الجاهل عدو نفسه وأهله ووطنه

الجاهل عدو نفسه وأهله ووطنه: لماذا لا يصلح حالنا دون وعي؟ بقلم الدكتور مروان أحمد بحري "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ" (سورة الرعد، الآية 11) أولاً: الآية التي نقرأها ولا نفهمها كثير من المسلمين يقرؤون هذه الآية ويتلوونها عند الحديث عن الأزمات والانكسارات، كأنها وعد إلهي بالتغيير بمجرد الدعاء أو التمني. لكن التأمل العميق في النص، وفي تفاسير أهل العلم، يكشف أن الآية ليست "دعاء"، بل قانون كوني صارم وميثاق رباني لا يحابي أحداً. أجمع المفسرون - من ابن جرير إلى ابن كثير، ومن القرطبي إلى السعدي - على أن "تغيير ما بأنفسهم" الوارد في الآية يشمل تغيير الحالتين معاً: · الحالة الأولى: تغيير النعمة إلى نقمة. فإذا أنعم الله على قوم بالسعادة والرخاء والتمكين، ثم فسد صلاح قلوبهم، وتركوا ما أُمِروا به، وأتوا ما نُهوا عنه، فإن الله لا يظلمهم، بل يغير ما بهم من نعمة إلى شقاء وحرمان، جزاء وفاقاً. · الحالة الثانية: تغيير النقمة إلى نعمة. فإذا كان قوم يعيشون في ظلم أو فساد أو ضعف، ثم تابوا وراجعوا أنفسهم وتركوا ما هم عليه من سوء وفساد، وعادوا إلى ما أُمِروا به من عدل وإيمان وعمل صالح، فإن الله يغير حالهم إلى صلاح وكرامة وعز. إذن، الآية تحسم الجدل: لا مخرج، ولا خلاص، ولا تغيير خارجي يؤتي ثماره دون تغيير داخلي عميق. هذا هو الفصل الأول من أي مشروع نهضوي صادق. ثانياً: الجاهل ليس بريئاً... بل هو أخطر من العدو وكثيراً ما نسمع مقولة: "الجهل عدو نفسه وأهله، يخدم عدوه من حيث لا يدري". وهذه المقولة ليست مجرد حكمة شعبية، بل هي تشخيص دقيق لحالة تركيبة المجتمعات المتخلفة. فالجاهل - بمعناه العميق، الذي لا يقتصر على أمية القراءة والكتابة، بل يشمل الجهل بالحقوق والواجبات، الجهل بمعنى الحرية، الجهل بحدود الطاعة والمعصية، الجهل بغاية وجوده في الحياة - هذا الجاهل يضر نفسه أولاً: يظلم روحه، يخنق عقله، يسجن إرادته. ثم يضر أهله: يورثهم الخوف، ويعلمهم التبعية، ويزرع فيهم الأساطير بدل الحقائق. وهنا المفارقة العجيبة: هذا الجاهل نفسه يخدم عدوه دون أن يدري. كيف؟ · يخدم العدو عندما يهتف للطاغية ظناً منه أنه يحمي الدين، بينما الطاغية هو من يمهد لدين مشوه يخدم المصالح الاستعمارية. · يخدم العدو عندما يسكت عن الفساد بحجة "الستر"، فيكبر الفساد ويأكل الأخضر واليابس. · يخدم العدو عندما يحارب العلم والعقل باسم "الثوابت"، فيُطرد الأطباء والمفكرون ويبقى الجهل مرتعاً للتطرف. · يخدم العدو عندما يعتقد أن القوة تكمن في العدد لا في الحق، فيسير خلف أي قائد يصرخ بأعلى صوته. وتاريخ الأمم شاهِد: ما هُزمت أمة من خارجها إلا بعد أن أُنهكت من داخلها بجهلها. الحروب لا تسقط الحصون بقدر ما تسقطها الخيانة، والخيانة لا تنبع من جواسيس مدفوعين فقط، بل من قلوب عميت عن الصواب، وعقول رضيت بالتبعية، ونفوس فضّلت الراحة على المسؤولية. ثالثاً: لماذا نصرخ في وجه السلطة ونغمض أعيننا عن المجتمع؟ من أكثر الظواهر إرهاقاً في الخطاب الإصلاحي المعاصر، أنه يجعل "السلطة" هي الشيطان الأوحد. كل شر يُنسب للحاكم، وكل فساد يُرمى على القصر الرئاسي، وكل استبداد يُعزى لنظام سياسي جائر. وبينما هذا صحيح جزئياً - فالأنظمة الجائرة موجودة وشريرة - إلا أن التركيز عليها وحده هو وهم كبير، بل هو هروب من مراجعة الذات. لماذا؟ لأن السلطة في أي مجتمع ليست كائناً غريباً نزل من المريخ. السلطة هي صورة مكبرة للمجتمع نفسه. مجتمع يربي أبناءه على "اسمع وأطع" منذ الطفولة، كيف ينتج حكاماً يحترمون الرأي الآخر؟ مجتمع يقدس "الكبار" ولو كانوا مخطئين، كيف ينتج مؤسسات نزيهة؟ مجتمع يربط الدين بالصورة الخارجية والطقوس الفارغة، كيف ينتج دولة عادلة؟ لذلك أقولها بكل جرأة: ربما كان الداء في الرعية ونحن نظنه في الراعي والمراعي! هذا ليس دفاعاً عن الحكام الظلمة، بل هو دعوة لأن ننظر في المرآة قبل أن نرمي الحجر. لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يعترف المجتمع بأخطائه قبل أن يطالب الحاكم بتصحيح أخطائه. دعونا نكون صريحين: كثير من مظاهر الفساد والاستبداد والتمييز التي نعاني منها لا تنبع من المؤسسات وحدها. بل تأتي من تركيبات مجتمعية راسخة عميقة الجذور: 1. ثقافة التبعية: حيث يُربى الإنسان على أن دوره هو "الاتباع" وليس "المبادرة"، وأن الفضيلة تكمن في الطاعة العمياء وليس في النقد البناء. 2. قبول الظلم باسم العرف: "هذا هو المتوارث"، "هكذا وجدنا آباءنا"، "لا داعي للتغيير". هذه العبارات تسمح باستمرار الظلم المجتمعي ضد النساء، والفقراء، والمختلفين. 3. ترويج الخوف كحكمة: يظن كثيرون أن من يخاف أكثر هو أتعقل وأحكم، بينما الخوف هو عدو الحقيقة الأولى. مجتمع يخاف من كلمة "لماذا" لا يمكنه أن ينتقد فساده. 4. تقديس الجهل كحالة شرعية: أقنعونا أن "الجهل بالقدر واجب"، فتحول الجهل إلى فضيلة، وأصبح كل سؤال "عيب"، وكل نقد "فتنة". رابعاً: ماذا تنفع النصوص والقوانين إن عميت القلوب؟ لنفترض جدلاً أننا غيرنا النظام السياسي غداً، وأتينا بدستور جديد "مثالي" يضمن كل الحقوق، وأزلنا الطاغية وأتينا بحاكم عادل. هل سينصلح الحال؟ الجواب القاطع: لا، ولن ينصلح إلا إذا غيّرنا ما بأنفسنا أولاً. لماذا؟ لأن النصوص والقوانين وحدها لا تصلح مجتمعاً أعمت قلوب أبنائه وضاقت صدورهم وفسدت أعمالهم. القوانين تُكتب وتُقرأ، لكن من يطبقها؟ قضاة وضباط ومعلمون وموظفون، كلهم ينتمون لذلك المجتمع الفاسد. دستور عادل في أيدٍ جائرة لا يختلف عن دستور جائر. نظام قضائي نزيه على الورق، لكن مع مجتمع يعتبر الرشوة "هدية" والواسطة "حقاً"، لا يساوي شيئاً. لذلك، عندما نهمل الجانب التربوي والوعي المجتمعي، ونركز فقط على "تغيير الرأس"، نكون كمن يغير ملصق دواء منتهي الصلاحية ويعتقد أن الداء سيزول. الداء في العقل والقلب قبل أن يكون في القوانين والمؤسسات. خامساً: كيف نكسر الصمت؟ كيف نبدأ التغيير؟ نحن بحاجة ماسة إلى الجرأة في تشخيص الداء حتى نتمكن من وصف الدواء اللازم والنافع. وهذه الجرأة تتطلب منا عدة خطوات عملية: 1. مواجهة المجتمع الجاهل، وليس فقط السلطة يجب أن نعترف أن جزءاً كبيراً من مسؤولية الفساد تقع على عاتقنا نحن كأفراد ومجتمعات. نعم للانتقاد السياسي، لكن لا يجب أن يكون على حساب النقد الذاتي. 2. كسر الصمت في المحيط القريب التغيير يبدأ عندما تتجرأ على قول "هذا خطأ" أمام أهلك وجيرانك وزملائك. عندما تكسر قاعدة "لا تعليق". عندما ترفض أن تكون جزءاً من ثقافة الصمت المشلولة. 3. إعادة بناء الوعي من الصفر هذا يعني: تعليم أطفالنا معنى الحرية والمسؤولية والعدل. يعني تنقية التراث من الشوائب التي علقت به. يعني قراءة التاريخ بعيون ناقدة، لا بعيون تبجيلية. 4. تحرير الناس من القيود الذهنية أخطر القيود هي تلك التي يزرعها المجتمع في رؤوس أبنائه منذ الصغر: "لا تعترض"، "خليك في حالك"، "الدين في الصلاة فقط"، "السياسة حرام"، "العلم كفر". هذه القيود يجب أن تُكسر واحدة تلو الأخرى. 5. رفض الانقياد الأعمى للأساطير كثير مما نقدسه ليس من الدين في شيء. كثير من العادات والتقاليد لا تمت للصواب بصلة. الشجاعة أن نميز بين المقدس الحقيقي والمقدس المزيف. سادساً: لا نصر مع الجهل... ونحن الأكثر جهلاً بمعنى النصر كلمة أخيرة في معنى "النصر". كثير منا يعتقد أن النصر هو "انتصار عسكري" أو "تفوق عددي" أو "وصول حزب معين للسلطة". لكن النصر الحقيقي هو انتصار الوعي على الجهل، وانتصار العقل على الخرافة، وانتصار الشجاعة على الخوف. لا يمكن لأمة جاهلة أن تنتصر، لأن الجاهل لا يفرق بين صديقه وعدوه. يثق بالكذاب ويكذب على الصادق. يظن أن القوة في العدد ولو كان الباطل، والضعف في القلة ولو كان الحق. يظن أن الصمت أمانة والخيانة ذكاء. لذلك، قبل أن ننادي بـ"النصر على الأعداء"، لننصر أنفسنا أولاً على جهلنا. قبل أن نطالب بـ"تحرير القدس"، لنحرر عقولنا من أوهام العصور الوسطى. قبل أن نرفع شعار "الأمة واحدة"، لنوحد صفوفنا على مبادئ واضحة ووعي ناضج. الخاتمة: الخلاصة الوحيدة التغيير الحقيقي يبدأ عندما نكسر الصمت داخل المجتمع، ونعيد بناء الوعي، ونحرر الناس من القيود التي يفرضها الجهل والخوف والعُرف والانقياد الأعمى للأساطير. عندها فقط، وحين نغير ما بأنفسنا، سيجد وعد الله طريقه إلينا. سيكون التغيير ليس معجزة من السماء، بل نتيجة حتمية لقانون إلهي لا يتخلف: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإلى متى سنظل ننتظر "الولي المخلص" ونحن لم نخلص بعد من جهلنا؟ إلى متى نصرخ "يا حكام" ونحن لم نصرخ في وجه أنفسنا؟ إلى متى ندّعي أننا نريد التغيير ونحن لا نريد أن نتغير؟ لنبدأ اليوم. لنبدأ من الداخل. لنبدأ بجرأة المعرفة وكسر الصمت. لأنه لا نصر مع الجهل، ولا مستقبل بلا وعي. #صباح_الوعي #الجهل_عدو_النفس #تغيير_الذات #لا_نصر_مع_الجهل الدكتور مروان أحمد بحري Mervan Bahri D.Mervan Bahri كلية العلوم الاجتماعية Generations and Technology University