اختلاف الألسنة في القرآن: دراسة في الدلالات الكونية والتشريعية (الروم: 22 نموذجاً) الملخص يتناول هذا البحث دلالات الآية 22 من سورة الروم التي تجمع بين خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان، محاولاً استنباط رؤية شرعية لمكانة اللغات في الإسلام. يُظهر البحث أن القرآن لا ينظر إلى اختلاف اللغات كظاهرة اجتماعية عابرة، بل كآية كونية موازية لخلق السماوات والأرض، مما يستلزم موقفاً تأصيلياً يحرم إهانة أي لغة أو إلغاءها، ويحفز على تعلم اللغات كوسيلة للتواصل مع الخلق وفهم آيات الله. يعتمد البحث على المنهج التحليلي التفسيري، مع الاستشهاد بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية وآثار الصحابة والتابعين والمفسرين. تمهيد: إشكالية الموقف من التنوع اللغوي تُعد قضية الاعتراف بالتنوع اللغوي أو إنكاره من الإشكاليات المعاصرة التي تتصارع حولها الأمم والدول. ويتخذ هذا الصراع أبعاداً سياسية واجتماعية، لكنه نادراً ما يُطرح من زاوية عقائدية. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة في النص القرآني تُظهر أن اختلاف الألسنة ليس مجرد واقع بشري قابل للإلغاء أو التهميش، بل هو آية إلهية لها قداستها وحرمتها. وسنحاول الإجابة عن سؤالين رئيسيين: ما الدلالة القرآنية لرفع "اختلاف الألسنة" إلى مصاف "خلق السماوات والأرض"؟ وما الأحكام الشرعية والأخلاقية المترتبة على ذلك؟ أولاً: تحليل الآية الكونية: (ومِن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) 1.1. سياق الآية ومكانتها تقع الآية في سورة الروم، وهي سورة مكية تركّز على إثبات البعث وقدرة الله من خلال آياته الكونية. يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا... (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)﴾ يلاحظ المفسرون أن الآيات الثلاث تبدأ بـ "ومن آياته"، وتصعد من خلق الإنسان من تراب إلى خلق الأزواج إلى خلق أعظم المخلوقات السماوية والأرضية، ثم يُختتم باختلاف الألسنة والألوان. هذا الترتيب ليس اعتباطياً؛ بل يُظهر أن الاختلاف اللغوي واللوني يُعد في الميزان القرآني من أعظم الدلائل على القدرة الإلهية. 1.2. دلالة "آيات" و"للعالمين" لفظ "آيات" في القرآن يُطلق غالباً على المعجزات الكونية (كالسماء والأرض والليل والنهار) أو المعجزات النبوية. وإطلاقه على "اختلاف ألسنتكم" يرقيه إلى مصاف الظاهرات التي تستوجب التفكر والتدبر، وليس مجرد الملاحظة العابرة. أما قوله "لِلْعَالِمِينَ" – ولم يقل "للمؤمنين" – ففيه إشارة إلى أن هذه الظواهر تبقى مغلقة أمام غير المتعلمين، وأن الوصول إلى عمق هذه الآية يتطلب علماً حقيقياً باللغات وعلوم الاختلاف. ثانياً: اللغة كتكوين إلهي لا كاصطلاح بشري من النظريات اللسانية المعاصرة التي ترى أن اللغة نشأت نتيجة تواضع بشري (النظرية الوضعية) أو نتيجة ضرورات تطورية. لكن النص القرآني يقدم رؤية مختلفة: 2.1. تعليم الأسماء لآدم عليه السلام قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31). والجمهور على أن تعليم الأسماء كان تعليماً مباشراً من الله لآدم، وليس اكتساباً بشرياً. وهذا يعني أن اللغة – في أصلها الأول – وحي وتعليم إلهي. أما تعدد اللغات بعد ذلك، فمرده إلى ما ذكره المفسرون من أن الله علّم كل قوم لسانهم. 2.2. تفسير "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" يقول تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 3-4). جاء في تفسير الثعلبي والبغوي عن إسماعيل السدي: "علّم كل قومٍ لسانهم الذي يتكلمون به". وهذا نص صريح في أن تعدد اللغات جاء بتعليم إلهي مقصود، وليس نتيجة انحراف أو عقاب (كما في قصة بابل في المصادر الإسرائيلية التي تخالفها هذه الرؤية القرآنية). ثالثاً: الأحكام المستنبطة من جعل اختلاف الألسنة آية كونية إذا ثبت أن اختلاف الألسنة آية من آيات الله، فإن ذلك يستلزم مجموعة من الأحكام والتوجيهات: 3.1. حرمة إهانة أو إلغاء أي لغة إهانة لغة ما (كالسخرية من نطقها، أو اتهامها بالبدائية، أو منع التحدث بها) تعتبر اعتداءً على آية من آيات الله. فكما يحرم سبّ السماء أو الأرض أو أي من مخلوقات الله (لأنها آياته)، كذلك يحرم سبّ لسان بشري. والفرق بين القول بجواز إهانة لغة القوم المشركين والقول بحرمتها مبني على هذه الرؤية: اللغة ذاتها مخلوقة ومقدسة، وليس الكفر في الحروف، بل في المعتقدات التي تحملها تلك الحروف. 3.2. وجوب المحافظة على اللغة الأم بما أن اللغة فطرة إلهية وأمانة، فإن إضاعتها أو التخلي عنها عمداً يُعد تفريطاً في أمانة. وليس المقصود تحريم تعلم لغات أخرى، بل تحريم استبدال اللغة الأم بالكامل أو نسيانها. يستند هذا إلى مقصد حفظ الهوية الذي جعله الأصوليون من الضروريات الخمس بوصفه "حفظ النسب" أو "حفظ الكرامة". 3.3. استحباب تعلم اللغات الأخرى تعلم اللغات الأجنبية ليس مباحاً فقط، بل هو مندوب ومرغب فيه لعدة أسباب: · التواصل مع الخلق والدعوة إلى الله: بدليل تعليم النبي ﷺ زيد بن ثابت لغة يهود (الحديث في مسند أحمد والترمذي). · تولي المناصب القيادية: فسّر بعض المفسرين قول يوسف ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ بأنه "عليم بجميع ألسنة الغرباء الذين يأتونني" (تفسير مراح لبيد للشيخ نووي الجاوي). أي أن إتقان اللغات كان شرطاً لتولي خزائن الأرض. · زيادة العلم والنفع: قال صفي الدين الحلي (وهو شاعر مسلم فقيه): "بقدر لغات المرء يكثر نفعه"، وقد سبقه المثل الكردي "كل لغة برجل". رابعاً: أدلة من السنة والآثار على تعدد اللغات 4.1. حديث "لا ترجمان" روى البخاري ومسلم عن النبي ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلّمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان». دلالة الحديث: أن الله سيتحدث مع كل عبد بلغته التي يفهمها، وليس بلغة واحدة (كالعربية مثلاً). وهذا يثبت أن الله قادر على التكلم بجميع اللغات، وأن كل لغة معترف بها في الدار الآخرة. 4.2. تنوع اللغات في القرآن (أقوال العلماء) ذكر الحافظ جلال الدين السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن" نقلاً عن أبي بكر الواسطي: "في القرآن من اللغات: الفرس، والروم، والقبط، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية". وهذا رد علمي على من يزعم أن القرآن لا يعترف إلا بالعربية. بل القرآن احتوى على مفردات من لغات متعددة، والصحابة فسّروها بتلك اللغات. 4.3. سيرة عبد الله بن الزبير ورد في "مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي عن هشام بن عروة: "كان لابن الزبير مائة غلام، كل غلامٍ يتكلم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كلَّ واحدٍ بلغته". وهذا يدل على أن التعدد اللغوي كان ممارسة فعلية عند كبار الصحابة والتابعين، وكان يُعد فضلاً وقوة لا عيباً. خامساً: نفي التفاضل بين اللغات لذاتها من المهم التنبيه إلى أن رفع مكانة اللغات إلى آيات كونية لا يعني القول بتساوي جميع اللغات في الدرجة التشريعية، بل التساوي في أصل الخلق والكرامة. اللغة العربية لها خصوصية لأن الله اختارها وعاءً للقرآن، ولأن النبي ﷺ عربي. ولكن هذه الخصوصية لا تبرر إهانة اللغات الأخرى. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: 4). ولو نزل القرآن بلسان العجم، لكان ذلك اللسان أفضل في ذلك الزمان. فالفضل يعود إلى اصطفاء الله لا إلى جوهر الحروف. فاللغات كلها محترمة ومُقدّرة، والتفاضل بين الناس يكون بالتقوى لا باللسان. الخاتمة والنتائج خلصت هذه الدراسة إلى النتائج التالية: 1. جعل القرآن الكريم "اختلاف الألسنة" في مرتبة "خلق السماوات والأرض" يؤسس لعقيدة مفادها أن التنوع اللغوي آية إلهية من أعظم الآيات. 2. بناءً على ذلك، فإن إهانة أي لغة أو إلغاءها أو منع التحدث بها يُعد اعتداءً على آية من آيات الله، وهو محرم شرعاً. 3. اللغات جميعها – عربية كانت أو غير عربية – متساوية في أصل الكرامة، ولا فضل للغة على أخرى لذاتها، بل للغة العربية فضل الاصطفاء للوحي. 4. تعلم اللغات الأجنبية مندوب ومستحب في الشريعة؛ لأنه وسيلة للتواصل مع الخلق، والدعوة إلى الله، وتولي المناصب القيادية، وزيادة العلم. 5. السيرة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين مليئة بالشواهد على ممارسة التعدد اللغوي واحترامه. 6. إن النظر إلى اللغات كآيات كونية يحول القضية اللغوية من صراع أيديولوجي إلى قضية عقائدية تتطلب من المؤمن حفظ لغته واحترام لغات الآخرين. ختاماً: يبقى قول الله تعالى هو الفاصل في هذه القضية، وقد قال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾. فكونوا من العالمين، لا من الجاهلين الذين يهينون ما لم يعلموا، أو يلغون ما لم يفهموا. د.قاسم كاباري كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية