قراءة في مذكرات الدكتور محمد معروف الدواليبي وثيقة استثنائية من قلب صنع القرار العربي ومذكرة دفاع أمام محكمة الانقلاب. الأستاذ الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي تنبيه للقارئ الكريم هذه قراءة تحليلية موجزة في مذكرات الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله والوثائق المرافقة لها (مذكرة الدفاع أمام محكمة الأمن القومي، ملف "استقلال سوريا"، وملف "المحطات الفكرية والسياسية"). وهي تهدف إلى تقديم أبرز المحاور والمواقف والشهادات الواردة في هذه المواد، ولا تغني بحال من الأحوال عن قراءة الملفات الأصلية التي تفضل الأستاذ نوفل الدواليبي (نجل المؤلف) بإتاحتها. فالوثائق الأصلية تزخر بتفاصيل حية وأحداث كاملة وصياغات مباشرة لا يمكن اختصارها بالكامل في أي قراءة ثانوية، وهي متاحة للباحثين والراغبين في التعمق. أيضا : صدرت هذه المذكرات بعد وفاة الدكتور الدواليبي، استناداً إلى مقابلات أجراها معه الدكتور عبد القدوس أبو صالح، الذي أصر على إجراء هذه المقابلات رغم تقدم عمر المؤلف. ولم يتمكن الدواليبي من مراجعة النص النهائي، كما لم تتوفر له الفرصة لإضافة الوثائق والصور التي تجعل من هذا الكتاب "مذكرات" كاملة بالمعنى المتعارف عليه. وقد أشار نجل المؤلف الأستاذ نوفل الدواليبي إلى أن هذه المادة هي "شهادة موجزة" وليست السيرة الكاملة، وأن عنوانها الأكثر دقة كان يجب أن يشير إلى أنها "مقابلات حول بعض نشاطاته السياسية". ومع ذلك، تظل هذه المادة وثيقة استثنائية ونافذة ثمينة على حياة وفكر أحد أبرز رجال الدولة في سوريا والعالم العربي. تمهيد صدرت مذكرات الدكتور محمد معروف الدواليبي – بعد رحيله – عن مكتبة العبيكان عام ١٤٢٦هـ / ٢٠٠٥م، بإعداد الدكتور عبد القدوس أبو صالح وتحرير الدكتور محمد علي الهاشمي، استناداً إلى مقابلات وسرديات شفهية دوّنها المؤلف في سنوات عمره الأخيرة. ولم يتح للدواليبي أن يراجع النص النهائي بنفسه، كونه وافته المنية قبل اكتمال التحرير. هذه الحقيقة تجعل المذكرات أقرب إلى شهادة حية صادقة منها إلى سيرة منقحة بعناية، محتفظة بعفويتها وصدقها وحرارتها. ما بين أيدينا اليوم – بعد أن تفضل الأستاذ نوفل الدواليبي (نجل المؤلف) بإتاحة المذكرات، بالإضافة إلى صور وملاحق تكميلية غطت فصولاً كاملة من المذكرات، وملفين إضافيين هامين: "المحطات الفكرية والسياسية" و"استقلال سوريا" – نستطيع القول إن هذه الوثيقة تشكل واحدة من أهم المصادر الشخصية لفهم تاريخ سوريا والشرق الأوسط من منتصف ثلاثينيات القرن العشرين حتى أوائل التسعينيات. وهي تتفرد بتغطيتها لثلاث مراحل كبرى من حياة الدواليبي: النضال المبكر في سوريا ضد الاحتلال الفرنسي، والنضال الطلابي في باريس، وقصة إقناع ديغول باستقلال سوريا ولبنان، وتفاصيل تهريب الحاج أمين الحسيني البطولية، وكشف دور فوزي القاوقجي كجاسوس، وصراع الانقلابات في سوريا، وقصة السلاح السوفيتي، وإنجاز الصواريخ السورية الرائد عالمياً، ومعركة الجولان، والمحاكمة بعد انقلاب ١٩٦٣ ومذكرته الدفاعية الفريدة، ثم المرحلة السعودية بكل تفاصيلها النادرة عن علاقته بالملوك الثلاثة (فيصل، خالد، فهد)، وتحليلاته الثاقبة للهجمة العالمية على الإسلام وأزمة الخليج ودور إسرائيل. في هذه القراءة، سنحلل أبرز محطات السيرة كما وردت في المذكرات والملفات الملحقة. القسم الأول: التكوين والنضال المبكر في سوريا (حلب – ثلاثينيات القرن العشرين) قبل سفره إلى فرنسا، كان الدواليبي قد انخرط في العمل الوطني ضد الاحتلال الفرنسي في حلب. المذكرات تقدم تفاصيل نادرة عن هذه المرحلة التأسيسية. مقاومة مشروع التقسيم والإضراب الكبير عندما أعلنت فرنسا مشروع تقسيم سورية إلى دويلات متعددة (١٩٢٥)، كانت حلب على موعد مع انفجار شعبي عارم. يصف الدواليبي كيف أن الإعلان عن المشروع ما إن وصل إلى الأسماع حتى تفجرت المظاهرات، وبخاصة في حلب، حيث اشترك كبار العلماء والطلاب، وكان كثير من المتظاهرين يحملون السلاح. قوبلت المظاهرة بالدبابات والرصاص، لكن الزعيم إبراهيم هنانو تمكن من الإفلات إلى منطقة الثورة في جبل الزاوية، وبدأت الصحف تعلن عن تجمعات الثوار يومياً، مما أرغم الفرنسيين على التراجع عن مشروع التقسيم. وفي تأبين إبراهيم هنانو (١٩٣٥)، الذي حضره زعماء من بغداد ومصر والأردن وفلسطين، ألقى الزعيم الفلسطيني إسعاف النشاشيبي كلمة شديدة اللهجة ضد فرنسا، مما دفع السلطات الفرنسية إلى حل الكتلة الوطنية وإغلاق مقراتها. ردت الكتلة بدعوة الشعب إلى الإضراب، فهدد المفوض السامي باعتقال رجالها إذا لم ينهوا الإضراب خلال ثلاثة أيام. اجتمعت قيادة الكتلة برئاسة هاشم الأتاسي وقررت إنهاء الإضراب في صباح اليوم الرابع. هنا يبرز الدور القيادي للدواليبي الشاب. أرسل إليه هاشم الأتاسي رسولاً يطلب إنهاء الإضراب، وكذلك اتصل به سعدالله الجابري. لكن الدواليبي أصر على موقفه: «إننا نحن الشباب لن نسمح بفتح المتاجر». المشهد لا يخلو من دراما سياسية فريدة: خرج سعدالله الجابري ومعه الدواليبي والشباب إلى الأسواق، والناس وقوف أمام أبواب دكاكينهم المضربة. كان سعدالله الجابري يمشي أمامهم يقول: «يا إخوان افتحوا دكاكينكم»، بينما كان الدواليبي ومن خلفه يشيرون إلى الناس بـ "لا تفتحوا". طاف الجابري الأسواق العتيقة في حلب (سوق الصابون، سوق العطاريين، سوق الحبال، سوق العرب) فلم يستجب له أحد. تنظيم المقاومة المسلحة و"القمصان الحديدية" بعد اعتقال قادة الكتلة الوطنية، وجد الدواليبي نفسه في مقدمة الشباب القائدين للمقاومة. المذكرات تسجل تفاصيل غير مسبوقة عن التنظيم السري الذي قاده. · خلية الخمسة عشر: نظم فئة من ١٥ شخصاً (معظمهم من الطلبة) كانوا يلتقون كل ليلة بعد منتصف الليل، ويخططون لحدث جديد كل يوم، وتُبلغ التعليمات إلى الأحياء سراً. · مقاطعة الشركات الفرنسية: أول قرار كان مقاطعة شركة الكهرباء الفرنسية. استجاب الناس، وعادوا إلى وسائل الإضاءة البدائية (الكاز والنفط). تهافتت الآلاف لرفض الاشتراك بالكهرباء، مما شكل صدمة للفرنسيين. · تحطيم عربات الترام: في اليوم السادس، صدر قرار بمقاطعة عربات الترام وتحطيمها، وأخذ الناس يرشقونها بالحجارة ويمشون مسافات طويلة دون ركوبها. · خطب الجمعة النارية: كان الدواليبي يلقي كل يوم جمعة خطبة في الجامع الأموي الكبير بحلب. ولما ضغط الفرنسيون على المفتي لمنعه من الصعود، تحدى القرار ونصب مكبر الصوت بنفسه. حاول المفتي نقله إلى مسجد صغير، لكن الدواليبي والجماهير تخطوا الأمر. وفي إحدى المرات، حاصرت الدبابات المسجد، وألقي القبض عليه بعد الخطبة مباشرة، لكن الجماهير احتشدت حول المخفر، فأطلق سراحه. · من المقاطعة إلى المقاومة المسلحة: بعد فترة، انتقلوا إلى مرحلة جديدة: تهيئة مسلحين، واستدعوا محكومين بالإعدام فارين إلى تركيا، وجهزوهم بالأسلحة. كانوا يهاجمون مخفراً في غرب حلب، وعندما تسرع القوات الفرنسية إليه، يهاجمون مخفراً آخر في شرق المدينة. كما خططوا لاقتحام السجن المركزي في "خان استنبول" حيث أوقف كبار المناضلين، وإن لم يحتاجوا لتنفيذ الخطة بسبب سقوط الحكومة الراديكالية. · تأسيس "القمصان الحديدية" و"العباء الحمر": انتقلوا من تنظيم الخمسة عشر شخصاً إلى تنظيمات عسكرية أوسع، جعلوا في كل حي داراً للتدريب العسكري. أطلقوا على أنفسهم اسم "الحرس الحديدي" أو "القمصان الحديدية". كانت هناك فرقة ترتدي الألبسة الحمراء، وبلغ عدد أفراد هذه الفرق في حلب وحدها عشرين ألفاً. كانت فئة من الدراجات تنقل أوجه الأحياء إلى أماكن التدريب، وتتناوب الفرق كل اثنتي عشرة ساعة. وفي كل يوم جمعة، كانوا يلتقون خارج البلد لتنظيم المظاهرات التي بدأت بمئة متظاهر ثم بلغت الآلاف. تقرير الجنرال هازنجر ودوره في إنجاز الاستقلال أثار هذا التنظيم العسكري الشعبي قلق السلطات الفرنسية. رفع الجنرال هازنجر، القائد العسكري العام في سورية ولبنان، تقريراً إلى حكومة فرنسا يفيد بأن "معروف الدواليبي أنشأ جيشاً لا يقل عدده عن عشرين ألف مقاتل في مدينة واحدة فقط، بأعلى وأدق تنظيم عسكري خلال بضعة أشهر". هذا التقرير، الذي كان المقصود منه إدانة الدواليبي، تحول إلى سلاح ضاغط لصالح سورية. عندما احتج المسؤولون الفرنسيون على التنظيمات أمام سعدالله الجابري، رد عليهم قائلاً: «أنتم تقولون إن إنشاء جيش وطني يحتاج إلى عشر إلى خمس عشرة سنة، وتقريركم هذا يعترف بأن شخصاً غير عسكري أنشأ جيشاً من عشرين ألفاً في أشهر. إذاً، لابد من الجلاء فوراً وإعلان الاستقلال». وقد ساعد هذا التقرير في حذف فقرة بقاء الجيش الفرنسي من المعاهدة. القسم الثاني: مرحلة الابتعاث إلى باريس والنضال الطلابي (١٩٣٩–١٩٤٦) السفر إلى باريس وتحضير الدكتوراه في ستة أشهر فقط سافر الدواليبي إلى باريس في مطلع عام ١٩٣٩، قبل إعلان الحرب العالمية الثانية بستة أشهر. أول عمل قام به هناك كان تأليف جمعية الطلاب العرب (لكل قطر عربي جمعيته الخاصة)، وسجلها رسمياً، وانتخب رئيساً لها. قصة البرقية الشهيرة (١٤ تموز ١٩٣٩) قبل شهر من إعلان الحرب، دُعي ممثلو الجمعية لحضور مهرجانات العيد الوطني الفرنسي. كتب الدواليبي برقية إلى رئيس الوزراء الفرنسي يشرح فيها تناقض فرنسا: تحتفل بالحرية وفي نفس الوقت تعطل دستور الحرية في سورية. نصحه بعض الطلاب بعدم إرسالها لخطورتها، فقال: «ترجمونها لي بتوقيعي فقط». أثارت البرقية ضجة، وأوقفت مخصصاته، وأحيل إلى التحقيق بتهمة "التعاون مع النازية". لكن التحقيق – الذي استمر عدة أشهر – خلص إلى عدم وجود أي دليل، وأنه معاد للانتداب فقط. بعد سقوط فرنسا بيد الألمان، تضاعف جهد الدواليبي لتعويض الوقت الضائع. استطاع تحضير دبلوماته والدكتوراه في الحقوق في ستة أشهر فقط، بينما كان إخوانه يقضون أربع سنوات. كما حضر دبلوماً في الحقوق الكنسية مما أتاح له فهماً عميقاً للنظم القانونية الغربية. كشف المؤامرة اليهودية لتعطيل معاهدة ١٩٣٦ – وثائق سرية مدمرة هذه من أهم الإسهامات التاريخية للمذكرات. بعد احتلال الألمان لفرنسا، استدعى السفير الألماني "آيس" الدواليبي وسلمه الملف السري للمعاهدة السورية الفرنسية، الذي كان الألمان قد وضعوا أيديهم عليه. يكشف الملف تفاصيل صادمة عن دور اليهود في تعطيل استقلال سورية. بعد توقيع المعاهدة (١٩٣٦)، جاء وايزمن (رئيس الوكالة اليهودية) إلى باريس على وجه السرعة وقابل رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم (وهو يهودي أيضاً). قال وايزمن لليون بلوم: «إذا صدقت هذه المعاهدة، فلن يمكنكم بعد ذلك إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين. لذلك يجب أن تعطلوا استقلال سورية». وضع ليون بلوم في مأزق كبير: فهو الذي دعا زعماء سورية من السجون وعقد معهم المعاهدة. ورد في الملف أنه قال لوايزمن: «كيف أعطل استقلال سورية وأنا الذي دعوت زعماءها لعقد المعاهدة؟» اقترح وايزمن خطة: سأذهب إلى تركيا وأطلب منها المطالبة بلواء اسكندرون، فتضطر فرنسا للتوقف عن تصديق المعاهدة بحجة وجود خلاف مع دولة مجاورة. وبالفعل، أرسلت تركيا برقية إلى فرنسا تسأل عن ضمانات حماية الأقلية التركية في اسكندرون. كان على ليون بلوم أن يجيب بأنه تم تضمين المعاهدة مادة بهذا الشأن، لكنه بدلاً من ذلك اقترح "جعل انتداب ثلاثي (تركي-فرنسي-سوري) على لواء اسكندرون، وسحبه من سورية مؤقتاً". أرسل هذا الاقتراح إلى تركيا دون إبلاغ سورية. وعندما علم السوريون قامت مظاهرات صاخبة، مما أعطى ليون بلوم ذريعة لتجميد المعاهدة. يكتب الدواليبي: «لقد كشفت الإضبارة السرية أسراراً خطيرة عن تآمر اليهود وأثرهم في تراجع فرنسا عن تصديق المعاهدة». إحباط محاضرة "سورية أرض فرنسية" ومحاولة إعدامه في عهد حكومة فيشي، أعلنت جامعة باريس عن محاضرة بعنوان "سورية أرض فرنسية"، بهدف إفهام الألمان أن الرأي العام الفرنسي لا يزال معارضاً لتوجهاتهم تجاه العالم العربي. قاد الدواليبي الطلاب العرب لاقتحام القاعة قبل موعد المحاضرة، فحطموا الشبابيك والكراسي واحتلوا القاعة، ونشبت معركة داخل الجامعة. اعتقل عدد كبير من الطلاب، لكن الدواليبي تمكن من الهرب. هذه الحادثة جعلت السلطات تطارده. في مرحلة لاحقة، طوق رجال "المليس" (القوات المساعدة) الفرنسيون القرية التي كان يختبئ فيها، وجمعوا الرجال وأعدموهم واحداً تلو الآخر. وصل الدور إلى الدواليبي؛ قدم أوراقه وكان معه توصية من الجيش الألماني (لجهوده في التوفيق بين الحاج أمين ورشيد عالي). اتهمه الضابط الألماني بتزوير الأوراق وبالمشاركة في مقاومة الألمان. هنا كان اللعب الحقيقي. زوجته الفرنسية (أم محمد)، التي أسلمت قبله، أدركت الخطر. انطلقت في ظل القصف وتعطل القطارات بالدراجة الهوائية حتى وصلت إلى السفارة الألمانية، وأبلغتهم بأن زوجها يحمل وثائق رسمية. جاء الأمر بالإفراج عنه فوراً. كان الوحيد الذي نجا من تلك المذبحة. يعلق الدواليبي: «هناك وجدت أن التأمر عليّ لم يعد يطاق، وإذا ما نجوت هذه المرة، ما ينبغي أن أعرض نفسي مرة أخرى للخطر، وعليّ أن أرحل». رحل إلى ألمانيا ثم عاد بعد انتهاء الحرب. القسم الثالث: استقلال سوريا ولبنان والدور المحوري في إقناع ديغول بعد عودته إلى باريس من ألمانيا، وفي ظروف انقطعت فيها الاتصالات بسورية بعد قصف دمشق (١٩٤٥)، تمكن الدواليبي من الوصول إلى وزير الخارجية الفرنسي جورج بيدو بتوسط من معارف مقربين من الجنرال ديغول. بداية اللقاء افتتح الدواليبي حديثه مع بيدو بعبارة قوية ومؤثرة: «أنا جندي كافح احتلال فرنسا لبلاده ٢٥ سنة، وأنت جندي كافح الاحتلال الألماني ٦ سنوات. فإذا أردت أن نصل إلى درجة واحدة في المشاعر الوطنية ضد المحتل، فادع الله أن يعيد هتلر ويحتلكم ٢٥ سنة أخرى». ضحك بيدو وقال: يكفينا خمس سنوات. الاقتراح الجريء طلب الدواليبي من بيدو أن تعلن فرنسا الجلاء من جانب واحد (بدون وساطة بريطانية)، وأن تقدم معدات الجيش الفرنسي هدية للجيش السوري، وبذلك تحظى فرنسا وحدها بشرف المبادرة. كما أصر على أن يشمل الجلاء لبنان أيضاً، لأنه كان يخشى أن يبقى الجيش الفرنسي في لبنان ثم يعود إلى سوريا. نتيجة المفاوضات وافق ديغول على الفكرة، وأرسل الكونت هوتكلوك لإبلاغ سوريا ولبنان بالجلاء. وهكذا، كما يروي الدواليبي، «فاجأ ديغول سوريا ولبنان بهذا الخبر السار الذي لم يكن منتظراً». تم إعلان استقلال سوريا ولبنان عام ١٩٤٥، والجلاء الفعلي عام ١٩٤٦. القسم الرابع: زواج في الغربة – قصة اللقاء بزوجته الفرنسية سكن الدواليبي في باريس عند عائلة فرنسية مسنة. لاحظوا سلوكه الفريد: لم يرَوا عنده فتاة قط، ولا يختلي بالنساء، ولا يشرب الخمر، ويصلي. عرضوا عليه الزواج من ابنتهم. حاول إثناءها بقوله: «بلدي مليء بالحمير والبغال والجمال والقفر»، فردت: «أما الإسلام فقد فهمته، ولست عقبة. أنا محافظة وأنت محافظ، وهذا يكفيني». تزوجا عام ١٩٤٠، وأسلمت الفتاة. كانت له عوناً كبيراً في تهريب الحاج أمين الحسيني، وأنقذته من الإعدام على يد "المليس" كما مرّ معنا. القسم الخامس: كشف دور فوزي القاوقجي كجاسوس يؤكد الدواليبي أن فوزي القاوقجي كان جاسوساً لإنكلترا طوال الحرب العالمية الثانية، مستنداً إلى وقائع وشهادات حية. طلب القاوقجي من جمعية الطلاب العرب كتاباً يؤيد رشيد عالي الكيلاني، فزوّره وجعل الجمعية تعلن تأييدها دون علمها. كان يتجسس لصالح إنكلترا في ألمانيا، وينقل أسرار الأسلحة الألمانية (بما فيها المعامل الذرية) إلى الإنكليز، مما أدى إلى قصفها. أطلع الإنكليز على تفاصيل إرسال أسلحة إلى الثورة الفلسطينية عام ١٩٣٦، مما أدى إلى إحباطها. اعترف بذلك غروبا (وزير الشؤون العربية في الخارجية الألمانية) للدواليبي شخصياً. في ثورة رشيد عالي، تطوع لمواجهة كلوب باشا لكنه كان ينسق معه. كان يتقاضى نفقة من الجيش الألماني ومن وزارة الخارجية الألمانية دون علم كل منهما بالآخر، بالإضافة إلى ما كان يأخذه من الإنكليز. شهادة الدواليبي القاطعة: بعد أن تأكد من خيانته، مزّق صورته التي كانت معلقة في بيته. القسم السادس: تهريب الحاج أمين الحسيني – عملية استخبارية خيالية خصصت المذكرات صفحات طويلة لتفاصيل تهريب مفتي فلسطين. كانت الخلفية أن إنكلترا كانت ترفض استلامه خوفاً من تأجيج الثورات. استمرت التحضيرات على مراحل مستقلة (صورة حليقة، جواز سفر مزور، تأشيرة معدلة، التخلص من الحراس الداخليين). في ليلة التهريب، ارتدى المفتي بذلة بنية وقبعة أوروبية وأصبح لا يُعرف. رشى الدواليبي موظف الخطوط الأمريكية بمليون فرنك، وأركبه طائرة عسكرية إلى القاهرة. اتهمت الصحافة ديغول نفسه بالضلوع، وتعرض لحملة شرسة. ألقي القبض على الدواليبي إقامة جبرية في البيت، لكن لم تثبت عليه تهمة. ازدادت مكانته لدى ديغول. القسم السابع: العودة إلى سوريا ومواجهة الانقلابات (١٩٤٦–١٩٦٣) بعد عودته انتخب نائباً عن حلب، وتقلد مناصب وزارية ورئاسية. الصراع مع الكتلة الوطنية وتأسيس حزب الشعب اصطدم "الجيل القديم" (سعدالله الجابري، جميل مردم، هاشم الأتاسي) بـ"الشباب" (رشدي الكيخيا، ناظم القدسي، الدواليبي) الذي طالب بالتجديد والانتقال من العمل السلبي إلى بناء الدولة. انشق الشباب وأسسوا حزب الشعب عام ١٩٤٧. الانقلابات المتعاقبة (١٩٤٩–١٩٥٤) · حسني الزعيم (١٩٤٩): مخطط أمريكي – إسرائيلي لضرب سورية بعد حرب ١٩٤٨. كشفه مايلز كوبلاند (مؤسس CIA). · سامي الحناوي (١٩٤٩): سعى لضم سورية للعراق، فأحبطه الدواليبي بإقرار مادة "سوريا جمهورية" في الدستور. · أديب الشيشكلي (١٩٥١): مخطط فرنسي لإسكات الأصوات المناهضة لفرنسا. دخل الدواليبي السجن مرتين وأضرب عن الطعام حتى سقوطه عام ١٩٥٤. قصة الأسلحة السوفيتية (١٩٥٠) في مجلس الجامعة العربية، هدد السفير الأمريكي: "إما صهيونية وإما شيوعية". رد الدواليبي: «أنا أختار الشيوعية؛ لأنها تريد أرضاً وسكاناً، والصهيونية تريد أرضاً بلا سكان». شرح للسفير السوفيتي تهديدات أمريكا، وأرسل نسخة اتفاقية الصلح إلى ستالين، فغضب وأمر بتزويد سوريا بالسلاح، وفتح باب التسليح من الشرق. إنجاز الصواريخ السورية الرائد عالمياً (١٩٥١-١٩٥٤) هذا من أعظم ما تكشفه المذكرات. بعد الحرب العالمية الثانية، وبوساطة الحاج أمين، هرب الدواليبي ١٧ خبيراً ألمانياً كانوا يصنعون صواريخ في برلين. أنتجوا ٢٥ صاروخاً من نوع أرض – جو (موجه)، وكانت أمريكا والاتحاد السوفيتي لا يملكان هذه التكنولوجيا. أجريت تجارب ناجحة. لكن رئيس الأركان شوكت شقير خانه وحاول بيع الأسرار لشركة سويسرية. عندما واجهه الدواليبي اعترف، وفي الليلة نفسها حدث انقلاب عليه. ظلت الصواريخ حتى عهد الوحدة مع مصر. أعلن عبدالناصر نصراً بأسماء "الناصر والناظر والقاهر"، فرد عليه الدواليبي: «هذه الصواريخ جلبتها أنت من سورية». رئاسة الوزارة الثانية (١٩٦١-١٩٦٢) – التفاهم مع القوتين العظميين بعد الانفصال عن مصر، ورث الدواليبي خزينة فارغة وجيشاً أعزل. استدعى السفير السوفيتي فعرض عليه نقاط ضعفه بصراحة، فاستجاب خروشوف بالسلاح مجاناً. ثم تحدى السفير الأمريكي، فأرسل كينيدي سفيراً جديداً ووافق الكونغرس على مئة مليون دولار. حقق إنجازاً دبلوماسياً فريداً: سلاح من الشرق ومال من الغرب. عندما هاجمت إسرائيل، دُمرت ٤٠٠ دبابة إسرائيلية، وضغط على كينيدي لإصدار إنذار رسمي لإسرائيل. لكن مؤامرة داخلية (بالتفاهم مع عبدالناصر) أطاحت به وأدخلته السجن. القسم الثامن: المحاكمة بعد انقلاب ١٩٦٣ – مذكرة دفاع قبل الإعدام في ٨ آذار ١٩٦٣، انقلب حزب البعث. التهم التي وجهت للدواليبي: "تكريس الانفصال"، "إضعاف الشعور القومي"، "إفشاء الأسرار العسكرية"، "الانحراف الجنسي"، "إساءة استعمال السلطة"، "تبديد أموال الدولة". دوّن الدواليبي مذكرة دفاع موسعة: · قلب التهمة على النظام الجديد: سأل بأدب قانوني: من أين لكم بأني "عدو للشعب"؟ هل هناك إدانة قضائية سابقة؟ ثم كشف أن هذه التهمة من مخلفات حملة تشويه قديمة بدأها "الأجنبي المستعمر". قال: «ونحن أنفسنا الذين نتهم اليوم بتكريس الانفصال ونوصف بأعداء الشعب!» · سيرته تشهد له: ذكر تضحياته الوطنية، ودخوله السجون، ونجاحه في الانتخابات بـ٣٣ ألف صوت من أصل ٤٠ ألفاً عن جدارة. وختم: «فبأي حق تصفونني بعدو الشعب؟» النتيجة: لم يجرؤ البعث على محاكمته علناً، لكنه أبقاه في السجن حتى عام ١٩٦٤. أفرج عنه بشرط ألا يمارس السياسة. غادر إلى لبنان ثم إلى السعودية بدعوة من الملك فيصل. القسم التاسع: المرحلة السعودية – مستشاراً للملك فيصل والملك خالد والملك فهد (١٩٦٤–١٩٩٠) الخروج من سوريا وبداية الاتصال بالملك فيصل بعد الإفراج عنه، توجه إلى لبنان. في مؤتمر مقديشو طرح فكرتين: إنشاء مصرف إسلامي للتنمية، وإنشاء وكالة أنباء إسلامية. أعجب بهما الرئيس الصومالي، ونصح بعرضهما على الملك فيصل، فطلب فيصل مقابلته. أول لقاء مع الملك فيصل ومهمته السرية إلى بيروت شرح الدواليبي للملك فيصل تحليله للأوضاع الدولية، محذراً من المد الشيوعي. كلفه فيصل بمهمة سرية إلى بيروت، أقنع فيها مندوب الرئيس جونسون بأن الحل هو دعم "تحرك إسلامي معتدل" بقيادة فيصل. وافق الأمريكيون. جولة الملك فيصل الإفريقية نتائجها: سحبت ٤٥ دولة إفريقية اعترافها بإسرائيل دفعة واحدة. أكد فيصل على حق الفلسطينيين في تقرير المصير وقدسية القدس. لقاء الملك فيصل بديغول وإقناعه بوقف السلاح عن إسرائيل قبل حرب ١٩٦٧ بأيام، رتب الدواليبي لقاءً سرياً. قال ديغول: «إسرائيل أصبحت أمراً واقعاً». فرد فيصل: «هتلر احتل باريس وكل فرنسي استسلم إلا أنت، فكيف تطلب مني أن أراضي بالأمر الواقع؟» تابع: «أما قرأت الكتاب المقدس؟ اليهود غزاة قادمون من مصر. فلسطين للكنعانيين العرب». سكت ديغول وأمر بوقف تسليح إسرائيل فوراً. ثم قطع فيصل البترول عن أمريكا. قصة الأوسمة ومناقشة المفتي رفض المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم نظام الأوسمة بدعوى البدعة. ناقشه الدواليبي بأدلة من السيرة النبوية: ألقاب الصحابة (الصديق، الفاروق، سيف الله)، و"ذات النطاقين" لأسماء بنت أبي بكر. اقتنع المفتي وأصدر فيصل المرسوم. القضية الأفغانية ودوره في التفاهم مع الروس سافر إلى روسيا واقترح حلاً سياسياً (انتخابات دولية). وافق الروس والمجاهدون، لكن فشل التنفيذ بسبب إشكال بروتوكولي حول أسبقية الدخول إلى قاعة الاجتماع. الهجمة العالمية على الإسلام كشف أن إسرائيل وراء سلسلة ندوات دولية لتصوير الإسلام كخطر، وأول مرة يُتلى فيها القرآن في الكونجرس الأمريكي (١٩٩٢). اقترح مواجهتها بالتعريف بثوابت الإسلام الإنسانية في ثماني نقاط. تحليل أزمة الخليج ودور إسرائيل رأى أن إسرائيل كانت وراء الأزمة، وكانت متأملة أن تكون رأس الحربة ضد صدام، وكشف وثيقة إسرائيلية لتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية. خاتمة: ماذا نتعلم من سيرة الدواليبي اليوم؟ هذه المذكرات – بمرفقاتها – ليست مجرد سرد، بل درس في الوطنية الواقعية، ودليل على أن السياسة يمكن أن تمارس بنزاهة، وتذكير بأن التاريخ لا يُصنع فقط في القصور، بل في الزنازين أيضاً. · السياسة النزيهة ممكنة لكنها ليست مجانية. دفع ثمناً باهضاً. · الوطنية الواقعية أجدى من الخطاب الأيديولوجي. تعامل مع السوفييت والأمريكيين على السواء. · الخطر الحقيقي على الديمقراطيات الناشئة يأتي من جيوشها. · الإسلام الحضاري هو البديل الاستراتيجي لكل من التطرف والإلحاد. · الفهم العميق للعبة التوازنات الدولية مفتاح النجاة في عالم متوحش. والسؤال الذي تتركه لنا هذه الشهادة يبقى مفتوحاً وملحاً: كم نحتاج اليوم من رجال ونساء يمتلكون شجاعة الدواليبي وفطنته وإخلاصه، وسط فوضى السياسة وجنون التيارات المتطرفة، كي نستعيد طريق العافية والتنمية والكرامة؟ ملاحظة : هذه القراءة التعريفية أعدت بالاعتماد على الملفات الأصلية للمذكرات والوثائق المرافقة التي تفضل الأستاذ نوفل الدواليبي ابن العلامة الدكتور محمد معروف الدواليبي بإتاحتها فله مني جزيل الشكر والعرفان والتقدير. أ.د.محمدسعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة Generations and Technology University