رواة الحديث من الحنفية

مَسائِلُ حَديثيّةٌ: رواةُ الحديثِ من الحنفيّة !؟ بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ قال لي صاحبي: «كأنّني فهمتُ من إشاراتِ كلامِكم؛ أنّ علماءَ المذهب الحنفيّ ضعفاءُ في علم الحديث! فهل يمكن أن تحدّثنا عن أبرز نقّادِ الحديثِ، لدى السادةِ الحنفيّة في عصورِ الروايةِ، وماذا عن كتاب الجوهر النقي لابن التركماني»؟ أقول وبالله التوفيق: من المهمّ ابتداءاً أنْ أقول: إنّ في جميع مذاهب أهل الإسلامِ محدّثين، قديماً وحديثاً، ولا يوجد محدّث واحدٌ يَعتمد المحدّثون جميعَ ما روى، ولا يوجد محدّث واحدٌ قَبِلَ المحدّثون جميع أقوالِه وآرائه النقديّة، لا ضمنَ مذاهب أهل السنّة، ولا لدى غيرهم من مذاهب أهل الإسلام. بعد هذه التقدمة؛ ننطلقُ إلى الإجابةِ باختصار شديد! أوّلاً: الإمام أبو حنيفة النعمانُ بن ثابت الكوفي (ت: 150 هـ) نصَّ المزيّ على روايته عن واحدٍ وسبعين شيخاً، وروى عنه عنده مائةُ راوٍ وأربعةُ رواة! فهل يتصوّر عاقلٌ، بل عُشرُ عاقلٍ؛ أن يكون أبو حنيفةَ جاهلاً بالحديث؟ لقد وثّقَ المتشددون من علماء الحديثِ رواةً مجهولين، وأشباهَ مجهولين؛ رَوَوا حديثاً واحداً أو حديثين، وافقوا بهما ما يرضاه المحدّثون من الحديث! ثانياً: هناك فارق كبيرٌ جدّاً بين كلامِ المحدّثين النظريّ، وبين تطبيقاتهم العمليّة على الرواةِ الذين يختارونَ الروايةَ عنهم! فهم يقولون: هذا قدريّ، وهذا مرجئ، وهذا رافضي، وهذا شيعيّ، وهذا خارجيّ، ثمّ هم يروون عن الثقاتِ من هؤلاء المبتدعةِ أجمعين، يقولون: لنا صِدقُه، وعليه بدعته. ثالثاً: الذي تبيّن لي من وراء دراستي الشخصيّات الكبيرة في الإسلام؛ أنّ المحدّثين أعرضوا عن أبي حنيفة، وتركوا حديثَه؛ لثلاثةِ أسبابٍ: الأوّل: أنّ الإمامَ أبا حنيفةَ مثلُ الإمام مالكٍ؛ لا يمنح أحاديثَ الآحاد ذاك التقديس الذي يمنحه المحدّثون لـ«حدّثنا وأخبرنا» لأنّ أساس علم العِلل نشأ لتتبُّع أخطاءِ وأوهام الرواةِ، فيما ليس للجرح إليه مدخل، وهذا يعني أنّ الثقاتِ أنفسَهم يهِمون ويخطؤون ويدلّسون فلا يرى الإمامُ أبو حنيفةَ أنّ ما رواه الثقاتُ؛ يتعيّن عليه قَبولُ جميعِه والتفريع عليه! والأمر الثاني: أنّ أكثرَ العلماء والمحدّثين والفقهاء؛ ليسوا من أهل السيفِ والقنا وركوب الخيل، فهم يخافون من ظلالِهم! وجاءهم أبو حنيفةَ يقولُ بجوازِ الخروج على الحاكم الظالم الجائر، فقالوا: «كان يرى السيفَ على أمّة محمّد». ثالثاً: أبو حنيفةَ الذي يردُّ كثيراً من أحاديث الآحاد، التي رواها الثقات؛ يقبلُ المرسلَ والمعضلَ والمعلّق، إذا كان راوي ذلك ثقةً عنده، وهذا يعني أنْ لا فائدة عنده لعلوم الحديثِ كلّها، من الناحية التطبيقيّة، فاختلافهم معه إذنْ في المنهج! ومَن أراد أمثلةً تطبقيّة كثيرةً على صحّة كلامي هذا؛ فليذهب إلى موطّأ مالكٍ، برواية محمّد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، فسيجده لا يفرّق في الاحتجاجِ لمذهبه، بين حديثٍ متّصلٍ أو حديثٍ مرسلٍ، أو حتّى واحدٍ من بلاغات مالك! (1) يقول مالك (52): «بَلَغَنِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعِمَامَةِ؟ فَقَالَ: لا، حَتَّى يَمَسَّ الشَّعْرَ الْمَاءُ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهِ. (2) يقول مالك: (53): «حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ: «رَأَيْتُ صَفِيَّةَ ابْنَةَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ، وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا، ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا» قَالَ نَافِعٌ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ،لا يُمسَحُ عَلَى الْخِمَارِ وَلا الْعِمَامَةِ، بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ؛ فَتُرِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنِا». (3) ويقول مالك (430): أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، كَانَ يَقُولُ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ». قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا». لا يُقال: ربما كانت هذه البلاغاتُ موصولةً خارج موطّأ مالك؟! إذ كان على محمد بن الحسن؛ أن ينبّه على ذلك، لو كان يعلمه! وقد كانت ترجمةُ أبي حنيفةَ عند ابن حبّان في كتاب المجروحينَ أطولَ ترجمةٍ في الكتاب «1127» (3: 60 - 73). وقد أقذع الحافظُ الورعُ محمّدُ بنُ حبّان في ترجمة أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى، وغفر لهما. وأبرز المشتغلين بالحديثِ من أصحاب أبي حنيفة: (1) محمد بن الحسن الشيبانيّ (ت: 189 هـ) ترجمه ابن حبّان في المجروحين (2: 275 - 276) ونقل تضعيفَه عن عددٍ من النقّاد. (2) زُفَر بن الهذيل بن بن قيس العنبريّ، ترجمه ابن حبان في الثقات (6: 339) وقال ثمّةَ: «وَكَانَ زفر متقنا حَافِظًا قَلِيل الْخَطَأ لم يسْلك مَسْلَك صَاحبه فِي قلَّة التيقظ فِي الرِّوَايَات وَكَانَ أَقيس أَصْحَابه وَأَكْثَرهم رُجُوعا إِلَى الْحق إِذا لَاحَ لَهُ وَمَات بِالْبَصْرَةِ». (3) يعقوبُ بن إبراهيم أبو يوسف القاضي، ترجمه ابن حبّان في الثقات (7: 645) وقال في ترجمته ثمّةَ: «وَكَانَ شَيخا متقناً، لم يكن يسْلك مَسْلَك صَاحِبيهِ «أبي حنيفةَ ومحمد بنَ الحسن» إِلَّا فِي الْفُرُوع، وَكَانَ يبانيهما فِي الْإِيمَان وَالْقُرْآن» إلى أن قال: «لسنا مِمَّن يُوهم الرعاع مالا نَستحلّه، وَلَا مِمَّن يَحِيف بالقدح فِي إِنْسَان وَإِن كَانَ لنا مُخَالفاً، بل نعطي كل شيخ حَظّه مِمَّا كَانَ فِيهِ، ونقول فِي كل إِنْسَان مَا كَانَ يسْتَحقّهُ من الْعَدَالَة وَالْجرْح. أدخلنا زُفراً وَأَبا يُوسُف بَين الثِّقَات؛ لما تَبين عندنَا من عدالتهما فِي الْأَخْبَارِ، وأدخلنا من لَا يُشبههما فِي الضُّعَفَاءِ «أبا حنيفةَ ومحمّدَ بن الحسن» بِما صَحَّ عندنا، مِمَّا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ. وَمَاتَ أَبُو يُوسُف سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، بِخمْس لَيَال خلون من شهر ربيع الآخر». (4) بكارُ بن قُتَيْبَة بن أَسد بن عبيدِاللَّه بْن بشير بْن عبيدِاللَّه بن أبي بكرَة البكراوي الثَّقَفِيّ، كنيته أَبُو بكرَة، كَانَ على قَضَاء مصر. يروي عَن يزِيد بن هَارُون وَأهل الْبَصْرَة حَدَّثنا عَنهُ بن خُزَيْمَة وَالنَّاس كَانَ ينتحل مَذْهَب أبي حنيفَة فِي الْفِقْه» قاله ابن حبّان في الثقات (8: 152). (5) سيف بن الْحجَّاج الْكُوفِي يروي عَن أبي حنيفَة روى عَنهُ بن أبي السرى الْعَسْقَلَانِي» ترجمه ابن حبّان في الثقات (8: 300). (6) أَبُو قَطَن، اسْمه عَمْرو بن الْهَيْثَم الزَبيدِيّ، من أهل بَغْدَاد. يروي عَن شُعْبَة وَمَالك وأبي حنيفَةَ، روى عَنهُ أَحْمد ابن حَنْبَل وَأَبُو ثَوْر، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ، رَحمَهم الله تعالى، ترجمه ابن حبّان في الثقات (8: 484). (7) ولعلَّ أبرزِ محدّثٍ مصنّف في عصر الروايةِ؛ هو الإمامُ أبو جعفرٍ أحمد بن محمّد بن سلامة الأزديّ المعروف بالطّحاويّ (ت: 321 هـ) صاحب المصنّفاتِ الكثيرةِ، منها: (1) شرح معاني الآثار في أحاديث الأحكام، أودع فيه أبو جعفرٍ (7467) حديثاً. انتصر فيها لمذهبه الحنفيّ انتصاراً عجيباً. (2) شرح مشكل الآثار، في مختلِفِ الحديث، أودع فيه أبو جعفرٍ (6179) حديثاً. (3) أحكام القرآن، والذي وُجدَ منه وطبع الجزء الأوّل منه في مجلّدين، جاء في خاتمته (2: 482) ما نصّه: «تمّ كتابُ الْمُكَاتبَة، وبتمامه تمّ الْجُزْء الأول من كتاب أَحْكَام الْقُرْآن. وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلَاته وَسَلَامه على سيدنَا مُحَمَّد نبيّه وَعَبدِه وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيراً، دَائِما بدوام ملك الله إِلَى مَا لَا نِهَايَة لذَلِك. على يَد العَبْد الْفَقِير الراجي عَفْو ربه الْقَدِير مُحَمَّدَ بنِ َأَحْمد بن صفي بن قَاسم الْمَعْرُوف بِابْن الغزولى، عَفا الله عَنه» وللطحاويّ كتبٌ نافعةٌ غيرُها. وليس هؤلاءِ جميع رواةِ الحديثِ، من الحنفيّة، وليسوا هم جميع من روى عن أبي حنيفةَ، أو روى من طريقه، إنما هم نماذج من الرواة الذين ترجمهم ابن حبّان في كتابه الثقات. أمّا الكلام على كتاب «الجوهرِ النقيّ في الردّ على البيهقيّ» لعلاء الدين ابن التركمانيّ (ت: 750 هـ) فسأفرد له منشوراً خاصّاً به. والله تعالى أعلم. والحمد لله على كلّ حال. الدكتور عداب محمود الحمش