سَكْبُ الرَّحَمَاتِ فِي مَشْهَدِ عَرَفَاتِ حينَ تفيضُ السماءُ بالمغفرة في ذلك الموقفِ المهيبِ الذي تتزلزلُ له القلوبُ خشوعًا، وقفَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَرَفاتٍ، والكونُ كلُّه يُصغي في سكونٍ واجلال، كانتِ الشَّمسُ تدنو من مَغيبِها، وتَكادُ أنْ تَؤوبَ وتَغربَ كأنَّها مودِّعٌ يَطوي بساطَ يومٍ حافلٍ بالدموعِ والرجاء. وفي تلك اللحظةِ الحاسمةِ، التفتَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى بلالٍ وقال: (يا بلالُ أنصِتْ لي الناسَ) فقامَ بلالٌ ناداهُم: أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتفعَ صوتُه في الآفاقِ كأنه جرسُ طمأنينةٍ يَقرعُ في قلوبِ الحيارى، فصَمتتِ الجموعُ الهادرةُ، وسادَ الصَّمتُ كأنَّ على رؤوسِهمُ الطَّيرَ، تترقبُ النفوسُ الكلمةَ الفصلَ من فَمِ الصَّادقِ المَصدوقِ. التفتَ الرَّسولُ الرَّحيمُ إلى أمتِه وقال: (معاشرَ الناسِ، أَتاني جِبْريلُ آنِفًا، فأَقْرَأَني من ربِّي السلامَ، وقال: إنَّ اللهَ غفَرَ لأهلِ عَرَفاتٍ، وأهلِ المَشعَرِ، وضَمِنَ عنهمُ التبِعاتِ) تخيل معي مشهدَ المغفرة، لقد نزلتْ هذه البُشرى على قلوبِ الصَّحابةِ كالغيثِ الهتَّانِ الذي يُحيي الأرضَ الميتةَ بعد طولِ جفاف، لم تكنْ مجردَ مغفرةٍ للذنوبِ فحسب، بل إنَّ اللهَ عز وجل بعظمتِه وكرمِه تكفَّلَ بتبِعاتِ العبادِ ومظالمِهم، فمسحَ عن عواتقِهم أثقالَ السنينِ كأنَّها غبارٌ نَفَضتْه كفُّ الرَّحمةِ. وهنا، لم يملكْ عُمرُ بنُ الخطَّابِ بقلبِه النابضِ بالغيرةِ واللَّهفةِ إلا أنْ يقومَ مستفسرًا: "يا رسولَ اللهِ، هذا لنا خاصَّةً؟". فجاءَه الجوابُ النَّبويُّ الأوسعُ من الأفقِ: (هذا لكم ولمَن أتى من بعدِكم إلى يومِ القيامةِ). ففاضتْ روحُ الفاروقِ فرحًا، وانطلقَ لسانُه بكلمةٍ خُلدتْ في التاريخِ: "كَثُرَ خيرُ اللهِ وطابَ". لقد أدركَ عُمرُ أنَّ فضلَ اللهِ تعالى كالبحرِ الزاخرِ لا ينقُصُ مهما غَرَفتْ منه الأممُ. ولم يقفِ العطاءُ عند هذا الحدِّ، بل صوَّرَ لنا النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مشهدًا تَقشعرُّ له الأبدانُ إجلالاً، فقال: (ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ضاجِّين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي...) لقد جاءَ الحَجيجُ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، تاركينَ وراءَهم زينةَ الدنيا، صبغتْهم غبرةُ السَّفرِ وشَعثُ الموقفِ، لكنَّ هذا الشَّعثَ والغبَارَ كان عند اللهِ تعالى أبهى من تيجانِ الملوكِ، وأجملَ من أثوابِ الحريرِ؛ لأنَّه غبارُ العبوديةِ الخالصةِ، وقفوا ضاجِّينَ بالدُّعاءِ، تتوحدُ أصواتُهم واختلافُ لغاتِهم كأنَّها سيمفونيةُ تضرُّعٍ كبرى تَهزُّ أركانَ الكونِ، يَرجونَ رحمةً لم يَرَوها، ويخافونَ عذابًا لم يَعاينوه. وفي ختامِ ذلك اليومِ المشهودِ، يتجلَّى الكرمُ الإلهيُّ في أبهى صُورِه، حيثُ (فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاً من النار، من يوم عرفة). تنفتحُ أبوابُ الجحيمِ لتُغلقَ في وجوهِ التَّائبين، وتتحطمُ أغلالُ الذنوبِ عن رقابِ العبادِ كتكسُّرِ القيودِ الصَّدئةِ عن الأسرى والمساجين، ليخرجوا من ذلك اليومِ أحرارًا طاهرين، كأنَّهم وُلدوا من جديدٍ بصفحاتٍ بيضاءَ كالثَّلجِ ناصعةِ البياضِ. إنَّه يومُ عرفة، يومٌ تَتصاغرُ فيه الدنيا، وتَعظمُ فيه الرَّغبةُ فيما عند الله تعالى، وتتجلى فيه رحمةُ ربِّ العالمين كالشَّمسِ في رابعةِ النَّهارِ، لا تَحجبُها غيومُ الخطايا مهما كبُرتْ. وفي غمرةِ ذلك الموقفِ الجليلِ، والقلوبُ واجفةٌ والعيونُ شاخصةٌ، أرشدَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمتَه إلى كنزِ ذلك اليومِ الثمينِ ومفتاحِه الأعظمِ، فقالَ: (خيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عَرَفةَ، وخَيرُ ما قُلْتُ أنا والنبيُّونَ من قَبْلي: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ، وله الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ). وهنا يقفُ اللبيبُ متأملاً: كيف تكونُ هذه الكلمةُ العظيمةُ -وهي ثناءٌ وتوحيدٌ- أفضَلَ الدُّعاءِ؟ إنَّ سِرَّ أفضليتِها يكمنُ في عُمقِ مَبناها وجلالِ مَعناها؛ فقد جَمعتْ هذه الكلماتُ النَّورانيةُ مَجامعَ القَبولِ، لاشتمالِها على أفضلِ الذِّكرِ وهو كلمةُ التوحيدِ "لا إله إلا الله" التي تتدفقُ في عُروقِ المؤمنِ كالدَّمِ المتدفق بالحياةِ، ولاشتمالِها كذلك على أفضلِ الدُّعاءِ وهو "الحمد لله"، فامتزجَ الثناءُ بالخضوعِ، فكانتْ هذه الكلمةُ في يومِ عرفة أعظمَ أجرًا، وأكثرَ بركةً، وأقربَ إجابةً، تُفتحُ لها أبوابُ السَّماءِ كشُعاعِ نورٍ يَخترقُ حُجبَ الظَّلامِ ليصلَ إلى عرشِ الرَّحمنِ. ولكي يَكتملَ فقهُ العبدِ في هذا اليومِ المشهودِ، بَيَّنَ العلماءُ أنَّ الدُّعاءَ ليسَ على وجهٍ واحدٍ، بل هو جَناحانِ يَطيرُ بهما العبدُ إلى رحابِ ربِّه: دعاءُ مسألةٍ، ودعاءُ ثناءٍ. أولًا: دعاءُ المسألةِ (بوَّابةُ الطَّلبِ والافتقارِ): وهو أنْ يَقفَ العبدُ بالبابِ، يَبسطُ كفَّ العَوزِ والحاجةِ، ويَسألُ ربَّه ويَطلبُ منه ما يَنفعُه في دنياه وأخراه، أو يَستعيذُ به ليدفعَ عنه ما يَضرُّه. تراهُ يَهتفُ بلسانِ الاضطرارِ: "اللهمَّ اغفرْ لي"، "اللهمَّ ارزقْني"، "ربِّ اشرحْ لي صدري"، فتخرجُ كلماتُه كاللَّهفاتِ الصَّادقةِ من قلبٍ مَكلومٍ، ترفعُها دموعُ الرَّجاءِ كقَطَراتِ النَّدى التي تَستجدي غَيثَ السَّماءِ. ثانيًا: دعاءُ الثَّناءِ (مِحرابُ الإجلالِ والمحبةِ): وهو المَقامُ الأسمى، حيثُ يَتوجَّهُ العبدُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بالتحميدِ والتَّمجيدِ والتَّسبيحِ، ويَذكرُ أسماءَه الحُسنى وصفاتِه العُلى، مُظهرًا فقرَه التَّامَ وعجزَه، دونَ أنْ يَسألَ حاجةً مُباشرةً بلفظِ السُّؤالِ، إنَّه يكتفي بمَدحِ الكريمِ عِلمًا منه بأنَّ الكرمَ الإلهيَّ يَفيضُ على المادحينَ قبلَ السَّائلينَ، فإذا قالَ العبدُ: "سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ سبحان الله العظيم"، أو "الحمدُ للهِ حَمدًا كثيرًا طيِّبًا مُباركًا فيه"، سارتْ هذه الكلماتُ في رُوحِه كالماءِ الزُّلالِ يَغسلُ كدَرَ النَّفسِ، لتصلَ إلى مَسامعِ الملأِ الأعلى ثناءً عاطرًا يَليقُ بجلالِ وجهِهِ وعظيمِ سلطانِهِ. فما أجملَ أنْ يَجمعَ الحجِيجُ والمؤمنونَ في ذلك اليومِ بينَ الجَناحينِ؛ يثنونَ على اللهِ تعالى بتاجِ الذِّكرِ "لا إله إلا الله"، ويَسألونَه بقلوبٍ خاشعةٍ، ليعودوا من عَرَفاتٍ وقد غَسلتِ الرَّحماتُ قلوبَهم، وطهَّرتِ النَّفحاتُ أرواحَهم، فكأَنَّما حِيزتْ لهمُ الدُّنيا والآخرةُ في يومٍ واحدٍ. خَيْرُ يَوْمٍ فِي العَطَايَا عَرَفَةْ مَوْسِمٌ يَسْمُوْ بِهِ مَنْ عَرَفَهْ! يَا لَهُ مِنْ مَوْقِفٍ سَامٍ… وَيَا لَيْتَ أَنِّيْ كُنْتُ مِمَّنْ وَقَفَهْ! وفي ذلك المَشهدِ النَّبويِّ التاريخيِّ، وبينما كانتْ غُيومُ الرَّحماتِ تُظلِّلُ الوُجوهَ الخاشعةَ، تنزَّلتْ من فوقِ سبعِ سماواتٍ آيةٌ كانتْ بِمثابةِ التاجِ الذي وُضِعَ على رأسِ الرِّسالةِ، والوثيقةِ الإلهيَّةِ الخالدةِ التي أعلنتْ كمالَ البناءِ وتمامَ النِّعمةِ، تنزَّل قولُ الحقِّ تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} نزلتْ هذه الآيةُ العظيمةُ على رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو واقفٌ بعَرَفاتٍ، يَمخرُ عُبابَ الدُّعاءِ والتضرُّعِ في يومِ جُمعةٍ، فكانَ النُّزولُ في زمانٍ ومكانٍ كأنَّهما لؤلؤتانِ التقتا في صَدَفةِ التَّاريخِ؛ لتُعلنَ للعالمينَ أنَّ بنيانَ الإسلامِ قد تَمَّ واستوى على سُوقِه، فلا نَقْصَ يَعتريهِ، ولا زيادةَ تَشينُه، بل هو شريعةٌ كاملةٌ كالرَّبِيعِ المزهرِ لا يَذبلُ على مَرِّ العُصورِ. ولَم يكنْ جلالُ هذه الآيةِ خافيًا حتَّى على غيرِ المسلمينَ ممَّن أُوتوا عِلمًا بالكُتبِ السَّابقةِ؛ فقد جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهودِ إلى أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، وفي عينيهِ دَهشةُ المتأمِّلِ، فقال: "يا أميرَ المُؤمِنينَ، آيةٌ في كِتابِكُم تَقرَؤونَها، لو علينا نَزَلَت -مَعشَرَ اليَهودِ- لاتَّخَذنا ذلك اليومَ عيدًا". تساءلَ عُمرُ بوعيِ القائدِ المُلْهَمِ: "وأيُّ آيةٍ؟". فقرأَ اليهوديُّ آيةَ الإكمالِ: {اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دينَكُم...}، كأنَّه يَغبِطُ هذه الأمةَ على صَكِّ الأمانِ والفَخارِ الذي حَظِيتْ به في كتابِ ربِّها. فجاءَ ردُّ الفَاروقِ عُمرَ حاسمًا، يَفيضُ بالفخرِ واليقينِ، لِيُبيِّنَ له أنَّ المسلمينَ لم يَغفلوا عن قَدرِ هذه الآيةِ ولا عن عظمةِ زَمانِها، بل إنَّهم يَعِيشونَ دلالاتِها عيدًا فوقَ عيدٍ، فقالَ: "إنِّي لأعلَمُ اليومَ الذي نَزَلَت فيه، والمَكانَ الذي نَزَلَت فيه، نَزَلَت على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَرَفاتٍ في يَومِ جُمُعةٍ". لقد نزلتِ الآيةُ في يومِ عرفة -وهو عيدُ أهلِ الموقفِ- وفي يومِ الجمعةِ -وهو عيدُ الأسبوعِ للمسلمينَ-، فالتقتْ في ذلك اليومِ أنوارُ الوحيِ ببركاتِ الزَّمانِ وشرفِ المكانِ، لِتَبقى تلك البُشرى كالشَّمسِ الشَّارقةِ في سَماءِ الإسلامِ؛ تُذكِّرُ الأمَّةَ بأنَّها تتقلَّبُ في نِعمةٍ تامَّةٍ، ودينٍ كاملٍ، رَضِيَهُ اللهُ تعالى لها من فوقِ عَرشِهِ العظيمِ، وجَعَلَهُ مِسكَ خِتامِ الرِّسالاتِ إلى يَومِ الدِّينِ. اللهم يا مَن بسطتَ في يوم عرفة أرديةَ الرحمة، ونشرتَ في أرجائه سحائبَ المغفرة؛ نسألك أن تغمرنا جميعاً بفيضٍ من رحماتك التي لا تغيض، وأن تجعلنا ممن تغلغلت في قلوبهم أنوارُ هذا اليوم، فمُحِيَت بها غواشي الذنوب، وجُلِيت بها صدى القلوب. اللهم يا مُحققَ الرجاء، ويا غايةَ الآمال، اجعل آمالنا فيك بحرًا لا ساحل له، تُشرقُ شمسه بتمامِ القبول، وتصبُّ في مصبِّ الإجابة. ارفعنا من مَهاوي الغفلة إلى معارج القرب، وحقق لنا من المنى ما تَقَرُّ به الأعينُ وتطمئنُّ به النفوس. اللهم إن هذا اليومَ مِيدانُ العتقِ من النيرانِ، فاجعلنا فيه مِمن كُتبت أسماؤهم في ديوانِ العتقاء، مَن اعتقتَ رقابهم من لهيبِ الخطايا، وغسلتَ صحائفهم بماءِ التوبةِ الصافي، حتى صاروا بفضلك أصفياءَ مُصطفين، تترددُ في أرواحهم أصداءُ القبول، وتغشاهم سكينةٌ لا نفاذ لها، يا أكرمَ الأكرمين يارب العالمين 🤲🕋 الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا