قراءةٌ في كتاب "جرجي زيدان في الميزان" للدكتور شوقي أبو خليل يحظى جُرجي زيدان بمكانة بارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث من خلال رواياته التاريخية التي لاقت رواجًا واسعًا بين القراء، خاصة من فئة الشباب، غير أن هذا الرواج لم يكن مصحوبًا بمراجعة نقدية جادة لمضامين هذه الروايات، التي أُعيد من خلالها تشكيل التاريخين الإسلامي والعربي بأسلوب روائي مشحون بالتحيزات والتشويهات. وفي هذا السياق، يأتي كتاب الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى المعنون: "جرجي زيدان في الميزان"؛ ليملأ هذا الفراغ النقدي، ويقدّم تقويمًا علميًا هادئًا ومنهجيًا لتجربة زيدان. حيث صدر كتاب جرجي زيدان في الميزان عن دار الفكر بدمشق عام 1981م، ويقع في 319 صفحة. ويُعد من أبرز المحاولات النقدية المنهجية التي سعت إلى تفكيك خطاب جرجي زيدان الروائي والتاريخي، الذي خلّف أثرًا واسعًا في أذهان النخبة والشباب على حد سواء. خصّص الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى هذا الكتاب لكشف منهج زيدان في تحريف التاريخ الإسلامي، والتأثير السلبي لكتاباته على الوعي العربي والإسلامي. أوَّلًا: أهداف الكتاب وخلفية تأليفه انطلق شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى في كتابه عن قناعته بأن جرجي زيدان لم يكن مجرد روائي يعيد صياغة أحداث الماضي، بل كان صاحب مشروع لتشويه صورة التاريخ الإسلامي ورموزه عندما استخدم الرواية التاريخية أداة لبث الدسائس الفكرية والتاريخية، وركّز بشكل خاص على الدور السلبي الذي لعبته دار الهلال في نشر هذا النمط من الروايات، التي كُتبت بلغة جذابة ورسومات ملونة بهدف إغواء الجيل الناشئ. لذلك جاء هذا الكتاب متصديًا للمغالطات التي امتلأت بها روايات جرجي زيدان، والتي اتخذت من الشكل الأدبي وسيلة لبثِّ أفكار مشوَّهة، تستهدف العرب والمسلمين. اعتبر الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى أن زيدان تعمّد تشويه التراث العربي عبر نشر روايات مزخرفة خيالية، ووصف رواياته بأنها أدوات دسائس فكرية وتاريخية، هدفها تشويه العقيدة والهوية والرموز. ثانيًا: المنهج النقدي لشوقي أبو خليل. رغم اعتماد المؤلف على جهد توثيقي واضح، فإن أسلوبه يغلب عليه النفس الدفاعي، إذ ركز على نقض التشويه دون الخوض دومًا في التحليل المقارن أو استدعاء أدوات البحث النقدي المعمَّق، مما أعطى النص طابعًا تقليديًّا في الدفاع عن الإسلام والتاريخ. مع ذلك، يحسب له وضوح المنهج، واعتماده أمثلة دقيقة من نصوص زيدان نفسها. ثالثًا: أبرز مواطن التشويه والتحريف التي تركها زيدان. كشف الكتاب أن زيدان لم يكن مؤرخًا بالمعنى العلمي، بل روائيًا ذا توجه أيديولوجي، اعتمد التلفيق والمبالغة، واستند إلى مصادر غير موثوقة، منها كتب "خصوم الإسلام" أو "أخبار المجّان"، دون تمحيص، ومزج الخيال الشخصي مع الوقائع، ما أفضى إلى تاريخ بديل قائم على التحيّز، والانحراف المنهجي. لذلك اعتمد الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى في الكتاب على منهجية أقامها على: ١- تحليل منهجي للرواية التاريخية عند زيدان، مع التركيز على أدواته السردية ومنهجه الانتقائي. ٢- استعراض تفصيلي لمجمل مؤلفات زيدان التاريخية، وتتبّع الأخطاء التي وردت فيها. ٣- نقد مضمون كل رواية على حدة، وتوثيق جوانب التحريف والتزييف فيها. ومن أبرز الذين سعى زيدان إلى تشويه صورتهم: - النبي محمد صلى الله عليه وسلم: حيث حاول زيدان الطعن في سيرته عبر روايات ظاهرها أدبي وباطنها تشكيكي. - كبار الصحابة: بتشويه دوافعهم أو تقديمهم بصورة سلبية. - رموز الدولة الأموية والعباسية، وفي مقدمتهم معاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان، وأبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد. - القادة الفاتحون: كصلاح الدين الأيوبي، طارق بن زياد، عبد الرحمن الناصر، يوسف بن تاشفين، قطز، وبيبرس. رابعًا: البعد الطائفي والفتنوي في روايات زيدان. يلفت الدكتور شوقي رحمه الله تعالى النظر إلى نزعة زيدان في تأجيج الخلاف السني الشيعي، من خلال انتقائه لروايات تصب في تأليب طرف على آخر، وتوظيفه لأحداث تاريخية محرفة لتعزيز الشرخ بين المذاهب، مما يعكس مشروعًا يتجاوز السرد الأدبي إلى أهداف أيديولوجية خطيرة. خامسًا: التأثير الثقافي طويل الأمد. انتشرت روايات زيدان في الأوساط الشبابية، بسبب لغتها الجذابة، ورسوماتها الملونة، ما أدى إلى رسوخ صور مشوهة في أذهان قراء كُثر، خاصة في ظل غياب رد علمي ممنهج من المؤسسات العلمية والدينية الرسمية. ومن المفارقة المؤسفة أن أدباء كبارًا كسلامة موسى ولويس عوض دافعوا عنه، رغم وضوح تحريفه. سادسًا: استثمار الطورانيين لكتابات جرجي زيدان في تشويه العرب والإسلام. من أبرز المحاور الغائبة في الدراسات العربية حول أثر روايات جرجي زيدان، هو استثمارها من قبل الحركة الطورانية – وهي حركة قومية تركية نشأت في أواخر العهد العثماني – لتكريس العداء تجاه المكوّن العربي داخل الدولة العثمانية، ثم في الجمهورية التركية الحديثة. واستثمارها فكريًا وسياسيًا، وقد وجد الطورانيون في روايات زيدان مادة جاهزة تُقدّم العرب بصورة سلبية: جهلة، خونة، غارقين في الشهوات، وفاقدين للقيم الحضارية، وهي الصورة التي سعت القومية التركية إلى ترويجها لترسيخ التفوّق العرقي التركي. متخذين من تشويه زيدان للموروث العربي مادة جاهزة لتعزيز السردية العنصرية. وقد تُرجمت بعض روايات زيدان إلى اللغة التركية، وجرى توزيعها في سياقات تعليمية وثقافية بهدف تعزيز الفجوة الثقافية والوجدانية بين العرب والأتراك، وهو ما ساهم في توسيع الشرخ بين الجانبين، خصوصًا في مرحلة ما بعد سقوط الخلافة. واعتمدت هذه الروايات – على نحو مغرض – على تشويه الرموز الإسلامية والعربية، مما جعلها مادة أيديولوجية مناسبة للحركات التي أرادت استئصال الهوية العربية من الوعي الجمعي العثماني ثم التركي. إن هذا الاستخدام السياسي والأيديولوجي للرواية التاريخية الملفّقة يسلّط الضوء على خطورة التوظيف الخاطئ للخيال الأدبي، ويدعو إلى قراءة جرجي زيدان ضمن إطار نقدي أوسع لا يكتفي بتقويمه كروائي، بل يربطه بالبنى الفكرية المعادية للعرب والإسلام في ذلك العصر. يُسجَّل للكتاب أهميته التوثيقية، وجرأته في نقد رموز النهضة الأدبية المزيفة، فقد بذل الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى فيه جهدًا علميًا مميزًا في دراسته لكتابات جرجي زيدان، حيث تناول تأثير المصادر الاستشراقية في تشكيل رؤيته للتاريخ الإسلامي. وقد اعتمد الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى في تحليله لكلام زيدان على منهج يهدف إلى إبراز الخلفيات الفكرية والثقافية التي تأثر بها زيدان، من خلال تتبع السياقات المعرفية والمصادر التي استند إليها.. كما أن غياب المؤسسات الرسمية في الرد على مثل هذه التشويهات ترك أثرًا بالغًا، مما جعل الكتاب مساهمة فردية مهمة لكنها بحاجة لتكميل مؤسسي أوسع. فرغم خطورة تأثير روايات جرجي زيدان على تشكيل وعي الأجيال، إلا أن المؤسسات الثقافية والتعليمية الرسمية في العالم العربي لم تواجه هذه التشويهات بالشكل المناسب، فلا تزال هذه الروايات تُطبع وتُقرأ، دون حملات توعية أو تصحيحات معرفية تُظهر للناشئة ما فيها من تحريف وتضليل. خاتمة: كتاب جرجي زيدان في الميزان يمثل محاولة واعية لكشف التحريف والتزييف الذي طال التاريخ والهوية الإسلامية والعربية عبر الأدب الروائي، وهو دعوة صريحة لقراءة الماضي بعد تفكيك أدوات من كتبه بعيون منحازة للخصوم، وبأقلام تجيد التجميل الخادع. إن كتاب الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى يمثل خطوة رائدة في نقد أحد أبرز ممثلي التشويه الأدبي للتاريخ الإسلامي، ومع ما للمؤلف من فضل في التصدي لهذا المشروع، فإن الحاجة تبقى قائمة لتطوير هذا الجهد، عبر إنتاج أعمال نقدية أكثر تفصيلًا، وبأدوات لغوية وتاريخية دقيقة، تكشف حجم الخلل الذي تُسببه مثل هذه الروايات في وعي الأجيال، كما تكشف أن المعركة الفكرية مع خصوم الهوية لا تقل أهمية عن المعارك السياسية والعسكرية. بقلم الدكتور محمد سعيد أركي مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية