العدالة التي لاتلغى بقلم الدكتور نضال خلوف

العدالة التي لا تُلغى: كيف تتعامل الشريعة الإسلامية والقانون الدولي مع جرائم المجتمع الكبرى بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf مقدمة : تخيل قاتلاً ارتكب جريمة بشعة، ثم ندم وتاب توبة نصوحاً. بينما يرى البعض أن توبته يجب أن تمحو عقوبته، ترفع الشريعة الإسلامية والقانون الدولي معاً راية واحدة: "التوبة تغفر الذنب، ولكن لا تمحي المسؤولية". عندما ترتكب جريمة تهزُّ أمن المجتمع، تطرح قضية مصيرية: هل تكفي "التوبة" لمسح هذه الجريمة؟ الشريعة الإسلامية تجيب بـ "لا" في الجرائم الكبرى (جرائم الحدود). فالتوبة تغفر الذنب بين العبد وربه، لكن العدالة بين الناس تظل واجبة. هذا المقال يكشف التوافق المذهل بين هذه الحكمة الإسلامية ومبادئ القانون الدولي الإنساني، فكلاهما يرفع شعاراً واحداً: لا مكان للإفلات من العقاب. أولاً: لماذا العقاب رغم التوبة؟ حكمة تلتقي مع العدالة العالمية العقاب على جرائم الحدود ولو مع التوبة ليس قسوة،بل تحقيق لحكمة عليا: · الردع: حماية المجتمع: العقاب رسالة واضحة لكل من يفكر في ارتكاب الجريمة: "ستحاسب". هذا هو نفس مبدأ "الردع" في القانون الدولي الذي يهدف لمنع تكرار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. · العدالة للضحايا: الجريمة الكبرى ليست خطيئة شخصية فحسب، بل اعتداء على حقوق الضحايا والمجتمع ككل. العقاب هو استيفاء لهذه الحقوق، تماماً كما ينص القانون الدولي على "حق الضحايا في العدالة". · حماية النظام العام: المجتمعات لا تبنى على التسامح مع كل الجرائم، بل على ثقة الناس في أن النظام يحميهم. العقاب يحفظ هذه الثقة وهيبة القانون، سواء كان القانون الوطني أو القانون الدولي. · فصل المسؤوليات: الشريعة تميز بحكمة بالغة بين "حق الله" في المغفرة الذي تقبله التوبة، و"حق العباد" في العدالة الذي توفره العقوبة. وهذا يشبه التمييز في القانون بين المسؤولية "الأخلاقية" والمسؤولية "القانونية". ثانياً: جرائم تهزُّ الضمير العالمي: التقاء في التصنيف نلاحظ تشابهاًلافتاً في نظرة النظامين لأخطر الجرائم: · في الشريعة: جرائم الحدود (كالسرقة والزنا والقذف) تعتبر انتهاكاً مزدوجاً: لحق الله (النظام العام) وحقوق العباد (الأفراد). · في القانون الدولي: جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تعتبر أيضاً انتهاكاً مزدوجاً: للنظام العام الدولي ولحقوق الضحايا الإنسانية. وفي كلا النظامين، الاعتذار أو التوبة، رغم قيمتهما الأخلاقية، لا يلغيان المساءلة القانونية. فالعدالة لا تُباع ولا تُشترى. ثالثاً: عواقب أوسع من العقاب الجسدي: العدالة الشاملة عقوبة جرائم الحدود لا تتوقف عند الجلد أو غيره،بل تمتد إلى: · سقوط العدالة (الفسق): الذي يترتب عليه عدم أهلية الشخص لتولي المناصب العامة التي تتطلب الثقة والنزاهة. · في القانون الدولي: يحرم المجرمون الدوليون من تولي المناصب الرسمية، وقد تُسحب منهم بعض الحقوق السياسية. وهنا تتجلى الحكمة مرة أخرى: فالمجتمع يحمي نفسه من خلال استبعاد من أثبت عدم أهليته للأمانة. التوبة هنا تكون طريقاً لإعادة الدمج الاجتماعي والأخلاقي للفرد، لكنها لا تمحي آثار الجريمة على المجتمع. رابعاً: التوبة ووظيفتها: لماذا لا تكفي وحدها؟ من الخطأ الفهم أن الشريعة تجاهلت قيمة التوبة.بل ميزت بوضوح بين: · دور التوبة على المستوى الفردي (الأخروي): فهي مقبولة تماماً ويترتب عليها مغفرة الله عز وجل وثوابه، وهذا هو الأهم للمؤمن. · دور التوبة على المستوى الاجتماعي (الدنيوي): هنا، العدالة لها متطلباتها. فالمجتمع لا يمكنه أن يحكم بنوايا القلوب، بل بالأفعال والنتائج. التوبة تصلح القلب، لكن العقوبة تصلح الأرض وتردع الآخرين وتؤكد حرمة القانون. هذا التمييز يجعل النظام قادراً على الجمع بين الرحمة بالفرد و العدالة للمجتمع، وهو ما يتوافق مع فلسفة القانون الحديث الذي يفصل بين "الندم" كعامل مخفف، و "المساءلة" كأصل ثابت. خامساً: الردة وحدود الحرية: منظور متوازن موضوع الردة حساس،ويمكن فهمه في إطار أوسع: · في الشريعة: تجريم الردة ليس عقاباً على تغيير الاعتقاد الشخصي، بل هو حماية للنظام العام المجتمعي من "التحريض العلني" الذي قد يهدد أمنه وتماسكه. · في القانون الدولي: يحق للدول تجريم الخطاب الذي يحض على الكراهية أو العنف الذي يهدد الأمن الوطني، مع التأكيد على احترام حرية الاعتقاد الفردية. الفارق الجوهري هو التمييز بين حرية الضمير (وهي مصونة في الإسلام) وبين الإعلان العام والتحريض الذي قد يتحول إلى فعل يهدد السلم المجتمعي. خاتمة : يكشف لنا هذا التحليل أن العدالة الحقيقية ليست عمياء،بل هي متوازنة. الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني، رغم اختلاف مصادرهما، يجتمعان على مبدأ إنساني عظيم: الرحمة للفرد لا يجب أن تضحي بعدالة المجتمع. الشريعة تضمن من خلال عقوبة الحدود – حتى مع التوبة – تحقيق العدالة الدنيوية وردع الظلم، مع ترك الباب مفتوحاً للمغفرة الأخروية. بينما يسعى القانون الدولي لتحقيق المساءلة مع إمكانية إعادة تأهيل الجناة لاحقاً. أخيراً، لا يكتفي هذا التقارب بين النظامين في كشف حكمة التشريع الإسلامي فحسب، بل يقدم رسالة عالمية: إن أسس العدالة الإنسانية واحدة. فكما أن المجتمع الدولي لا يقبل اعتذار مجرم حرب كافياً للعفو عنه، فإن المجتمع المسلم لا تهاون في حقوق أفراده وأمنه. وفي هذا إعلاء لكرامة الضحايا وحماية للمستضعفين في كل مكان. إنها عدالة لا تتناقض مع الرحمة، بل ترسم لها حدوداً، لتذكرنا أن غفران السماء لا يلغي عدالة الأرض. مع تحيات كلية القانون الدولي Generations and Technology University