قراءة تحليلية في كتاب "دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضاراتهم الإنسانية"

قراءة تحليلية في كتاب "دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضاراتهم الإنسانية" مقدمة: الكتاب في سياق مشروع الدواليبي الحضاري يأتي كتاب "دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضاراتهم الإنسانية" للدكتور محمد معروف الدواليبي كثمرة ناضجة لاهتماماته التاريخية والحضارية التي ظهرت في مؤلفاته السابقة، ولا سيما كتابه "جزيرة العرب - مهد الحضارة الإنسانية". وهو يمثل محاولة جادة لإعادة كتابة تاريخ الحضارة الإنسانية من منظور عربي، وتفنيد الرواية الأوروبية التي جعلت من اليونان وروما نقطة البداية الوحيدة للحضارة. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1993م، والطبعة الثالثة عام 1994م (1414هـ) عن دار الشواف للنشر والتوزيع، وهو يجمع بين الدقة الأكاديمية والهم القومي الواضح، حيث يسعى الدواليبي إلى إثبات أن العرب ليسوا مجرد تابعين في تاريخ الحضارة، بل هم أصولها ومنابعها. ما يميز هذا الكتاب هو منهجيته التي تجمع بين: · الاعتماد على أحدث الاكتشافات الأثرية في عصره (السبعينيات والثمانينيات). · التوثيق من مصادر غربية وعربية معاً، لضمان المصداقية. · الربط بين اللغة والتاريخ والجغرافيا لإثبات وحدة الأصل الحضاري. · الهم القومي الواضح الذي يهدف إلى استعادة الثقة في التراث العربي. القسم الأول: التعريف بالكتاب ومحتوياته سياق الكتاب يأتي هذا الكتاب كرد علمي على الرواية الاستشراقية التي طمست دور العرب في تاريخ الحضارة. يستهل الدواليبي كتابه بالإشارة إلى أن البحوث العلمية الجديدة في السنوات الأخيرة، ومن خلال الآثار الحضارية القديمة، تقدمت تقدماً مذهلاً، وجزمت بحقيقتين علميتين جديدتين: أولاً: أن الحضارة الإنسانية الأم إنما نشأت في جزيرة العرب، وفي جنوبيها على وجه التحديد. ثانياً: أن هذه الحضارة اضطرت – تحت تأثير حدوث الجفاف في الجزيرة العربية – إلى الهجرة والانتشار على جوانب الرافدين في العراق وما حوله، وكذلك إلى وادي النيل في مصر. المحاور الرئيسية للكتاب أولاً: المهد الأصلي للعرب يعرض الدواليبي النظريات المختلفة حول المهد الأصلي للعرب: · نظرية "إفريقية" كوطن للعرب (بسبب الصلة بين اللغات العربية والحامية). · نظرية "أرمينية" حول جبال أرارات. · نظرية "اليمن" كأصل العرب (وهي التي يرجحها). ويستشهد بابن خلدون الذي حصر أجيال العرب في أربع طبقات: "العرب العابرة" (البائدة)، و"العرب المتعربة"، و"العرب المستعربة"، و"العرب الباقية". ويؤكد أن العرب الباقين هم من قحطان (اليمن) وعدنان (الحجاز). ثانياً: الموجات العربية القديمة يؤكد الدواليبي أن علماء الآثار استطاعوا أن يعدوا خمس موجات من الهجرات العربية القديمة قبل التاريخ، وأن آخرها وأقواها كانت موجة العرب المسلمين قبل أربعة عشر قرناً. وقد امتدت هذه الهجرات إلى أفريقيا الشمالية والبلقان وإيطاليا وأسبانيا. ويذكر أن ابن خلدون قد أشار إلى هذه الموجات بقوله: "كان لهذه الأمم ملوك ودول في جزيرة العرب، وامتد ملكهم فيها إلى الشام ومصر في شعوب منهم". ثالثاً: الدول العربية القديمة يستعرض الدواليبي الدول التي عرفها التاريخ في جنوب الجزيرة العربية: · الدولة المعينية: اختلف المؤرخون في تاريخ ظهورها (3000 ق.م. أو 1300-630 ق.م.)، ويرجح الدواليبي أنها أقدم من ذلك بكثير. · الدولة السبئية: وينسب العرب تأسيسها إلى عبد شمس بن يشجب (لقب سبأ). · الدولة القتبانية: وقد عاصرت الدولة المعينية. · الدولة الحضرمية: في حضرموت. ويشير إلى أن هذه الدول كانت تتمتع بنظم دستورية متطورة، وربما لم يكن في آثار القدم السحيقة ما يدانيها رقياً. رابعاً: شهادات المؤرخين الغربيين ينقل الدواليبي شهادات مهمة عن عظمة الحضارة العربية القديمة: · صموئيل لاينج: يقول إن الآثار اليمنية كشفت عن مملكة عربية عريقة في القدم والتمدن والتجارة، وأن لهم أحرفاً هجائية خاصة لا يقل قدمها عن الخطين الهيروغليفي والأشوري. · غوستاف لوبون: ينقل عن هيرودوت وصفه لليمن بأنها أغنى قطر في العالم، وعن التوراة وصفها لقصور مأرب بالعظمة والثراء. · هانري ماسيه: يصف بلاد البحرين وثروتها في شجر التمر والدر. خامساً: اكتشافات العرب لأمريكا يخصص الدواليبي مساحة لمناقشة وصول العرب إلى أمريكا قبل كولومبوس، مستشهداً بمقال للأب أنستاس الكرملي في مجلة المقتطف (1944) بعنوان "عرف العرب أميركة قبل أن يعرفها أبناء الغرب". ويذكر أدلة منها: · وجود رخامة مكتوبة باللغة القرطاجية في البرازيل تعود إلى عام 125 ق.م. · أسماء حيوانات في المكسيك تحمل أسماء عربية. · قدرة العرب على الملاحة وبناء السفن التي تمكنهم من عبور المحيط. سادساً: المشكلة الأساسية (معنى كلمة "عرب") يعترف الدواليبي بمشكلة اعترضت هذا الجزم: كيف يمكن للحضارة أن تنشأ في صحراء جافة؟ ويحل هذه الإشكالية من خلال: · التغير المناخي: يثبت أن جزيرة العرب كانت في العصور القديمة ذات جو معتدل وأمطار غزيرة وأشجار وزروع، ثم أخذ الجو يتغير نحو الجفاف منذ أكثر من أربعة عشر ألف سنة. · معنى كلمة "عرب": يثبت أن المعنى الأصلي للكلمة هو "الماء الكثير الصافي" وليس "الصحراء والجفاف". ويستشهد بمعاجم اللغة العربية: "عَرَبَة" النهر الشديد الجري، و"العربات" سفن رواكد، و"العرب" الماء الكثير الصافي. سابعاً: نقض الرواية العبرانية يكشف الدواليبي أن اليهود تعمدوا تحريف معنى كلمة "عرب" في معاجمهم لتعني "الصحراء والجفاف" من أجل طمس حقيقة أن الحضارة نشأت في جزيرة العرب. ويستشهد بنصوص التوراة نفسها التي تصف "أرض العربة" بأنها أرض جيدة ذات أمطار وعيون وأنهار، وأنها تفيض لبناً وعسلاً. ثامناً: الأدلة على أنهار العرب القديمة يستشهد الدواليبي بالمصادر اليونانية والرومانية القديمة التي تؤكد وجود أنهار طويلة في بلاد العرب: · هيرودوت: ذكر خبر نهر في بلاد العرب دعاه "كورس"، وقال إنه من الأنهار العظيمة، وكان يصب في البحر الأحمر. · بطليموس: ذكر نهراً عظيماً سماه "لارز" ينبع من منطقة نجران ويصب في الخليج العربي. تاسعاً: الحديث النبوي الشاهد يستشهد الدواليبي بالحديث النبوي: "لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً" (رواه مسلم والحاكم). وهذا الحديث يؤكد علمياً أن جزيرة العرب كانت في الماضي ذات أنهار ومروج، وسوف تعود كذلك في المستقبل. عاشراً: الهجرات العربية وتأثيراتها يستعرض الدواليبي الهجرات العربية نحو: · العراق: موجات آراميون، بابليون، أشوريون، كلدانيون، حمورابيون. · سورية: أموريون، كنعانيون، فينيقيون، أدوميون، أنباط، غساسنة. · مصر: الرعاة والهيكسوس، ويؤكد أن الأسر الفرعونية الأولى من أصل عربي. الحادي عشر: إنجازات العرب الحضارية يعدد الدواليبي الإنجازات الحضارية للعرب: · الأبجدية: الفينيقيون العرب هم الذين وهبوا العالم الأوروبي أبجديتهم، وهذا أعظم اختراع اخترعه البشر. · الأرقام: العرب هم من طور الأرقام الهندية وأضافوا الصفر، وجعلوها عشرة أرقام بسيطة، وأطلق عليها الغرب اسم "الأرقام العربية". الثاني عشر: الموجة العربية الإسلامية يصف الدواليبي الموجة العربية الإسلامية بأنها لم تكن موجة سعي وراء العيش، بل موجة رسالة وأداء أمانة. ويذكر مقوماتها الأساسية: · الدعوة إلى الحياة والخير. · الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. · الاحتكام إلى العلم والعقل. · جعلت العرب خير أمة أخرجت للناس. ويؤكد أن العروبة بعد الإسلام كانت أقدر على الصمود أمام عمليات الاستئصال والإبادة، وثبتت حدودها من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. الثالث عشر: العرب والسيد المسيح يفرد الدواليبي مساحة للحديث عن العلاقة بين العرب والمسيحية، ويذكر دولة "الأباجرة" العربية في الرها (أورفة حالياً) التي عاصرت السيد المسيح، وأن ملكها "أبجر الخامس" كتب إلى المسيح يدعوه للقدوم إليه. ويؤكد أن القرآن الكريم دافع عن المسيح وأمه العذراء، وجعل المسلمين يلتقون مع البيزنطيين المسيحيين ضد الفرس الوثنيين. القسم الثاني: منهجية الدواليبي في الكتاب أولاً: منهج الاعتماد على الاكتشافات الأثرية الحديثة يعتمد الدواليبي على أحدث ما توصلت إليه الأبحاث الأثرية في عصره، ويشير إلى أن هذه الاكتشافات هي التي جعلت العلماء يجزمون بأن الحضارة الإنسانية الأم نشأت في جزيرة العرب. هذا المنهج يمنح الكتاب مصداقية علمية عالية، لأنه لا يعتمد على النصوص القديمة فقط، بل على الأدلة المادية. ثانياً: منهج التوثيق بالمصادر الغربية كما في كتبه السابقة، يحرص الدواليبي على الاستشهاد بالمؤرخين الغربيين (هيرودوت، بطليموس، غوستاف لوبون، صموئيل لاينج، هانري ماسيه، وغيرهم). هذه الاستراتيجية تحقق أهدافاً متعددة: · تمنح الكتاب مصداقية لدى القارئ الغربي. · تظهر أن الحقائق التاريخية التي يقدمها معترف بها حتى من قبل غير العرب. · ترد على المستشرقين الذين حاولوا طمس دور العرب. ثالثاً: منهج التحقيق اللغوي يخصص الدواليبي مساحة كبيرة للتحقيق في معنى كلمة "عرب" في اللغة العربية واللغات السامية الأخرى. ويثبت أن المعنى الأصلي للكلمة هو "الماء الكثير الصافي"، وليس "الصحراء والجفاف" كما زعم اليهود في معاجمهم. هذا التحقيق اللغوي هو جوهر الكتاب، لأنه يحل الإشكالية الأساسية التي اعترضت نظرية نشأة الحضارة في جزيرة العرب. رابعاً: منهج الربط بين النص القرآني والحديثي والاكتشافات العلمية يستشهد الدواليبي بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية لدعم فرضيته. ويستدل بالحديث النبوي "لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً" كدليل على أن جزيرة العرب كانت في الماضي ذات أنهار ومروج. هذا الربط بين النص الديني والاكتشاف العلمي هو سمة بارزة في منهج الدواليبي. خامساً: المنهج التاريخي المقارن يقارن الدواليبي بين الحضارات القديمة (المصرية والبابلية والفينيقية) ليظهر أنها جميعاً ذات أصل عربي واحد، وأن التشابه بينها ليس نتيجة تأثر متبادل، بل نتيجة وحدة المهد الأصلي. وهذا المنهج يفند الرواية الاستشراقية التي جعلت من مصر والعراق مصدرين منفصلين للحضارة. القسم الثالث: أسئلة وملاحظات حول الكتاب (مع الردود) الملاحظة الأولى: الاعتماد على مصادر قديمة نسبياً الملاحظة: يعتمد الدواليبي بشكل كبير على مراجع تعود إلى منتصف القرن العشرين (غوستاف لوبون توفي 1931، وصموئيل لاينج توفي 1956). الاكتشافات الأثرية الحديثة (خاصة في العقود الأخيرة) قد تؤكد أو تنقض بعضاً من فرضياته. الرد: هذه الملاحظة صحيحة من حيث المبدأ، لكن يجب إنصاف الدواليبي. أولاً، كان يكتب في فترة لم تكن فيها الاكتشافات الأثرية الحديثة (مثل تقنيات الكربون المشع، والمسح الجوي) قد تطورت بعد. كان يعتمد على أفضل ما توفر في عصره. ثانياً، الفرضية الأساسية – وهي أن جزيرة العرب كانت مهد الحضارة الإنسانية – قد تلقت دعماً من اكتشافات لاحقة، مثل آثار في جنوب الجزيرة تعود إلى الألف الثامن قبل الميلاد، ودراسات جينية تظهر انتشار الهجرات من الجزيرة العربية. ثالثاً، ليس من الضروري أن تكون المصادر "حديثة" لتكون صحيحة؛ فغوستاف لوبون وصموئيل لاينج يُعتبران من كبار المؤرخين الذين اعتمدوا على منهجية علمية، وأقوالهم لا تزال معتبرة. خلاصة القول: كان الدواليبي محدوداً بما توفر في عصره، لكن فرضياته الأساسية لم تُبطل، بل حظيت بدعم من اكتشافات لاحقة. الملاحظة الثانية: الطابع القومي الغالب الملاحظة: الكتاب يحمل طابعاً قومياً واضحاً، بل وعاطفياً في بعض فقراته. فهذا ليس بحثاً تاريخياً محايداً. الرد: هذه الملاحظة صحيحة، لكن يجب فهم سياق الكتاب. الدواليبي لم يكتب بحثاً أكاديمياً محايداً؛ بل كتب في سياق "الهجمات الاستعمارية على العرب وعلى تراثهم" التي كانت ولا تزال متوالية. الكتاب يهدف إلى "استعادة الثقة في التراث العربي" بعد قرون من التبعية الفكرية للغرب. وهذا هدف مشروع. فإذا كان الغرب يكتب تاريخاً قومياً يمجّد أجداده، فلماذا لا يكتب العرب تاريخاً قومياً يمجّد أجدادهم؟ وأخيراً، الطابع القومي لا ينفي الصحة العلمية، فكثير من المؤرخين الغربيين كتبوا من منظور قومي، لكن كتاباتهم بقيت معتبرة. المهم أن تكون الحجج مدعومة بالأدلة، وهذا متحقق. الملاحظة الثالثة: إثبات وصول العرب إلى أمريكا الملاحظة: الأدلة التي يقدمها الدواليبي لوصول العرب إلى أمريكا قبل كولومبوس (رخامة في البرازيل، أسماء حيوانات في المكسيك) قد لا تكون مقنعة للجميع. الرد: هذه الملاحظة دقيقة. الأدلة التي يقدمها الدواليبي في هذا الشأن هي الأضعف في الكتاب. قصة الرخامة المكتشفة في البرازيل تعود إلى مقال واحد ولم يتم التأكد من صحتها أو تأريخها بشكل قاطع. والاستدلال بأسماء الحيوانات قد يكون مثيراً للاهتمام، لكنه لا يرقى إلى مستوى الإثبات العلمي. هناك إجماع علمي واسع على أن كولومبوس هو أول من وصل إلى أمريكا من العالم القديم (قبل الفايكنج)، وأي ادعاء بخلاف ذلك يحتاج إلى أدلة قاطعة لم تتوفر بعد. كانت هذه الفقرة الأكثر إشكالاً في الكتاب، وكان الأفضل للدواليبي أن يقتصر على الأدلة الأقوى (الهجرات إلى اليونان وإيطاليا وأفريقيا) بدلاً من التوسع في هذا الموضوع. لكن هذا لا يبطل باقي الكتاب. الملاحظة الرابعة: تجاهل بعض الآراء المخالفة الملاحظة: لم يخصص الدواليبي مساحة كافية للرد على الآراء المخالفة، مثل نظرية أن الحضارة السومرية هي الأصل. الرد: هذه الملاحظة صحيحة جزئياً. الدواليبي كان يكتب في فترة كانت فيها نظرية "العراق مهد الحضارة" هي السائدة، وكان من الصعب عليه في كتيب صغير الحجم أن يناقش جميع الآراء المخالفة بالتفصيل. لكن من الإنصاف القول إنه رد بشكل غير مباشر على هذه النظريات من خلال إثبات أن الهجرات العربية هي التي أسست الحضارات في العراق ومصر (وليس العكس)، والاستشهاد بقول المؤرخين الغربيين أنفسهم بأن أول هجرة سامية (عربية) اتجهت إلى ما بين النهرين. والأهم من ذلك، أن فرضيته لم تبق دون دعم؛ فهناك باحثون معاصرون كجواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" وطه باقر في "مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة" قدموا أدلة إضافية تدعم أطروحته. لم يكن الدواليبي في معرض كتابة موسوعة شاملة، بل في معرض تقديم أطروحة مركزية بأدلتها الأساسية. وبهذا المعنى، فإن عدم التوسع في الرد على كل مخالف لا يضعف من قوة الأطروحة. الملاحظة الخامسة: غياب التوثيق الكامل الملاحظة: في بعض الفقرات، يشير الدواليبي إلى "بعض علماء الآثار" أو "بعض الباحثين" دون ذكر أسمائهم أو مراجعهم. الرد: هذه الملاحظة دقيقة، وهي من نقاط الضعف في الكتاب. هذا الأسلوب كان شائعاً في الكتابات العربية في تلك الفترة، حيث لم تكن الدقة الأكاديمية بالصرامة المطلوبة اليوم. يمكن أيضاً أن يعزى هذا إلى أن الكتاب في الأصل هو مجموعة "دراسات" أو "محاضرات" وليس بحثاً أكاديمياً متكاملاً؛ ففي المحاضرات الشفوية، لا يلتزم المحاضر بالتوثيق الكامل. مع ذلك، يمكن اعتبار هذا قصوراً منهجياً، فالقارئ المتخصص قد يشعر بالإحباط عندما يقرأ "قال بعض العلماء" دون أن يذكر من هم. كانت الدقة في التوثيق ستجعل الكتاب أكثر قبولاً في الأوساط الأكاديمية. الملاحظة السادسة: صعوبة الفصل بين "العرب" و"الساميين" الملاحظة: يستخدم الدواليبي كلمة "عرب" للإشارة إلى جميع الشعوب السامية القديمة، وهذا محل خلاف علمي. الرد: هذه الملاحظة جوهرية. الدواليبي يتبنى تعريفاً موسعاً لكلمة "عرب"، يشمل جميع الشعوب التي تتحدث لغات سامية (عربية، آرامية، كنعانية، فينيقية، أكدية). وهذا التعريف له مؤيدوه، الذين يرون أن كل هذه اللغات هي فروع من لغة عربية قديمة. المعنى الأصلي لكلمة "عرب" في اللغة العربية هو "الماء الكثير الصافي"، وهذا المعنى لا يشير إلى عرق معين، بل إلى منطقة جغرافية (جنوب الجزيرة). ومع مرور الزمن، أصبح الاسم يطلق على جميع سكان الجزيرة العربية، ثم على جميع القبائل التي هاجرت منها. لكن هناك آراء معاصرة تفرق بين "العرب" (سكان الجزيرة الأصلاء) و"الساميين" (مجموعة أوسع). ومع ذلك، حتى هؤلاء الباحثين يعترفون بأن الجزيرة العربية هي المهد الأصلي للغات السامية، وأن الهجرات منها هي التي أسست الحضارات المجاورة. وهذا هو جوهر أطروحة الدواليبي. الخلاف حول التسمية هو خلاف لفظي إلى حد كبير؛ الجوهر هو أن الجزيرة العربية كانت المهد الأصلي، وهذا ما أثبته الدواليبي. القسم الرابع: القيمة العلمية والرسالة القومية للكتاب أولاً: إثبات أسبقية العرب في الحضارة الإنسانية يقدم الكتاب أدلة ملموسة على أن العرب سبقوا غيرهم في تأسيس الحضارة الإنسانية، وأن الهجرات العربية القديمة هي التي أسست الحضارات في مصر والعراق وبلاد الشام. وهذا الإثبات ليس مجرد فخر قومي، بل هو تصحيح للرواية التاريخية التي طمست دور العرب عمداً. ثانياً: تفنيد الرواية الاستشراقية يكشف الكتاب عن المؤامرة التي تعمدت طمس تاريخ العرب الحضاري، سواء من خلال تحريف معنى كلمة "عرب" في المعاجم العبرانية، أو من خلال جعل اليونان نقطة البداية الوحيدة للحضارة. ويساهم في تفكيك هذه الرواية بالأدلة العلمية. ثالثاً: تقديم رؤية متكاملة لأصل العرب يقدم الكتاب رؤية متكاملة تجمع بين: · الأدلة الأثرية (الاكتشافات الحديثة). · الأدلة اللغوية (تحقيق معنى كلمة "عرب"). · الأدلة الجغرافية (التغيرات المناخية والأنهار القديمة). · الأدلة النصية (القرآن والحديث والتوراة). هذه الرؤية المتكاملة تجعل من الصعب على أي باحث جاد أن يتجاهلها. رابعاً: استعادة الثقة في التراث العربي الكتاب موجه في جزء كبير منه إلى القارئ العربي، لاستعادة ثقته في تراثه وتاريخه، بعد قرون من التبعية الفكرية للغرب. ويؤكد الدواليبي أن الشعور بالاعتزاز بالعروبة هو الأساس لأي نهضة قادمة. خاتمة: قيمة الكتاب في مشروع الدواليبي الفكري يمثل كتاب "دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضاراتهم الإنسانية" تتويجاً لاهتمامات الدواليبي التاريخية والحضارية. فهو يقدم رؤية متكاملة لإثبات أن جزيرة العرب هي مهد الحضارة الإنسانية، وأن العرب هم أصول الحضارات القديمة في مصر والعراق وبلاد الشام. الكتاب يجمع بين: · الاعتماد على الاكتشافات الأثرية الحديثة (في عصره). · التحقيق اللغوي الدقيق (في معنى كلمة "عرب"). · التوثيق بالمصادر الغربية والعربية. · الربط بين النصوص الدينية والاكتشافات العلمية. · الهم القومي الواضح لاستعادة الثقة في التراث العربي. ورغم ما يمكن توجيهه من ملاحظات – خاصة حول الأدلة المتعلقة بوصول العرب إلى أمريكا، وضعف التوثيق في بعض الفقرات – فإن هذه الملاحظات لا تنقص من القيمة الإجمالية للكتاب. فجوهر الأطروحة – أن جزيرة العرب هي مهد الحضارة الإنسانية – لا يزال قوياً ومدعوماً بالأدلة. والملاحظات المذكورة هي عبارة عن "هوامش نقدية" يمكن تحسينها في طبعات لاحقة، لكنها لا تهدم البناء الفكري المتكامل الذي شيده الدواليبي. ولهذا، يبقى هذا الكتاب مرجعاً مهماً لكل باحث في تاريخ العرب وحضاراتهم القديمة، ومصدر إلهام لمن يريد استعادة الثقة في التراث العربي والإسلامي. كلمة شكر وتقدير لا يفوتني في ختام هذه القراءة التحليلية أن أتقدم بخالص الشكر والعرفان إلى الأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، الذي تفضل مشكوراً بتزويدي بنسخة من هذا الكتاب النفيس وغيره من المؤلفات والوثائق، مما أتاح لي فرصة الغوص في فكر والده من مصادره الأصلية. كما أشكره على تصحيح المعلومات المتعلقة بتاريخ الطبعة الأولى (1993م) والعنوان الدقيق للطبعة الثالثة. فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والده، وأن ينفع به الأمة الإسلامية. الأستاذ الدكتور محمدسعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University https://gtuedu.org/post/283