حِينَما يُمَزِّقُ الْبَذْلُ غُيُومَ الْفَاقَةِ

حِينَما يُمَزِّقُ الْبَذْلُ غُيُومَ الْفَاقَةِ بقلم الأستاذ محمد محمود كالو في وجدان السيرة النبوية مواقفُ لا تقف عند حدود التاريخ، بل تتجاوزه لتكون مناراتٍ أخلاقية تُضيء دروب الإنسانية، ومن هذه المواقف المشهودة، ذلك المشهد المهيب الذي رواه الصحابي الجليل جرير بن عبد الله رضي الله عنه؛ حيث يضعنا وجهاً لوجه أمام مرآة النبوة الصافية التي تفيض رحمةً ورقة، وتتأثر لآلام المعوزين تأثّر الجسد الواحد بالحمى والسهر. إن هذا الحديث الشريف ليس مجرد توثيقٍ لحادثةِ فقرٍ عابرة، بل هو لوحة نابضة بالحياة، تتمازج فيها عاطفة القيادة الرحيمة بهبّة المجتمع المتكافل، فكأنّ المجتمع المسلم في هذا الموقف كان بنياناً يشدّ بعضه بعضاً، تحرّكت أركانه حينما أصاب العوز جزءاً منه، لتتجلى فيه عظمة التربية النبوية التي حوّلت ملامح البؤس والفاقة إلى إشراقة فرحٍ وبذل، صاغت للمسلمين قانوناً خالداً في المبادرة وصناعة المعروف. يَنقل لنا الصحابي الجليل جرير بن عبد الله رضي الله عنه هذا المشهد الذي يتجلى فيه أسمى معاني الإنسانية والتراحم، وتتحرك فيه العواطف الجياشة لتصنع من الفقر والفاقة لوحةً من البذل والعطاء، وهو كنزٌ من الدروس التربوية. يبدأ المشهد بدخول قوم من قبيلة مُضَر، قد أنهكهم الجوع وأعرى أجسادهم الفقر، فوصفهم الراوي البليغ بأنهم: (حُفاةٌ عُراةٌ، مُجتابي النِّمارِ أوِ العَباءِ) وهنا نرى حالهم؛ فقد كانوا يرتدون قطعاً من صوفٍ مخططة كجلد النمور، وقد خُرقَت في وسطها لتمرّ منها رؤوسهم، كأنهم في بؤسهم أشباحٌ تلفّها العواصف، أو غصونٌ عارية في مهبّ ريحٍ عاتية، وعلى الرغم من فقرهم المدقع، كانوا (مُتَقَلِّدي السُّيوفِ)، وفي هذا مفارقة عجيبة: كأنهم ليوثٌ هصورة تفترش التراب، وتحمل السلاح يداً وتمد الأخرى طَلباً للنجاة. أمام هذا المنظر المؤلم، اهتزَّ قلب الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم (فتَمَعَّرَ وجْهُ رَسولِ اللهِ) وتغير لونه حزناً وأسفاً، فكأن وجهه الشريف المرآة الصافية التي عكست آلام الأمة، وحين تغيّر، كان كالسماء الصاحية تصاب بالكسوف حزناً على الأرض. دخل وخرج كالمهموم، ثم خطب مستشهداً بآيات التقوى والوحدة الإنسانية، ثم قال: (تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دينارِه، مِن دِرهَمِه، مِن ثَوبِه، مِن صاعِ بُرِّه، مِن صاعِ تَمرِه، حتَّى قال: ولو بشِقِّ تَمرةٍ)، فكانت كلماته كالمطر الهاطل على القلوب القاسية فلينتها، وكصيحات الاستنهاض التي أيقظت في النفوس كوامن الخير. لم يكد النبي صلى الله عليه وسلم يُنهي حثّه على الصدقة حتى تحرك المجتمع كجسد واحد، فجاء رجل من الأنصار بصرة ذهبٍ أو فضة تكاد كفه تعجز عنها بل قد عجزت، كانت كفّه كالغيمة المثقلة بالخير، عجزت عن حمل ثقلها من شدة جودها. ثم تتابع الناس، وانفرط عقد الشُّح، وتتابع المسلمون في البذل، فكأنهم سيلٌ جارف هدم سدود الأنانية، أو كتتابع حبات العقد المنفرط في مسارعة الخيرات، حتى قال الراوي: (حتَّى رَأيتُ كَومَينِ مِن طَعامٍ وثيابٍ)، فتحول العدم إلى وجود، والقلة إلى كثرة، حتى صار الطعام والثياب كجبلين راسخين من الأمل يحجبان رؤية الفقر والفاقة. بعد أن تحول البؤس إلى رخاء، وتجلت روح الأخوة، التفت الرواة إلى وجه قائد الأمة: (رَأيتُ وجهَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَهَلَّلُ كَأنَّه مُذهَبةٌ)، هذا هو ذروة التشبيه في الحديث؛ حيث شبّه الراوي وجه النبي صلى الله عليه وسلم بالشيء المموّه بالذهب في بريقه، ولمعانه، وصفائه، فكأن وجهه المستدير المشرق بالفرح قد تحول من كآبة الحزن إلى شمسٍ دافئة تمزق غيوم الشتاء، أو كقطعة ذهبٍ صقيلة تبرق في رابعة النهار؛ ابتهاجاً برؤية أمته جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقف بالقاعدة الذهبية التي تضمن استدامة الخير: (مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً، فله أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بَعدَه، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن أُجورِهم شَيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً، كان عليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن أوزارِهم شَيءٌ) [رواه مسلم]. إن صاحب المبادرة الأولى ذاك (الأنصاري) كان بمثابة المفتاح الذي فُتحت به أبواب الرحمة، والشرارة الإيجابية التي أشعلت قناديل العطاء في المجتمع، فالمنفق الأول كالنبع البكر، تنبثق منه الأنهار، وكل من شرب أو سقى من ذلك النهر يرتد أثره وثوابه إلى النبع الأول، ليبقى المجتمع الإسلامي متكافلاً، تسوده المحبة، وتتلاشى في ظلاله الفوارق والفاقة. إن مشهد الفاقة الذي تحول بلمحةِ عينٍ إلى جبالٍ من العطاء، يبرهن على أن المجتمع المسلم لا تموت فيه نخوة التراحم ما دامت نبضات النبوة تُحيي ضميره، لقد غادر القوم المُضريّون المدينة وفي أيديهم الكفاف، لكنهم تركوا وراءهم للأمة بأسرها دستوراً أخلاقياً لا يَبلى، وقانوناً في التكافل الاجتماعي يتحدّى العصور. فكأنّ تلك الصدقات التي تتابعت لم تكن مجرد طعام وكساء، بل كانت خيوطاً ذهبية نسجت رداء الأمان للمجتمع بأكمله، ويظل التوجيه النبوي في ختام المشهد (مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً) بمثابة النهر الجاري الذي لا ينقطع تدفقه؛ يُعلمنا أن المبادرة إلى فعل الخير، وكسر حاجز التردد، هي الشرارة الأولى التي تضيء دروب الآخرين، فما أحوجنا اليوم إلى أن نستلهم من تهلّل الوجه النبوي غايتنا، ومن صُرّة الأنصاري قُدوتنا، ليبقى جسد الأمة واحداً، تتلاشى على أعتابه كُرُبات المحتاجين، وتشرق في ظلاله قيم البذل والأخوة. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية