من وحي الواقع بقلم الدكتور محمد سعيد السلمو

#من_وحي_الواقع الاستدلال على فساد بعض المشايخ أو صلاحهم من خلال بيوتهم وأموالهم استدلال مضطرب، لأن الغنى في ذاته ليس تهمة، كما أن الفقر في ذاته ليس شهادة تزكية. وقد رأيت من ينشر صور بيت الشيخ الفلاني كأنما أصبحت الجدران أدلة، والأثاث براهين، والمال قرينة إدانة. نعم، نحن ضد الإسراف والتبذير، وضد الترف الذي يفسد النفوس ويورث الكبر والغفلة، ولكن ما المانع أن يكون العالم أو الشيخ صاحب مال؟ ولماذا يُراد للإمام دائما أن يكون أفقر الناس حتى يصدق الناس صلاحه؟ كأن الفضيلة لا تثبت إلا بالحرمان، وكأن الحاجة أصبحت عند بعض الناس شرطا من شروط القبول. وقد عشنا زمن الإمامة ورأينا كيف كان كثير من الناس يلمزون كل شيخ مرفه، حتى كأن المطلوب من الإمام أن يكون أشد فقرا من المصلين جميعا، وأن يعيش من ضيق إلى ضيق، ومن حاجة إلى حاجة، ليحوز في أعينهم منزلة الورع. والحق أن أكثر الناس يتمنون بيتا يأويهم، وسيارة تكفيهم، وحياة فيها قدر من الراحة والكفاية. فما المانع أن ينال طالب العلم ذلك؟ بل إن الكفاية في كثير من الأحيان باب للاستقرار والتفرغ، ووسيلة للاستغناء عن ذل التنقل، ومرارة الآجار، وضيق المساكن التي تُجعل للأئمة والخطباء، في حين لا يرضى كثير ممن أشرفوا على بنائها أن يسكنوا مثلها. لكن المذموم ليس أصل المال، بل عبودية المال. وليس المعيب أن يملك الإنسان، وإنما أن يملكه ما يملك. وقد عرفت في حلب تجارا من أهل الثراء واليسار، لا أذكر أسماءهم حفظا للخصوصية، كانوا إذا اشتهوا أمرا نظروا إلى ثمنه قبل شهوته. أحدهم كان إذا قال أولاده: نشتهي طعاما فاخرا، حسب التكلفة وقال: نجعلها صدقة، ثم يرضى باليسير. وآخر كان أولاده يطلبون السفر والتنزه، فيحسب النفقات ويقول: نجعلها لوجه الله، ونرجو سياحة لا انقطاع لها في الجنة. وهؤلاء لم يكونوا شخصيات متخيلة، بل رجالا معروفين من بيوتات حلبية مشهورة، جمعوا بين السعة في المال والزهد في النفس، لأن الزهد الحق ليس أن تخلو اليد، بل أن يخلو القلب من التعلق. أما الإسراف، فذاك باب آخر؛ إذ ليس كل إنفاق مذموما، لكن المذموم أن يتحول الفائض إلى مباهاة، أو إلى عادة تستهلك الإنسان حتى ينسى حق الله وحق الناس فيما آتاه. د.محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University