صباح الوعي: العرب والتصفيق بقلم المربي الدكتور مروان أحمد بحري Mervan Bahri مقدمة تاريخية عُرفت لغة التصفيق منذ العصور القديمة، وقد تكون أول وسيلة استخدمها الإنسان للتعبير، أو للفت الانتباه والإشارة، أو للتحذير والتنبيه — حتى قبل أن يمتلك الإنسان حاسة النطق أو وسائل التعبير اللفظي المتفق عليه بين أفراد التجمع البشري الواحد. التصفيق عند الإغريق والرومان استخدم الإغريق التصفيق لإظهار إعجابهم في عروض المسرح والموسيقى، والمبارزات وحفلات المصارعة، واستعراض مواكب القادة وعربات المنتصرين. أما الرومان فيُعتبرون أول من ابتكر فكرة "المُصفِّق المأجور"، حيث عُرفت مهنة "المستأجرين للتصفيق". وقد اشتهر الإمبراطور نيرون (المعروف بأساليبه الاستبدادية) بتأسيس مدرسة خاصة تضم 5000 جندي لتدريبهم على التصفيق له وإظهار الاستحسان لأعماله وإنجازاته، ووضع لها قواعد معينة ونغمات محددة وأوقات ومواقف خاصة. التصفيق عند العرب قديماً عرف العرب قبل الإسلام التصفيق، فقد كان يُمارس كطقس شعائري أمام الحرم المكي. كما استخدمه المشركون أيضاً كأداة للتشويش على المسلمين الأوائل أثناء دعوتهم أو أثناء تأدية شعائرهم — وخاصة الصلاة. في العصور الوسطى اعتمدت الكنيسة التصفيق في بعض طقوسها الدينية والاحتفالات (ليس كإعجاب بالخطيب بل أحياناً كجزء من الترانيم الجماعية)، وبقيت هذه العادة معبرة عن السعادة والاستحسان في سياقات مختلفة. في العصر الحديث اعتُمد التصفيق كحركة جماعية ووسيلة عفوية وممارسة عالمية مشتركة لتقدير الجهود، سواء في المسارح والمدارس، أو في المناسبات العامة والخاصة، وفي معظم الثقافات. ومن المهم التفريق هنا بين التصفيق الاجتماعي الطبيعي (في الأعراس، حفلات التخرج، التعبير عن الفرح) وبين التصفيق السياسي الاستعراضي الذي هو محور نقاشنا. ملاحظة حول التنوع الثقافي في العالم العربي من الإنصاف القول إن الظاهرة التي سنناقشها لا تنطبق على كل المجتمعات العربية بدرجة واحدة؛ فهناك تفاوت في ولع بعض الأنظمة والثقافات الفرعية بالتصفيق المأجور أو المُصنَّع. النقد الموجّه هنا يستهدف تحديداً الاستخدام السياسي الاستعراضي للتصفيق في بعض الأوساط الحاكمة والرسمية، وليس التصفيق العفوي في المناسبات الخاصة أو الثقافية. أين يكمن الخصوص العربي؟ ما يلفت الانتباه أن بعض المجتمعات العربية — وليس كلها — اعتمدت، في سياقات سياسية معينة، نسخة مطورة من "المدرسة النيرونية"، فوضعت للتصفيق نغمات خاصة، وأضافت شعارات وهتافات تتناسب مع الأحداث والأشخاص. تحول التصفيق عند البعض إلى ولع مفرط يكاد يكون حاجة يومية، تدفع إلى البحث عن أي مناسبة عامة أو خاصة لاستغلال الفرصة وممارسته. حتى بلغ الأمر في بعض الحالات إلى اعتبار شدة التصفيق ومدته من الإنجازات بحد ذاتها، وكأنها تغني عن العمل الجاد في بناء المجتمعات أو دفع عجلة التقدم. ورأى بعض الحكام والقادة — على مختلف مستوياتهم — في التصفيق وسيلة مريحة لقياس شعبيتهم والدلالة على رضا الجماهير، حتى لو كانت الإنجازات المحتفى بها متواضعة الجدوى أو رمزية الطابع. خاتمة وسؤال للنقاش إن هذه الظاهرة — حين تُفصل التصفيق عن العمل الحقيقي — تثير تساؤلات حول صحة العلاقة بين الحاكم والمحكوم في السياقات التي تسودها. هل التصفيق الغزير دليل حقيقي على الرضا والإعجاب، أم أنه تحول في بعض الأحيان إلى عادة اجتماعية فارغة يمارسها الناس بدافع الخوف، أو المجاملة، أو التلقين؟ وكيف يمكن للمجتمعات العربية أن تستعيد الفرق بين التقدير الحقيقي المُكتسَب، وبين التصفيق الآلي الذي لا يُنتج بناء ولا يُحدث تغيير؟ #صباح_الوعي #تصفيق #ثقافة_استهلاكية #نقد_سياسي