سَاعَةً وَسَاعَةً قِرَاءَةٌ فِي حَديثِ حَنْظَلَة في فضاء التربية النبوية العالية، حيث تُبنى النفوس على الصدق المحض ومراقبة الخواطر، دارت فصول قصة نفسية فريدة، تروي أدب الصحابة الكرام في محاسبة الذات، وحكمة القائد العظيم صلى الله عليه وسلم في ضبط مسارات الفطرة البشرية، إنها قصة الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي رضي الله عنه، أحد كُتّاب الوحي، حين التقى بالصديق أبي بكر رضي الله عنه مروعاً، يطلق صيحته المدوية: «نَافَقَ حَنْظَلَة!». صُعق الصديق من جلال الكلمة وسأل مستفسراً، فأفصح حنظلة عن ذاك التنازع الوجداني الذي يمر به: (نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا)، ولم يملك الصديق أمام هذا الصدق إلا أن يشاركه الهمّ قائلاً: (فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا). انطلق الرجلان إلى مشكاة النبوة، وبثّ حنظلة شكواه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه الجواب النبوي الحكيم ليرسم الميزان الدقيق للنفس الإنسانية، مهدئاً من روعهما: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-). لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات دستوراً تربوياً واقعياً؛ فالإسلام لا يطلب من الإنسان أن ينسلخ من بشريته ليتحول إلى ملاك لا يغفل، بل يدرك أن للنفس إقبالاً وإدباراً. إن الفتور البشري بعد الشحن الروحي ليس نفاقاً، بل هو استراحة المحارب، وقضاء لحقوق الجسد والأهل والأرض، لتستقيم حياة الإنسان بميزان العدل والوسطية. يجسد هذا الحديث الشريف توازناً دقيقاً بين متطلبات الروح وأشواقها، وحاجات الجسد وهمومه، ويمكن تصوير أبعاد هذا المشهد بما يلي: • القلب في مجلس النبوة كالعصفور المحلق في أعالي السماء، حين يكون الصحابة في حضرة المصطفى، تحلق أرواحهم كالعصافير الحرّة في سماوات اليقين؛ تنجلي عن عيونهم حجب المادة، ويرون الجنة والنار رأي عين بنور الوحي، متحررين من ثقل الطين وقيود الأرض. • مخالطة الدنيا كالمرفأ الذي تستريح فيه السفينة، إن العودة إلى الأولاد والأزواج والضيعات تشبه عودة السفينة المبحرة في أعالي البحار الروحية إلى المرفأ الدافئ لتتزود بالطاقة؛ فملاعبة الأولاد ومباشرة الأعمال ليست هبوطاً، بل هي نزول حكيم إلى الأرض لعمارة الأرض والحياة. • شبّه النبي صلى الله عليه وسلم حالة الدوام الروحي المطلق بحالة الملائكة؛ فلو صفت النفوس في كل دقيقة كصفائها في مجالس الذكر، لغدت كالزجاج البلوري الشفاف الذي تتراءى من خلاله عوالم الغيب، ولتنزلت الملائكة تصافح البشر في الطرقات والبيوت جهاراً نهاراً. • منهج "ساعة وساعة" كالبندول المتأرجح في اتزان دقيق، يشبه هذا المنهج النبوي حركة البندول المتزنة؛ يذهب نحو اليمين (شحن الروح بالذكر والعبادة)، ثم يعود نحو اليسار (قضاء حاجات النفس ومخالطة الأهل) دون إفراط أو تفريط، ليظل نبض الحياة مستقراً وصحيحاً. إن هذا التوجيه النبوي قطع الطريق على الشيطان الذي يحاول أن يلبس على المؤمنين دينهم بوسواس النفاق عند حدوث الفتور الطبيعي، فليس منافقاً من يضحك مع زوجه، أو يسعى في كسب عيشه، أو يمزح مع طفله، ما دام يؤدي حقوق الله تعالى ويقف عند حدوده. إنما النفاق هو اختلاف الباطن والظاهر في أصل الإيمان، أما تنقل القلب بين الحضور والفتور فهو طبع البشر وسنتهم. ستبقى كلمة «سَاعَةً وَسَاعَةً» بلسمًا يداوي قلوب السائرين إلى الله تعالى عبر الأجيال، تذكرهم بأن هذا الدين متين ولن يشاده أحد إلا غلبه، لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعيش بقلوب تشتاق إلى السماء، ولكن بأقدام ثابتة تمشي على الأرض؛ نغرس الشجر، ونبني الأسر، ونعمر الكون، متدثرين برداء العبودية لله تعالى في كل ساعة وحال، لتظل أرواحنا موصولة بالعرش، ونفوسنا مطمئنة ببركة الوسطية والاعتدال. أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology جامعة أجيال وتكنولوجيا