العبودية الطوعية : كيف يُنتِج الاستبدادُ عبيدًا طُوعيّين؟ بقلم الدكتور مروان أحمد بحري Mervan Bahri المقدمة: نحن... وليس "هم" تأمل هذا المشهد: بلد يئن تحت القمع لعقود، فينبت فيه جيل لا يعرف من الحرية إلا اسمها، بل يعتبرها خطرًا يُهدد "استقراره" الوهمي. هذا الجيل هو "المواطن المستقر" — ذلك الكائن الذي يبيع روحه رخيصةً مقابل ثلاثة أوثان لا رابع لها: الدين شكلاً، والرزق هماً، وكرة القدم متعةً. لكن قبل أن تتهم غيرك، توقف. هل أنت نفسك — عندما تمر أمام اعتصام صامت فتغمض عينيك وتُسرع الخطى بحجة "ما لي دخل" — ألست نموذجًا مصغرًا لهذا المواطن المستقر؟ نحن نكتب هذه الكلمات عن أنفسنا، قبل أن تكون عن الآخرين. فإن بكيتَ فابكِ على أمة تحول أبناؤها إلى أدواتٍ تحافظ على ظلمها. الوهم الأول: دين بلا عدل تراهم يهرعون إلى المساجد والكنائس، يصلّون ويبكون بخشوع، لكن قلوبهم حجرٌ على مظالم الأرض. يفطرون في رمضان إذا شاءوا، لكنهم لا يفطرون قلوبهم أبداً عن حب الذات. يغضبون غضبًا مقدسًا إذا أُبيح زواج المثليين في بلاد بعيدة — لأن "هذا ضد مرضاة الله" — لكنهم لا ينبسون ببنت شفة عن سجون الاعتقال التعسفي في بلادهم، عن الجياع الذين يموتون على أرصفة العز، عن المعذبين في الزنازين. صلاة فائتة تبكيهم، وإنسان يُذبح أمامهم لا يحرك فيهم ساكناً. دينهم طقوس بلا روح، وشكليات بلا جوهر. يدافعون عنه فقط حين يكون الدفاع آمنًا، ويستشيطون غضبًا على محرمات الغير، بينما محرماتهم هم — الرشوة، الكذب، النفاق، الفاحشة في السر — كلها تحت "حمد الله" في نهاية اليوم. الوهم الثاني: لقمة العيش كحاجز أيديولوجي... وكيف تُورث العبودية يقول المواطن المستقر: "أريد فقط أن أعيش، وأُطعم أولادي، وأُزوج بناتي، وأُشغل أبنائي، ثم أحج وأموت." يبدو نبيلاً؟ لا. إنه الموت البطيء للإنسانية. إنه عقد اجتماعي خفي مع الطاغية: "خذ حقوقي السياسية كلها، وامسح كرامتي، واجعلني خائفًا، فقط اتركني أكسب قوت يومي." لكن ثمن هذا "القوت" هو تحوله إلى حيوان يلهث وراء الرزق، لا يسأل عن مصدر الحلال والحرام في نظام فاسد. والأخطر: المواطن المستقر لا يموت وحده. يتكاثر. يُنجب أطفالاً يلقنهم منذ الصغر أن "الدنيا ماشية كده"، وأن "السياسة حرام"، وأن "اللي يرفع صوته يا إما مجنون يا إما خائن". الأب يربي ابنه على الخوف من كلمة الحق تحت شعار "عيش يا بني ولا تعيش". الأم تمنع ابنتها من التفكير النقدي بحجة "الستر والاستقرار". هكذا تنتقل العبودية طواعية بالحليب، قبل أن تنتقل بالكتب. الوهم الثالث: كرة القدم — عدالة الـ90 دقيقة أعجب هذه الأوهام الثلاثة: أن يجد الرجل الحرية الحقيقية الوحيدة في ملعب كرة قدم! نعم، هناك يشعر بالعدالة لأول مرة: قوانين واضحة، حكم يُطبقها على الجميع دون محسوبية، فريق ينجح لأنه الأفضل، لا لأنه تزلف أو دفع رشوة. إنه يصفق بحماس لهدف، لكنه لا يدرك أن هذه "العدالة" لا تُطبق إلا في لعبة. خارج الملعب، يُسحق حقه، تُنهب دولته، تُقيد حريته، وهو صامتٌ راضٍ، ينتظر المباراة القادمة. كرة القدم هي أفيون العصر الجديد — مسموح، جماعي، ويُشعره بأنه حي، بينما هو في سبات عميق. لكن هل تعلم كم هو مأساوي؟ لو جمعنا دموع المواطن المستقر على أهداف كرة القدم، لصنعنا نهرًا. لو جمعنا دموعه على جوع طفل في جواره، لما ملأنا كأس ماء. النتيجة: عائق في طريق التغيير... بل كابوس صامت هذا "المواطن المستقر" ليس ضحية فقط، بل أصبح شريكًا في القمع. هو الجدار الذي يصطدم به كل مصلح، هو الصوت الذي يقول "اصبروا، لا تغيروا، فتنة"، هو اليد التي تمنع باب الزنزانة من الفتح. والكابوس الحقيقي: تخيل أن كل من حولك أصبح "مواطنًا مستقرًا". لا أحد يغضب للظلم. لا أحد يرفع صوته. الجميع يصلّون ويأكلون ويشاهدون المباريات. هل تعرف ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الطاغية لن يحتاج يومًا إلى جيش. المجتمع كله صار جيشه الصامت. لن يتحقق أي تغيير حقيقي — لا ثورة، لا إصلاح، لا نهضة — ما دام هذا الكائن هو النموذج السائد. لأنه سيدافع عن قفصه الذهبي بكل ما أوتي من قوة، خائفًا من حرية لا يعرف كيف يتعامل معها. الخاتمة: أمل قاسٍ، ليس أملًا ورديًا لا تظن أن صمتك مجاني. ثمنه يتضاعف كل يوم: في كرامة تُسلب، في دم يُسفك، في جيل ينشأ على الخوف والارتهان. لكن لا تنتظر معجزة. المواطن المستقر لن يصبح ثائرًا بين ليلة وضحاها. لكن كل مرة تختار فيها ألا تمر بجانب ظلم صامتًا، كل مرة تخبر فيها ابنك لماذا هذا الخطأ خطأ، كل مرة تنشر فيها كلمة حقيقة — أنت تخرق جدار "الاستقرار" ثقبًا صغيرًا. والثقوب الصغيرة، بمرور الوقت، تُسقط الجدران. إن ثمن الخروج من هذا العالم الضيق — ولو بكلمة حق، أو موقف شجاع، أو مقاطعة للظلم — أقل بكثير من ثمن بقائك فيه حتى النهاية، وقد تحولت إلى شاهد قبر على حريتك أنت بنفسك. د.مروان بحري D.Mervan Bahri