الرُّمَيْصَاءُ أُمُّ سُلَيْمٍ مَنَارَةُ الصَّبْرِ وَصَانِعَةُ الْفَجْرِ

الرُّمَيْصَاءُ أُمُّ سُلَيْمٍ مَنَارَةُ الصَّبْرِ وَصَانِعَةُ الْفَجْرِ في بيوت الصحابة الكرام، حيث يتربى الإيمان في أحضان الرضا، وتُصقل النفوس بسبائك اليقين، تبرز قصة الرميصاء أم سليم بنت ملحان وهي أُمِّ أَنسٍ رضي الله عنهما، زوجة أبي طلحة الأنصاري، وهو زَيدُ بنُ سَهلٍ زَوجُ أُمِّ أَنسٍ أُمِّ سُلَيمٍ، إنها قصةٌ تتجاوز حدود الصبر التقليدي لتصل إلى قمة النبل العاطفي، والذكاء الإنساني الممتزج بالرضا بمقادير الله تعالى. مات طفلها الصغير بعد مرض شديد، وهذا الطفل هو أخو أنسٍ لأُمِّه أمِّ سُلَيمٍ رَضيَ اللهُ عنهم، وقدْ جاء في صَحيحِ ابنِ حِبَّانَ أنَّ هذا الطفل هو أبو عُمَيرٍ الَّذي كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُداعِبُه بقولِه: (يا أبا عُمَيْر، ما فعَلَ النُّغَيْر؟)، مات طفلها ووالده أبو طلحة خارج البيت، في تلك اللحظة التي تزلزل قلوب الأمهات وتفطر أفئدتهن، لم تصرخ أم سليم ولم تنحنِ للعاصفة، بل كظمت غيظ الفقد، وغسلت طفلها، ونحّته في جانب البيت كأنه ملاك نائم، وعندما عاد زوجها يسأل بلهفة الأب: «كَيْفَ الغُلامُ؟»، أجابته بكلمات تقطر حكمة وسكينة: «قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ»، وهذا هو التعريضُ الذي فيه مَندوحةٌ عن الكَذِبِ. ظن أبو طلحة أنها تعني الشفاء، فبات ليلته مطمئنًا، بل وهيأت له من حسن تبعلها ما أدخل السرور على قلبه، حتى إذا تَنَفّس الصباح واغتسل، أبدلت ظلام الفاجعة بنور اليقين، وأخبرته برفقٍ أن وديعة الله تعالى قد عادت إلى صاحبها. غضِبَ أبو طلحة مِن فَعلتِها تلك وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشدوهًا من عظمة هذه المرأة وعمق صبرها، فصلَّى مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ أخبَره بما كان بيْنَهما، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لهما بدعاء كُتبت حروفه من نور البركة: (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا). إن دموع الرضا لا تضيع هباءً، بل تنبت في أرض الصبر خلفًا صالحًا يقرّ به الفؤاد، فقد كان هذا الدعاء غيثًا انهمر على حياتهما، فحملت في تلك الليلة بعبد الله بن أبي طلحة، ونشأت من نسله سلالة مباركة؛ حيث رأى الرواة لهم تسعة أولاد، كلهم من حفظة كتاب الله تعالى وأهل العلم. حين نتأمل موقف أم سليم وصنيعها، نجد أنفسنا أمام لوحة إيمانية يمكن رسم أبعادها بما يلي: صبر أم سليم كالجبل الراسي في وجه الإعصار: في الوقت الذي تعصف فيه فاجعة الموت بقلوب الأمهات كالإعصار المدمر، وقف إيمان أم سليم كالجبل الأشم؛ لم تتزعزع عقيدتها، ولم ينطق لسانها إلا بالرضا، فكانت السكينة تلفّها وتفيض على بيتها. كلماتها لأبي طلحة كالبلسم الشافي: كانت إجابتها الذكية عن حال الغلام كالبلسم الذي يداوي القلق بجرعات من الأمل، لقد صدقت في أن ابنها استراح من كرب الدنيا، فوجهت قلب زوجها نحو الطمأنينة بحكمة بالغة لتجنبه لوعة الصدمة المفاجئة في ليله. بركة الدعاء النبوي كالغيث الذي أحيا أرضًا ميتة: لقد كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كالغيث الهتان الذي سقط على أرضٍ فَقَدت زهرتها الغالية (الابن الراحل)، فاهتزت رباها وأنبتت حدائق ذات بهجة (تسعة من الأبناء الحفظة). فبينما غاب فرعٌ واحد، أثمرت شجرة بيتها غصونًا يانعة بالقرآن. قلوب الأبناء حفظة القرآن كالسرج المضيئة: تحول أولئك الأبناء التسعة الذين جاءوا من نسل تلك الليلة المباركة إلى سُرُج تضيء عتمة الدنيا بآيات الله تعالى، فكأن القرآن في صدورهم ينابيع ماء عذب يجري بالنور والهدى. إن هذا المشهد العظيم يرسخ حقيقة كونية وإيمانية: أن من ترك شيئًا لله تعالى، أو رضي بقضاء الله سبحانه في أعز ما يملك، عوّضه الله عز وجل عوضًا يفوق التوقعات. لم تكن أم سليم تملك سوى دموعها فحبستها امتثالًا لأمر الله تعالى، وحفظًا لراحة زوجها، فكافأها الله سبحانه بعوضٍ ليس دنيويًا مؤقتًا، بل بعوض ممتد عبر الأجيال، فصار بيتها منارة يشع منها القرآن والبركة. إن قصة أم سليم وأبي طلحة تظل مدرسة خالدة في أدب التعامل مع البلاء، وتكشف عن عظمة البيوت التي تُبنى على الرضا والتسليم، لقد غاب الطفل الصغير سريعًا كالنجم في الصباح، لكن بركة الصبر والدعاء النبوي جعلت من موته فجرًا جديدًا لأمة بأكملها، لتظل الرميصاء قدوة لكل مؤمنة تعلم أن ما عند الله تعالى خير وأبقى. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو