود على الفتاوى القديمة دون النظر إلى تغير الزمان والمكان والعرف. ولهذا، يبقى هذا الكتاب مرجعاً مهماً لكل باحث في فقه المعاملات المالية المعاصرة، ومصدر إلهام لمن يريد الجمع بين الأصالة الشرعية والمعاصرة الاقتصادية. كلمة شكر وتقدير لا يفوتني في ختام هذه القراءة التحليلية أن أتقدم بخالص الشكر والعرفان إلى الأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، الذي تفضل مشكوراً بتزويدي بنسخة من هذا الكتاب النفيس، وبالمعلومات والوثائق التاريخية القيمة التي أضاءت هذه القراءة، كما أشكره على ما تفضل به من تصويب بعض المعلومات، مما أضاف إلى هذا البحث بعداً توثيقياً دقيقاً، وأتاح لي فرصة الغوص في فكر والده من مصادره الأصلية. فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والده، وأن يبارك له في علمه وجهده، وأن ينفع به الأمة الإسلامية. ملحق: الرد على الانتقادات الواردة في كتاب "خاطرات حول المصرفية الإسلامية" للدكتور صالح الحصين تمهيد بعد القراءة التحليلية لكتاب "حول موقف الشريعة من المصارف"، اطلعت على كتاب "خاطرات حول المصرفية الإسلامية" للدكتور صالح الحصين (رحمه الله)، وهو كتاب نقدي مهم يوجه انتقادات جادة لمحاولات "أسلمة" القروض الربوية، ويتعرض بالتفصيل لرأي الدواليبي في مؤتمر باريس 1951. ونظراً لأهمية هذه الانتقادات ودقتها، رأيت تخصيص هذا الملحق للرد عليها، إنصافاً للرجلين معاً. أولاً: الإطار العام لانتقادات الحصين ينتمي الدكتور صالح الحصين إلى المدرسة الفقهية التي تتبنى وقفاً صارماً عند النصوص، وتعتبر أن "كل قرض جر نفعاً فهو ربا". وهو يرى في محاولات الدواليبي (والسنهوري قبله) محاولات "توفيقية" تهدف إلى تأنيس الفائدة الربوية في المجتمع الإسلامي. لكن يجب أن ننصف الحصين: فهو لا يكتفي بالنقد، بل يقدم قراءة عميقة للقضية، ويشير إلى نقاط ضعف حقيقية في منهج الدواليبي، وإن كان يتجاهل أحياناً نقاط القوة. ثانياً: الرد على النقاط الرئيسية التي أثارها الحصين النقطة الأولى: حول التمييز بين "قروض الاستهلاك والإنتاج" (الربا الإنتاجي) · ما قاله الحصين (النقد): هذا التمييز يعتمد على "محض النية الباطنة" للمتعاقدين، وهذا يصلح معياراً للنظام الأخلاقي، لا للنظام التشريعي. مثال من يشتري سيارة: هل يعتبر قرضاً إنتاجياً أم استهلاكياً؟ هذا يعتمد على نيته، والنية لا يمكن ضبطها قانونياً. · الرد: نقد الحصين وجيه من الناحية القانونية، لكنه يختزل رأي الدواليبي في صورة مبسطة. الدواليبي لم يقل فقط "قروض الإنتاج حلال". قال: قارن بين خصائص الربا الجاهلي والمعاملة المصرفية، فلاحظ أن المدين في الربا الجاهلي هو "فقير محتاج للصدقة"، بينما المدين في المعاملة المصرفية هو "تاجر محتاج للسيولة". ثم قال: "لما كان التصدق على البنك وأصحابه (أي على الأغنياء) لا يجوز، فهذه المعاملات ليست داخلة في النص القرآني". إذن، معيار التمييز عند الدواليبي هو صفة المدين (هل هو غني أم فقير)، وليس نيته. والتاجر المحتاج للسيولة هو غني (لا تحل له الصدقة). أما من يقترض لشراء سيارة للاستعمال الشخصي، فهو فقير (أو متوسط الحال) وتنطبق عليه علة التحريم. هذا معيار منضبط، وليس مجرد نية باطنة. النقطة الثانية: حول قصة عمر مع ابنيه · ما قاله الحصين (ضمنياً): لم يتعرض لها بشكل مباشر، لكنه يعتبر محاولة الدواليبي "توفيقية" غير مقبولة. · الرد: استشهاد الدواليبي بقصة عمر مع ابنيه هو من أقوى أدلته. فالقصة ثابتة في موطأ مالك وغيره، وفيها أن عمر تراجع عن حكمه الأول عندما تبين له أن "القرض" الذي استلفه ابناه من بيت المال قد تحول إلى "قراض" (مضاربة) بعد أن اتجرا به. العبرة من القصة: عمر (وهو من أئمة الاجتهاد) لم يقل "القرض حرام مطلقاً"، بل سعى إلى تغيير التكييف من "قرض" إلى "مضاربة" ليزيل الشبهة. وهذا هو بالضبط ما طالب به الدواليبي: تحويل عقود المصارف من "قروض ربوية" إلى "مضاربة". نقد الحصين ضمنياً لهذه القصة يمكن رده بأن التكييف على المضاربة ليس "حيلة"، بل هو أسلوب مشروع أقرّه الصحابة أنفسهم. النقطة الثالثة: حول مقولة "الحكمة من تحريم الربا هي منع استغلال المحتاج" · ما قاله الحصين: ردّ على هذه المقولة بأنها لو كانت صحيحة، لكان القياس عليها أن الزنا يُحرم لاختلاط الأنساب، فإذا ارتفعت المفسدة (باستعمال منع الحمل أو العقم) أصبح الزنا حلالاً! وهذا باطل قطعاً. · الرد: هذا الرد قوي من الناحية الأصولية، لكن قياس "الربا" على "الزنا" هو قياس مع الفارق. فَعِلّة تحريم الزنا ليست "اختلاط الأنساب" فقط، بل هي إفساد النسل وهدم الأسرة وانتهاك الحرمات، وهذه مفاسد لا ترتفع باستعمال منع الحمل. فالعقم لا يبيح الزنا، لأن المفسدة ليست محصورة في النسل. أما الربا، فالنص القرآني نفسه أشار إلى علة قريبة منه: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وإن تصدقوا خير لكم". هذا يدل على أن العلة هي حاجة المدين (عسره). فإذا ارتفعت هذه العلة (بأن كان المدين غنياً وليس معسراً)، فهل يبقى التحريم بنفس القوة؟ الأصوليون يختلفون في تحديد علة الربا، وهذا الخلاف لا يحسمه قياس مع الفارق. لكن نقد الحصين ينبه إلى خطورة الاعتماد على الحكمة وحدها دون النص. النقطة الرابعة: حول قضية "انعكاس الآلة" (المقرض الضعيف والمقترض القوي) · ما قاله الحصين: يرد على حجة الدواليبي (أن المقرض هم صغار المدخرين وهم الضعفاء، والمقترض هم الشركات الكبيرة وهم الأقوياء) بأن البنك يعود ليكون مقرضاً قوياً، والمقترضون منه (الأفراد والشركات الصغيرة) هم الضعفاء. · الرد: هذا الرد صحيح. فالدواليبي ركز على جانب الودائع وتغافل عن جانب القروض الممنوحة من البنك للعملاء. البنك حين يقرض عملاءه، يعود ليكون هو الطرف القوي المستغل (خاصة مع العملاء الصغار والمتوسطين). هذا نقد قوي لا يمكن تجاهله. لكن الدواليبي لم يغفل هذه النقطة تماماً، إذ قال في بحثه: "ومع ذلك، نرى أن المصارف اليوم تقوم على حاجة لا بد منها". هو لم يقل إنها خالية من الإشكال، بل قال إنها ضرورة، وخضوعها للاجتهاد يسمح بتصحيح مسارها تدريجياً. نقد الحصين يبين أن أطروحة الدواليبي تحتاج إلى مزيد من الضبط والتفصيل، خاصة في جانب القروض الممنوحة للعملاء الصغار. ثالثاً: خلاصة الرد · نقاط القوة في نقد الحصين (وجيهة ويجب الاعتراف بها): 1. التنبيه إلى أن التمييز بين "إنتاجي" و"استهلاكي" قد لا يكون منضبطاً تماماً (رغم أن معيار الدواليبي هو "صفة المدين" وليس نيته). 2. الإشارة إلى أن البنك يعود ليكون مقرضاً قوياً للعملاء الصغار، وهذه النقطة تحتاج إلى مزيد من الضبط في أطروحة الدواليبي. 3. الردّ على مقولة "الحكمة من تحريم الربا هي استغلال المحتاج" برد أصولي قوي (قياس الزنا)، وإن كان هذا الرد ليس قاطعاً، إلا أنه ينبه إلى خطورة الاعتماد على الحكمة وحدها. · نقاط الضعف في نقد الحصين (جانب فيها الإنصاف): 1. يختزل رأي الدواليبي أحياناً، ويتجاهل منهجيته في "تحليل الخصائص" و"تغيير التكييف إلى مضاربة". 2. يتجاهل قصة عمر مع ابنيه، وهي من أقوى أدلة الدواليبي. 3. يصف المحاولات بـ"التوفيقية" تارة وبـ"محاولات لتأنيس الفائدة" تارة أخرى، وهذا التوصيف فيه إجحاف، لأنه يوحي بأن الدواليبي كان يبحث عن حيلة لتحليل الحرام، بينما هو كان يبحث عن تكييف شرعي لمشكلة اقتصادية معاصرة. · الموقف المحايد المنصف: 1. أطروحة الدواليبي ليست مثالية، وهي تحتاج إلى تطوير وضبط، خاصة في جانب قروض البنك للعملاء الصغار والمتوسطين. 2. أطروحة الدواليبي تظل الأكثر ابتكاراً وجرأة في زمانها، وهي ممثلة لمنهج "تغيير التكييف" وليس "تحليل الفائدة". 3. نقد الحصين قوي في تفنيد بعض إشكاليات الأطروحة، لكنه لا يقدم بديلاً عملياً أفضل. هو يكتفي بتأكيد الحرمة المطلقة، ويترك المجتمع يعاني من تعارض بين النص والمصلحة الواقعية. التوصية الختامية: لا ننكر فضل الدواليبي كرائد، ولا ننكر قوة نقد الحصين. الحل الأمثل هو تطوير أطروحة الدواليبي (لا هدمها) من خلال إعادة تعريف "الربا" تعريفاً أصولياً محكماً يجمع بين النصوص والمقاصد، وتحديد ضوابط واضحة للتمييز بين القروض التي يجوز فيها التعامل مع البنوك (مع تحويلها إلى مضاربة) وتلك التي لا يجوز، ودعم الأطروحة بقوانين وتشريعات رادعة تمنع التحايل والاستغلال. ملحق: أطروحة الدواليبي بين النظرية والتطبيق – لماذا لم تتبنَّ المصارف الإسلامية نموذج المضاربة والمشاركة؟ بعد كل هذا التحليل والدفاع عن أطروحة الدواليبي، يبقى سؤال جوهري يفرض نفسه على كل قارئ: إذا كان رأي الدواليبي صحيحاً ورائداً إلى هذه الدرجة، فلماذا لا نرى بنوكاً إسلامية تطبقه في الواقع؟ لماذا تهيمن عقود المرابحة والمبيعات الآجلة (التي لا تختلف كثيراً عن القروض الربوية في جوهرها) على ساحة التمويل الإسلامي، بينما تظل عقود المضاربة والمشاركة هامشية؟ هذا السؤال لا يشكل نقداً لأطروحة الدواليبي بقدر ما يكشف عن أزمة تطبيق حقيقية، أجمعت عليها العديد من الدراسات الأكاديمية والهيئات المالية الدولية. الحقيقة المؤلمة: فجوة بين النظرية والتطبيق تشير الاستقراءات الميدانية كما يقول الدكتور عبد الله الخليل إلى أن عقود المشاركة في الأرباح والخسائر – والتي تشكل جوهر نموذج الدواليبي (المضاربة والمشاركة) – تمثل نسبة ضئيلة من إجمالي تمويلات المصارف الإسلامية بينما تمثل عقود المرابحة النسبة الأكبر من إجمالي التمويلات. هذا يعني أن المصارف الإسلامية المعاصرة، وبعد أكثر من أربعة عقود من نشأتها، لم تتبنَّ نموذج "المضاربة" الذي نادى به الدواليبي، بل سلكت طريقاً بديلاً وُصف في الأدبيات الأكاديمية بـ "متلازمة المرابحة" ، أي الاعتماد المفرط على عقود الدين المضمونة العائد بدلاً من عقود المشاركة في الربح والخسارة. لماذا تهرب المصارف من نموذج الدواليبي؟ ترجع الدراسات الحديثة هذه الفجوة إلى مجموعة من العقبات العملية والاقتصادية والنفسية التي تجعل نموذج المضاربة أقل جاذبية للمصارف: 1. المخاطر العالية وعدم اليقين: في عقد المضاربة، إذا خسر المشروع، يتحمل البنك (رب المال) الخسارة المالية بمفرده، بينما يخسر رائد الأعمال (المضارب) جهده ووقته فقط. البنوك التجارية (وحتى الإسلامية منها) تكره هذا النوع من عدم اليقين. تفضّل عقوداً تحمي رأس مالها وتضمن لها عائداً معلوماً، مثل عقود المرابحة التي تعتبر في جوهرها "قرضاً بفائدة مغلفة". 2. مشكلة "الوكيل الخائن : كيف يمكن للبنك أن يتأكد من أن صاحب المشروع لا يخفي أرباحاً حقيقية ليتقاسم أقل؟ وكيف يتأكد من عدم المخاطرة المفرطة برأس المال بتهور؟ هذه المشكلة الأخلاقية الناشئة عن "عدم تناظر المعلومات" تُصعّب الاعتماد على عقود الثقة المحضة كالمضاربة. 3. ضعف الضمانات: في القرض التقليدي، يطلب البنك ضمانات عينية (بيوت، سيارات، أراضي). في المضاربة، المبدأ الأساسي هو أن رأس المال من طرف والجهد من طرف آخر، والعلاقة تقوم على الثقة. البنوك لا تشعر بالراحة تجاه هذا النموذج لعدم وجود ضمانات ملموسة يمكنها استرداد أموالها بها فوراً في حال التعثر. 4. إرث الثقافة المصرفية التقليدية: معظم البنوك الإسلامية اليوم نشأت من رحم بنوك ربوية، وحافظت على موظفيها وثقافتها المؤسسية وأنظمتها الداخلية. تم تغيير المسميات (تحويل "فائدة" إلى "ربح مرابحة")، لكن ثقافة إدارة المخاطر والائتمان ظلت كما هي، وهي ثقافة لا تتقبل بسهولة نموذج "شارك في الربح والخسارة". 5. البيئة التشريعية والتنظيمية غير المساندة: قوانين البنوك المركزية، وأنظمة الضرائب، وقوانين الإفلاس وحماية المستهلك، صُممت كلها لتناسب نموذج "القرض بفائدة"، وليس نموذج "عقد المشاركة". تطبيق عقود المضاربة في هذه البيئة التشريعية الهشة يُعرّض البنوك لمخاطر قانونية وتنظيمية إضافية. هل يعني هذا أن الدواليبي كان مخطئاً؟ لا، لم يكن مخطئاً. يمكن القول إن الدواليبي كان: · صائباً في تشخيص الداء: رؤيته لمفاسد الربا وآثارها المدمرة على الاقتصاد كانت صحيحة. · صائباً في وصف الدواء المثالي: تحديده لعقد المضاربة كبديل شرعي وأخلاقي واقتصادي كان دقيقاً. · لكنه كان متفائلاً: تفاءل بقدرة المؤسسات المالية والدول على تبني هذا النموذج بسرعة، ولم يتوقع حجم العقبات العملية والتشريعية والنفسية التي ستقف في طريقه. الدواليبي لم يكن رجل بنوك، بل كان عالماً شريعة ورجل دولة وخبيراً اقتصادياً. كان يتحدث لغة "ما يجب أن يكون"، بينما البنوك تتحدث لغة "ما هو ممكن ومربح وآمن". القيمة الخالدة لأطروحة الدواليبي رغم عدم تطبيقها على نطاق واسع، تظل أطروحة الدواليبي ذات قيمة عظيمة: 1. البوصلة الأخلاقية: تذكّر المصارف الإسلامية بالغرض الحقيقي من وجودها: "المشاركة في الربح والخسارة"، وليس مجرد "أسلمة القروض التقليدية". كل أزمة تمر بها هذه المصارف تعيد فتح ملف الدواليبي، وتذكّرها بأن العودة إلى المشاركة الحقيقية في الربح والخسارة هي الطريق الوحيد لتحقيق المصداقية الإسلامية. 2. الاتهام المستمر للواقع: وجود هذه الأطروحة هو بمثابة "اتهام" دائم للواقع القائم بالانحراف. يظل السؤال مشرعاً: لماذا لم تطبق؟ والإجابة تعيد توجيه النقد إلى ضعف الإرادة، وسوء التنظيم، وهشاشة الثقافة الاقتصادية، وليس إلى "عدم صلاحية الإسلام للحكم". 3. نموذج يُحتذى في الاجتهاد: أطروحة الدواليبي هي مثال رائد على الاجتهاد المقاصدي الواقعي، الذي يجمع بين فهم النصوص وفهم الواقع. إنها تعلم الأجيال القادمة كيف يفكر الفقيه الاقتصادي. خلاصة: إذا كان الدواليبي قد وضع النموذج النظري الأمثل (المضاربة/ المشاركة)، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد الإسلامي اليوم هو: كيف ننتقل من هذا النموذج النظري إلى تطبيق عملي، بتجاوز العقبات العملية، ودعمه بتشريعات ناظمة، وتغيير ثقافة إدارة المخاطر في البنوك؟ هذا هو إرث الدواليبي الذي لم يُستكمل بعد. الأستاذ الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا #محمد_معروف_الدواليبي #الشريعة_والقانون #التاريخ_الإسلامي #الفكر_الإسلامي #التراث_العلمي #مكتبة_جامعية #كتب_إلكترونية #طلاب_الشريعة #كلية_الشريعة #الحضارة #التعريف_بالإسلام Generations and Technology University https://www.gtuedu.org/post/115