ما جدوى دراسة تخصص (علم النفس الاسلامي) ؟

ما جدوى دراسة تخصص (علم النفس الاسلامي) ؟ د. رأفت شهير شحادة -قسم علم النفس الاجتماعي و الاكلينيكي -كلية العلوم الاجتماعية -جامعة اجيال وتكنولوجيا البحثية. لا شك بأن الشريعة الاسلامية السماوية المستمدة من الوحي الالهي وضعت قواعد (أساسية) في السلوك الانساني والمعرفي من البدايات الى المٱلات مستمدة من رب العزة عز وجل وخالق الانسان، وكل من ينكرذلك فهو الى الكفر أقرب اليه من الايمان. وهذه المباحث تدخل في حقول العقائد والتهذيب والتصوف والزهد والتي انبثقت من ٱيات الرحمن وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفيها الفلاح والهداية والفوز في الدنيا والٱخرة. طبعا هذا متفق عليه عند كل مؤمن ومسلم موحد بالله، وليست هنا المشكلة، ولكن المشكلة أنك حين تطرح مصطلح (علم) ثم تلحقه بالنفس (الاسلامي)، فأنت تدعي ضمنا أنك تمتلك مناهج بحث بديلة عن علم النفس بشكل عام، فهل حقا تمتلك هذا البرنامج المناهج الخاصة به المغايرة لعلم النفس ؟ أولا : الجواب قطعا لا، فعلم السلوك الانساني psychology -والذي ترجم خطأ في بداياته بترجمة (النفس) حسب رأيي المتواضع بعد خطيئة كبرى في الترجمة، لأن النفس والروح لها ابعاد ميتافيزيقية تختلف اختلافا جذريا عن علم السلوك المعاصر السايكلوجي، فعلم النفس الحالي يعتمد كثيرا على الدراسات الفسيولوجية والعصبية ومناهج البحث التجريبي والارتباطي، في حين أن حقول النفس والروح لها مناهجها الخاصة والتي تبلورت منذ القرن الثاني مع طلائع كتب الزهد، وتطورت في رحاب علوم التصوف ومراجعاته،، لذلك هذا الأمر يثير الكثير من الخلط واللغط والغلط في بعض المقاربات التي تعبث بالمفاهيم الشرعية هنا وهناك فتخرج الدلالات الشرعية عن سياقها وتخلط مفاهيم التجربة العقدية بمفاهيم عملية فتقدها روحيتها وقداستها. ثانيا : نحن مع (أسلمة العلوم الاجتماعية) وليس مع اقصائها, لأن أقصاءها هو جريمة معرفية وحضارية، فهذه العلوم الاجتماعية، هي نتيجة ثورة معرفية من خلال المختبرات والمراقبات والدراسات والرسائل الجامعية والتجارب والبحوث الطبية والدوائية، ثم يأتي أحدهم بشخطة قلم 📝 لينهي ذلك كله ويقول: لدينا علم نفس بديل تماما ليس، فيه مناهج بحث تجريبية ولا دوائية ولا عصبية ولا فسيولوجية؟ هذا هو الكهنوت بعينه الذي كانت الكنيسة مبتلية به في القرون الوسطى والذي ساهم في جهلها وقتها. الأمر الثالث : انا شخصيا بعدما درست الشريعة الاسلامية وتخرجت من كليتها كوني أحد اعضاء المعهد العالمي للفكؤ الاسلامي الذي كان ينادي بأسلمة المعرفة، دخلت علم النفس من اجل (نسف) 🪓⛏️♨️ علم النفس (الغربي) ايام حماسة الشباب، ولكن لاحقا تغير هذا الاعتقاد لدي وتلاشى وتحول لعدة اسباب هي : ✅ 1⃣- من قاد أسلمة علم النفس كانوا علماء و عباقرة وأطباء بعلم النفس كالدكتور المرحوم مالك بدري ، نزار العاني، وغيرهم، لذلك كانوا ضالعين في الطب النفسي وعلم النفس وليسوا مثل من يحملون شعار علم النفس،الاسلامي الحالي-لاهم شرعيون حقيقيون ولا مهنيون في علم النفس-، فكانوا يسيرون بين حقول ألغام ويعلمون ماالمفيد في علم النفس وما هو القاصر فيه، والمتافي للعلم والدين فيقومونه بالدين والوحي. وهذا هو مشروع الاسلمة الصحي -في الصين، روسيا، ، بعض دول امريكا اللاتينية لهم تجاربهم-، اما دعاة علم النفس الاسلامي ينادون بعلم جذري مستمد من مفاهيم الزهد وعلم الكلام والتصوف، وهذا أمر مرفوض لما فيه من تعطيل الاستفادة من حقول الطب النفسي. ✅2⃣ - حينما قررت دراسة اصول الفقه على أيدي الشيوخ طلب مني أحد مشايخي أن ابتدأ بدراسة المنطق والبلاغة والنحو، وهذا ما فعلته، فدرست المنطق والفلسفة (اليونانية)، وكانت عملية التوازن التي غيرت مسار تفكيري، فكم كانت الصدمة الجميلة حين اكتشفت أن فقهاءنا وعلماء الاصول استعانوا بالفلسفة اليونانية في تعريف السفه، والجنون، و الاهلية والعقل بالفلسفة اليونانية -ناهيكم عن مبحث القياس واستخراج العلة كالسير والتقسيم وغيرها، وتقسيمات الصدق والمفهوم، ودلالة المنطوق.... -, وهذا يدل بأن فقهاءنا رحمهم الله، استعانوا باحدث ما توصل إليه العلم في زمانهم -الفلسفة اليونانية- لخدمة الشريعة الاسلامية، وانتقدوا واستبعدوا العبثي وما ينافي الدين فكيف تقنع مثلا من ينادي بعلم النفس الاسلامي، أن بعض النظريات التي ينادي بها ويدعي بأنها علم نفس اسلامي، هي نظريات من الفلسفة اليونانية اقتبسها الحكيم الترمذي او ابن القيم، او الغزالي، او ابن مسكويه؟ تخيل فقهاءنا وعلماءنا في القرن والثاني والثالث والرابع والخامس كانوا اكثر تحضرا و انفتاحا على العلوم وليست اي علوم وانما علوم الشريعة على معارف وعلوم الاخرين واناس في القرن الحادي والعشرين يريدون قطع ذلك الأمر!❗ ✅3⃣- دعاة علم النفس، الاسلامي كثير منهم من مدرسة اللامذهبية بمعنى أنهم يرجعون الى النصوص مباشرة ثم يقومون بانتقاء اقوال من ابن تيمية وابن القيم والسجزي،، وابن كثير -كون اكثرهم من التيار السلفي- ويرجعون الى كتب العقيدة الواسطية وغيرها وبعض اقوال الغزالي والرازي وابن مسكويه بطريقة تلفيقية عجيبة ثم يقولون لك هذا هو مفهوم النفس في علم النفس الاسلامي!❗، فقلما من تجد منهم من تمذهب بمذهب فقهي تعلمه ودرسه بعمق، وطبعا يجعلون قضية (تلبس الجن) قضية محورية لعلاج الامراض النفسبة ضاربين عرض الحائط بكل ما توصل اليه علم النفس، والبعض الاخر هم من اتباع المدارس الصوفية -طبعا لسنا ضد التصوف وانما ضد غلاته المختلين عقليا- الذين يؤمنون بأن النفس وتهذيبها لا يوجد الا في التصوف فقط وهؤلاء ايضا ينطبق عليهم ما ينطبق على السابقين. ✅4⃣- نحن مع الاسلمة كما ذكرت، بمعنى أن نطهر علم النفس من بعض الافكار -كاحترام المثلية، العلاجات التي تتنافى مع الاخلاق والقيم، وتماسك الاسرة والغاء الصراع الجندري وغيرها من الامور-، كذلك الاستعانة بمفاهيم العبادات والمعاملات في ديننا الاسلامي كالعبادات وامهات احكام المعاملات، وترسيخ -ما اتفق- عليه من العقائد دون الانزلاق الى صراعات المدارس الكلامية وادعاء ان هذا هو علم النفس، المعرفي الصحيح ❗ - رأيت احد المنادين بعلم النفس الاسلامي يحذر الناس من الاشاعرة والمانرودية والتصوف والقول بأن فكرهم ليس علم نفس معرفي اسلامي ❗-، ودينا علم الغايات في فكر 💭 الانسان الذي تجعله يتصالح مع الدنيا والٱخرة وينبذ تيه الالحاد..... سيأتي أحدهم ويقول انظر هذا هو علم النفس الاسلامي، والجواب عليه : كلا هذه برامج معرفية وعلاجية في علم النفس، وليس علم نفس اسلامي، بمعنى انا استعين بمقاييس علم النفس ومناهجه ودراساته البيلوجية والعصبية والاجتماعية والتربوية، ولكن عند التطبيق اوطن علم النفس لما يتلاءم مع عقيدتي وقيمي وفقهي وتربيتي الاسلامي والفرق بينهما واضح وكبير. ✅5⃣- الحكمة ضالة المسلم، وهذا يكاد أن يكون مفقودا عند من ينادون بعلم النفس الاسلامي، كيف ذلك؟ من يتعلم علم النفس الايجابي، وكان قد درس الاديان، لن يحتاج الى مدة كبيرة ليعلم أن هذا العلم اقتبس الشئ الكثير من البوذية و الكونفوشية، وعلم النفس الجدلي، اخذ من بعض الديانات الصينية و الشامانية القديمة، ومدرسة التحليل النفسي اخذت بعض افكار الميثولوجيا الإغريقية،.... ولكنهم لم يقولوا انه علم نفس يوناني، ولا قالواعلم نفس بوذي ، وانما ادخلوا تطبيقاته ضمن النظرية لنفسها فنشروا دينهم لذلك وجدت الناسر يتقبلون هذه الديانات من جديد، وهذا بالضبط ما تحتاجه، ادخال مفاهيمنا الاسلامية ضمن العلاجات وممارسات تطبيق النظرية فنقرب الناس الى ديننا مع العلم ونحمي مجتمعنا وامتنا وتنشر افكار ديننا الحنيف في اللاوعي لديهم. ✅6⃣- نحن مع اعادة ترجمة المصطلحات بطريقة صحيحة، فلا مانع من ادخال مصطلح التزكية بدلا من التنمية، والاستعانة بمفهوم التقوى في المقاييس النفسية والعلاجات، ولكن دون جعلها المفهوم الوحيد واهمال ما توصلت اليه العلوم،الاجتماعية، فمثلا مفهوم الحضارة، الثقافة، المدنية، النفس،.... الخ كلها مفاهيم تأخذ طابعا غربيا، فمن الغباء الثقافي ان تذهب الى القاموس والاحاديث والايات ثم تقول : هذا المفهوم موجود لدينا قبلهم ولا تنتبه للحاضنة الاجتماعية التي نشأت فيها هذه المصطلحات وكيفية الترجمة للعربية هل كانت دقيقة ام لا -مثل سيكبوجيا ترجمت بعلم النفس بدلا من علم السلوك- وتقفز مباشرة الى الكتاب والسنة كأنك مجتهد. مطلق! دون معرفة وتمكن في التخصص الشرعي الدقيق. 👈 لذلك خلاصة الامر في نهاية الأمر أن فتح حقول بمسمى علم النفس اسلامي، او علم الااجتماع اسلامي ، علم غير موفق لسببين : ✔️هذه المباحث بهذا الشكل ستعتير ضمن حقول التربية او الثقافة او الفلسفة الاسلامية وبالتالي ستفقد الهدف الذي وجدت من اجله، استخرج اجيال ضعاف منهجيا واكاديميا في الشريعة وعلم النفس على حد سواء ولا يوجد لها سوق عمل، وربما يكون لها ردات فعل عكسية. ✔️هذه الحقول تشوش ما يقوم به الاخرون من انجازات حقيقية منهجية ومهنية-بل وربما تصنف كعلوم زائفه بسبب منهجيتهم -محترفة في اسلمة العلوم الاجتماعية دون مهنيتها ولا منهجيتها ولا اعتراف الاخرين بها، والدليل على ذلك لا يكاد يوجد برنامج علاجي نفسي في رسالة ماجستير او دكتوراه الا ويدخل المفاهيم الاسلامية فيه وهذا هو المطلوب أولا وأخيرا. والله من وراء القصد. د.رأفت شهير شحادة Rafat Shahadah Generations and Technology University