مسائل من الفقه والأصول:

مسائل من الفقه والأصول: كيف يردّ الإمام مالكٌ أحاديثَ صحيحةً وهو إمام المحدثين؟ أقول وبالله التوفيق: الردّ على هذا التساؤل يحتاج بحثاً متخصصاً، لم يعد لدي قدرة على القيام به. بيد أنّ صفوة الجواب؛ تتلخص بالنقاط الآتية: أولاً: الإمامان أبو حنيفة ومالك؛ لا يمنحان (أحاديث الآحاد) تلك القدسية التي يضعها فيها الحنابلة، أوالشافعية؛ لأنهم يرونها أحاديث ظنية، توهّمُ الراوي في فهمها ثم في ضبطها وحفظها؛ وارد جدّاً. ثانياً: الإمام مالك يعرض الحديث الفردَ على القرآن الكريم، فإذا عارضه؛ ردّ حديث الآحاد الظني، ولا يقال هنا: إنه ردّ كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنما ردّ وهمَ الراوي. فإذا علم بوجود عاضدٍ آخرَ للحديث الفرد؛ اتّهم فهمَه، وأخذ بخبر الواحد. ثالثا: إذا جاء حديث مرفوع فرد مطلق صحيح الإسناد، عن واحد من الصحابة؛ نظر في المشهور من عمل الصحابة. فإن كان هذا الحديث موافقا لعملهم؛ أخذ به، وإلا ردّه؛ لأن عملهم على خلافه؛ دليل على وهم راويه، وعدم فهمه أو ضبطه. رابعا: إذا جاء خبر الواحد هذا موافقا لعمل أهل المدينة؛ أخذ به. وإن خالف عمل أهل المدينة؛ ردّه؛ لأن علمهم موروث عن علم الصحابة. وهناك قواعد اجتهادية أخرى؛ اعتمدها الإمام مالك، في قبوله أحاديث الآحاد، أو ردّها، منها: إذا خالف خبر الواحد القياس الجليّ. إذا خالف خبر الواحد مقاصد الشريعة. إذا خالف خبر الواحد سدّ الذرائع. إذا كان الحديث منسوخا في نظر الإمام مالك. إذا كان الحديث لا يعرفه مالك، بمعنى أنه غير معروف لدى علماء أهل المدينة المنورة. في جميع هذه الأحوال للإمام مالك نظر خاصّ عندما يقبل حديث الآحاد، أو عندما يردّه. وكما أسلفتُ في طليعة هذا المنشور؛ أنا عاجز عن توفية مثل هذا البحث الأصولي الفقهي الحديثي حقّه، بسبب أمراضي وأوجاعي. بيد أنني أحيل القارئ الكريم على كتابين مهمّين في هذا الموضوع: الأول: "دليل السالك إلى ضوابط نقد المتن في موطأ مالك" للدكتور عبدالسلام بن إبراهيم العزّوزي. والثاني: "مناقشات الشافعي للمالكية في موقفهم من السنّة" للدكتور إسماعيل بن رفعت فوزي. ففي قراءة الكتاب الأول؛ تتوضح للقارئ حقيقة موقف الحنفية والمالكية من الحديث النبوي "السنّة" تنظيراً وتطبيقا. وفي قراءة الكتاب الثاني؛ يتوضح للقارئ الكريم ردود الشافعية وأهل الحديث على الحنفية والمالكية. والمسائل الفقهية المشتركة بين الكتابين؛ كثيرة. لذا أنصح الباحث خاصةً، والقرّاء عموماً؛ أن يقرؤوا المسألة في الكتاب الأول. ثم يقرؤوا المسألة ذاتها في الكتاب الثاني. والفقير عداب قرأ كتاب "المناقشات" قبلَ سنوات طويلة. فلمّا اقتنيت الكتابَ الثاني؛ قمت بالذي أنصحكم به، بعد قراءة الدراسة النظرية بدقة في الكتابين. والله تعالى أعلم. والحمد لله على كل حال. الدكتور عداب محمود الحمش