الوعي والهوية وإشكالية الدولة في الخطاب العربي

الوعي والهوية وإشكالية الدولة في الخطاب العربي المعاصر تأملات في تجربة سبعة عقود من مذكرات الدكتور مروان أحمد بحري أولاً: استمرارية الأزمة لا تغيرها التفاصيل بعد تجربة امتدت لسبعة عقود من العمر، قضيت ستين منها في متابعة نقدية للواقع السياسي والاجتماعي العربي، أجد نفسي مضطراً لتقديم بعض التأملات التي قد تكون قاسية، لكنها تنطلق من حرص على الحقيقة لا من مجرد مرارة عابرة. ما نعيشه اليوم، على مستوى العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الدولة والأمة، لا يختلف في جوهره عما كان سائداً منذ ستينيات القرن الماضي، بل يعيد إنتاج إشكاليات أقدم تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. فالكثير من التحولات التي شهدناها – ثورات، انقلابات، انتصارات وهزائم – ظلت محصورة في دائرة إعادة ترتيب الأدوات لا تغيير الأصول. وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: هل نحن أمام أزمة أنظمة أم أزمة نموذج؟ ثانياً: إشكالية الحدود والهوية منذ مؤتمر سان ريمو واتفاقية سايكس-بيكو، رُسمت خرائط جديدة للمنطقة العربية قامت على تقسيم المجال الحيوي للأمة إلى كيانات منفصلة، تم تبريرها لاحقاً بفكرة "الدولة الوطنية". هذه الفكرة، رغم كونها إطاراً سياسياً معترفاً به دولياً، ظلت مثيرة للجدل في الخطاب القومي العربي، حيث اعتُبرت بديلاً عن مشروع الوحدة العربية. النقطة الأكثر حساسية هنا ليست في نقد الحدود التاريخية، بل في ملاحظة أن هذه الحدود تحولت مع الزمن إلى هويات مقدسة لا تقبل النقاش، وأصبحت وسيلة لتقسيم الطاقات العربية وتوجيهها نحو صراعات داخلية تخدم مصالح خارجية. ثالثاً: إشكالية التبعية والاستقلال ما يثير القلق ليس مجرد وجود تأثير خارجي في الشؤون العربية – فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية – بل تحول هذا التأثير إلى حالة من التبعية المنظمة التي تمس جوهر السيادة: السياسة، الاقتصاد، الجيش، وحتى التفاصيل الرمزية والثقافية. يمكن القول إن العديد من الأنظمة العربية لم تتمكن من تحقيق "استقلال القرار" بالمعنى الكامل، وظلت استراتيجياتها مرتبطة بشروط المانح الخارجي أو الحليف الإقليمي الأقوى، مما أدى إلى إنتاج حالة من الجمود السياسي تجعل أي إصلاح حقيقي أشبه بالمستحيل. رابعاً: ملامح أزمة الدولة العربية وصف بعض المفكرين الدولة العربية المعاصرة بأنها "دولة هشة" أو "دولة بدون مشروع". الأكثر دقة هو وصفها بأنها دالة على إرادة خارجية أكثر منها مستقلة، وهي إشكالية لا تتعلق بشخص الحاكم بقدر ما تتعلق ببنية العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين النظام السياسي والقوى الاجتماعية. غياب التداول الحقيقي للسلطة، وضعف المؤسسات، وتردي التعليم والوعي، كلها أعراض تعيد إنتاج التبعية وتجعل أي خروج عن النمط القائم مكلفاً سياسياً واجتماعياً. خامساً: نحو حلول عملية – دور الجامعة والمثقف لا يكفي النقد وحده، بل لا بد من تقديم أفق عملي. نقترح الخطوات التالية كمدخل لمعالجة جذور الأزمة: 1. تفعيل دور الجامعات كمنابر للوعي النقدي · إنشاء وحدات بحثية متخصصة في "نقد الخطاب السياسي العربي" و"تاريخ الحدود والتقسيمات"، بعيداً عن التقديس أو التحريم. · عقد مؤتمرات وورش عمل سنوية تناقش إشكاليات الدولة والهوية والتبعية بمشاركة باحثين من مختلف الدول العربية، وبحماية أكاديمية تمنع المساءلة السياسية للنقاش. 2. إصلاح مناهج التاريخ والتربية الوطنية · الانتقال من السردية الأحادية (تمجيد دولة بعينها أو زعيم بعينه) إلى تعليم "الوعي التاريخي النقدي" الذي يعرّف الطالب بكل الطبقات والروايات (الداخلية والخارجية) حول تكوّن الدول العربية وحدودها. · إدخال مادة إجبارية عن "تاريخ الاستعمار وتأثير التقسيمات" في كليات العلوم السياسية والآداب. 3. بناء استقلال أكاديمي تدريجي · تشكيل هيئات جامعية عربية مشتركة (مثل اتحاد جامعات) تضع ميثاقاً لحماية حرية البحث والنقد الأكاديمي، شرط أن يلتزم بالمنهجية العلمية والتوثيق. · إنشاء منصات نشر جامعية (دوريات، مدونات، قنوات رقمية) محصنة ضد التدخلات السياسية، تُعنى بنشر المقالات النقدية شرط تحكيمها من قبل لجان محايدة. 4. تشجيع مشاريع بحثية عربية مشتركة حول "المواطنة فوق الهويات الضيقة" · دراسة إمكانية تجاوز إشكالية الحدود عبر مشاريع اقتصادية وثقافية عابرة للحدود (أسواق مشتركة، جامعات متنقلة، برامج تبادل طلابي موسع) كمدخل لوحدة وظيفية لا تصطدم بالسيادة المباشرة. 5. محو الأمية السياسية للمواطن العربي · إطلاق حملات توعوية من قبل كليات الإعلام والتربية تشرح للمواطن الفرق بين "الولاء للوطن" و"الولاء للنظام"، وبين "الدفاع عن الحدود" و"تبني خطاب كراهية ضد الجيران". سادساً: تنويه هذا المقال هو مقال رأي يستند إلى تجربة شخصية ومقاربات نظرية في نقد الخطاب السياسي العربي. الآراء الواردة فيه تعبر عن وجهة نظري فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي الجامعة أو إدارتها أو أي جهة منتسبة. يهدف المقال إلى تحفيز النقاش العلمي الهادف حول إشكاليات الدولة والهوية، وليس إلى التحريض على تغيير الأنظمة أو إنكار الشرعية التاريخية لأي دولة عربية. نحن نقر بشرعية الدول العربية القائمة ضمن حدودها الحالية كواقع قانوني وسياسي، لكن ندعو إلى مراجعة نقدية لآليات اشتغال هذه الدول وعلاقتها بمشروع النهضة العربية الشامل. سابعاً: خاتمة – كلمة للجيل القادم ربما يكون المثل الشعبي الذي أُختتم به هذه التأملات معبراً عن جوهر الدعوة للوعي: "لا تقبل بالقسمة على أحزانك، ولا تكتفِ بما يُقسَم لك، بل اطلب حقك كاملاً حتى تشبع" ليس معناه التهجم على الآخر، بل دعوة للعودة إلى الذات، إلى نقد الأدوات، وإلى رفض الاستكانة لواقع لم نصنعه بأيدينا، وربما لم يعد يخدم أحداً سوى الذين ورثوا امتيازات التقسيم الأولى. هذه التأملات ليست بياناً سياسياً، بل هي شهادة جيل، ودعوة لنقاش أكاديمي جاد حول إشكاليات الدولة والهوية والتبعية في العالم العربي. وإذا كان للجامعة دور، فهو فتح مساحات للنقد البناء، بعيداً عن التبجيل أو التجريح، لأن الوعي لا يولد في الصمت، بل في المواجهة الصريحة مع الأسئلة المؤلمة، ومعه وحده يمكن بناء حلول ليست أجمل، بل أقوى. د.مروان بحري Mervan Bahri كلية العلوم السياسية