بريطانيا وأمريكا سلَّمتا العراق إلى إيران على طبق من ذهب.. قصة الانهيار الكبرى الدكتور محمد نضال هادي خلوف كلية العلوم السياسية والقانون الدولي مقدمة: لماذا انهار العراق بعد 2003؟ عندما سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد، لم يكن العراقيون يعرفون أنهم يشهدون لحظة انهيار دولة وليس نهاية ديكتاتور. ما جرى بعد ذلك لم يكن "تحريرًا" كما روّج له الغرب، بل كان مشروعًا مدروسًا بعناية لهدم الهوية الوطنية العراقية وبناء دولة جديدة على أسس طائفية هشة. واليوم، وبعد عقدين من الكارثة، جاء السفير البريطاني في العراق ليكشف الحقيقة التي طالما تحدث عنها المحللون: الغرب — أمريكا وبريطانيا — هو من سلَّم الحكم للشيعة بعد الاحتلال. لم يكن هذا "اختيارًا عراقيًا"، بل كان قرارًا استراتيجيًا غربيًا بامتياز. الفصل الأول: تفكيك الدولة العراقية.. الجريمة الكبرى أول قرارات الاحتلال كانت الأكثر جنونًا وتدميرًا: إسقاط الدولة العراقية بالكامل. ليس فقط النظام السياسي، بل كل مؤسسات الدولة: · حل الجيش العراقي: ثالث أكبر جيش في العالم آنذاك، تحول بين ليلة وضحاها إلى ملايين العاطلين عن العمل، الكثير منهم حمل السلاح لاحقًا ضد الاحتلال. · اجتثاث البعث: قرار طال مئات الآلاف من المدرسين والأطباء والمهندسين والموظفين، لمجرد انتمائهم لحزب كان العمل فيه إجباريًا للبقاء في وظيفتك. · حرق المؤسسات: أرشيف الدولة، السجلات المدنية، ملفات الملكيات، كلها أتلفت أو نهبت. هذا لم يكن "تطهيرًا من الديكتاتورية" بل كان عملية تدمير ممنهجة لأي إمكانية لاستمرار الدولة. النتيجة؟ فراغ رهيب ملأته الميليشيات والعصابات. الفصل الثاني: المحاصصة الطائفية.. وصفة الفساد والانهيار بدلًا من بناء نظام قائم على المواطنة، اختار بريمر وساسته نظامًا قائمًا على المحاصصة: · رئيس الوزراء شيعي. · رئيس الجمهورية كردي. · رئيس البرلمان سني. · وكل منصب وزاري يُقسَّم بالهوية. هذا النظام لم يولد من رحم المجتمع العراقي، بل صُمم في واشنطن ولندن. الهدف كان واضحًا: إضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وجعل كل طائفة تعيش في قوقعة، تتنازع على الغنائم بدلًا من بناء وطن. النتيجة المباشرة: فساد مستشرٍ لم تعرف المنطقة مثله. وزارات بلا خدمات، ميزانيات تتبخر في حسابات خارجية، وأبناء المحاصصة يبنون القصور بينما الشعب يعاني من انقطاع الكهرباء وشرب الماء الملوث. الفصل الثالث: إيران.. المستفيد الأكبر من "الخطأ الغربي" المفارقة التي ستظل عارًا على الاستراتيجية الغربية: الحرب التي قالوا إنهم خاضوها لـ"الحد من النفوذ الإيراني" أتت بإيران إلى قلب بغداد على طبق من ذهب. كيف حدث ذلك؟ لأن النظام الطائفي الذي أقامه الغرب أعطى الشيعة أغلبية ساحقة في السلطة. وكانت إيران — القريبة جغرافيًا والأقوى تنظيمًا — أول من استغل هذه الفرصة الذهبية. فتحت حدودها، دعمت الأحزاب الشيعية بمالها وسلاحها ومستشاريها، حتى أصبحت مفاصل الدولة العراقية (الداخلية، الحشد الشعبي، المكاتب السياسية الكبرى) تحت إمرة طهران. اليوم، إيران تتحكم بالقرار العراقي أكثر مما تتحكم به واشنطن. والسبب؟ الغرب هو من فتح الباب لها. الفصل الرابع: التصفيات والفوضى.. المجزرة الصامتة أثناء انشغال العالم بمشاهد تفجيرات السيارات والعبوات الناسفة، حدثت جريمة أقل ظهورًا لكنها أكثر تأثيرًا: الاغتيالات المنظمة للكفاءات السنية. آلاف من العلماء والأطباء والأساتذة والمهندسين والقضاة والضباط — من أهل السنة — قُتلوا أو اغتيلوا أو هُجروا. لم يكن هذا فوضى عابرة، بل كان عملية ممنهجة لتفريغ العراق من نخبه العلمية والمهنية، وتغيير ديموغرافي وثقافي عميق. النتيجة: مجتمع يائس، هجرة جماعية لأصحاب العقول، واستبدال الكفاءة بالولاء الطائفي في كل موقع حساس. الفصل الخامس: الندم المتأخر.. الغرب يدرك خطأه اليوم، وبعد أن أصبح العراق ساحة صراع دولي، ومصدرًا لعدم الاستقرار، ودولة فاشلة بأي مقياس، بدأت أمريكا وبريطانيا تدركان حجم الخطأ الاستراتيجي الكارثي. لقد فقدت واشنطن هيبتها في المنطقة، وأصبح النفوذ الأمريكي في أضعف حالاته. وحليفتها بريطانيا لم تعد تملك أي وزن حقيقي في السياسة العراقية. والمشروع الغربي برمته في الشرق الأوسط — القائم على هدم الدول وتفكيك المجتمعات لبناء "شرق أوسط جديد" — انهار في الوحول العراقية. الخلاصة: دروس لا تُنسى ما حدث في العراق بعد 2003 هو واحد من أكبر الإخفاقات الاستراتيجية في التاريخ الحديث. جمع بين: · الغطرسة الغربية: الاعتقاد بأنه يمكن إعادة تشكيل مجتمع معقد بالقوة العسكرية. · الجريمة السياسية: تفكيك دولة بحجة "تغيير نظام" ثم تركها فريسة للفوضى. · الجهل بالمنطقة: فهم سطحي لتركيبة المجتمع العراقي، فأنتج نظامًا طائفيًا كارثيًا. العراق اليوم يدفع الثمن: ملايين القتلى والجرحى، دمار بمليارات الدولارات، ومستقبل غامض لأجيال لن تعرف معنى "الدولة القوية". أما بريطانيا وأمريكا، فقد خرجتا من هذه المغامرة بسمعة مدمرة وإرث من الكراهية. لكن الأهم: لقد أثبتتا للعالم أن الاستعمار الجديد، بأثوابه الديمقراطية المزيفة، لا يقل وحشية وتدميرًا من الاستعمار القديم. هل تعلم الغرب الدرس؟ الأحداث في أفغانستان وسوريا وليبيا تقول: لا، لم يتعلم بعد. "الشعوب التي لا تتعلم من ماضيها، محكوم عليها بتكراره".. لكن مأساة العراق أن الغرب هو الذي يدفع الثمن، والعراقيون هم الذين يحترقون. د.نضال خلوف Nedal Khalouf