علكة المتواكلين بقلم الدكتور مروان أحمد بحري

#علكة_المتواكلين: عندما يصبح الكسل وباءً اجتماعياً الدكتور مروان أحمد بحري كلية العلوم الإجتماعية ليس هناك أشد فتكاً بالأمم من أن يتحول التواكل إلى ثقافة عامة، ويصبح الاعتماد على الآخرين منهج حياة. وهذا هو بالضبط ما يجسده التعبير المجازي "علكة المتواكلين"؛ ذلك المخلوط المُسمّم الذي يمضغه أصحاب النفوس الكسلى، فيلهيهم بلا طائل، ويُضيّع أوقاتهم بلا فائدة، ويجعل منهم مجرد أدوات عاجزة في مجتمع يئن تحت وطأة الجمود والتخلف. حين يكون الداء من الداخل فمن أين تنبت بذور هذا التواكل؟ إنها تنبت أوّلاً في التربة الخصبة لليأس والوهن النفسي. حين ينهزم الإنسان داخلياً، ويفقد الإيمان بقدرته على التغيير، يجد في "مضغ العلكة" متنفساً وهمياً. لا يريد أن يعمل، فلا يعمل. لا يريد أن يبذل جهداً، فيختلق الأعذار. ينتظر أن تُقضى حاجاته من السماء، متناسياً أن الله تعالى يقول: "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى". هذا النوع من المتواكلين يبرر فشله بالظروف، ويتهم الأقدار، ويحمل المجتمع مسؤولية تقاعسه، بينما هو جالس على قارعة الطريق يمضغ علكة التواكل بكل رضا. حين يُستغل التواكل كسلاح الأخطر من ذلك أن هناك من يستغل هذه الحالة النفسية المهزوزة لخدمة أغراضه السياسية والاجتماعية. فبعض الساسة الهواة – أولئك المفلسين من الأفكار والقادرين فقط على التدمير – يجدون في علكة المتواكلين سلاحاً فتاكاً. يريدون تشتيت الناس، وإشغالهم بالتفاهات، وإغراقهم في بحر من القضايا الجانبية، بينما تُنهب ثروات الوطن وتُدمر مقدراته تحت أنوفهم. إنهم يريدون مواطناً مشغولاً بـ "مضغ العلكة" بدلاً من المطالبة بحقه، مواطناً يتساءل عن لون قميص المسؤول بدلاً من أن يسأله عن مشاريعه وإنجازاته. هذه العلكة تصنع الغفلة، والغفلة هي البيئة المثالية لتمرير المشاريع المشبوهة والقرارات الكارثية دون أن يشعر أحد. علكة تمضغ العقول والأعمار تأمل معي أيها القارئ حال من يمضغ علكة المتواكلين: فمه مشغول، ولسانه يدور، لكن يديه جامدة، وعقله معطل. لا ينتج، لا يبني، لا يصلح. إنه يقضي ساعات طويلة في "اللزق" – أي في الثرثرة الفارغة والمتابعة غير المجدية – يعتقد أنه يفعل شيئاً، بينما لا يفعل شيئاً سوى إضاعة الوقت. وهذا ليس ضرره على نفسه فقط، بل هو وباء ينتشر في المجتمع كله. فالكسول إذا جلس مع كسول تضاعف الكسل، والمتشائم إذا تحدث إلى متشائم تعمق اليأس. تتحول "علكة المتواكلين" إلى ثقافة سائدة، إلى أخلاقيات مقلوبة، حيث يُعاتب المجتهد على اجتهاده، ويُكرم المهمل على إهماله. كيف نتخلص من هذه العلكة اللزجة؟ الخلاص من هذه الآفة يحتاج إلى جراحة اجتماعية جريئة، وإلى وعي حقيقي بخطورة الوضع. أولاً: يجب كشف الأقنعة، وتعرية من يروج لهذه الثقافة سواء من داخل المجتمع أو من خارجه. ثانياً: إعادة الاعتبار لقيم العمل والاعتماد على النفس، في الأسرة أولاً وفي المدرسة والإعلام ثانياً. وثالثاً: مساءلة المقصرين علناً، وتشجيع المبادرين والمجتهدين عملياً وليس نظرياً. لنتذكر دائماً: الأمم لا تُبنى بـ "المضغ" بل بالعمل. لا تتقدم بالترقب بل بالسعي. كل دقيقة نقضيها في "علكة المتواكلين" هي دقيقة تُسرق من مستقبلنا. فلنبتلع هذه العلكة مرة واحدة، أو لنبصقها بكل قوة، ولنبدأ العمل. فالموت الأحمر خير من العيش الأصفر، والنهاية الكريمة خير من البقاء على هذا التواكل المُخزي. لن تتحقق النهضة بأفواه تمضغ، بل بأيدٍ تعمل وعقول تفكر وقلوب تخاف الله في الغيب والشهادة. د.مروان بحري Mervan Bahri جامعة أجيال وتكنولوجيا Generation and Technology University