مَرْحَبًا: سُنَّةُ الْوُدِّ الْمَنْسِيَّةُ بين طيات السيرة العطرة، تشرقُ شموسٌ من الأدب النبوي الرفيع، سكنت في تفاصيل الكلمات البسيطة، لكنها كانت تحمل في طياتها فيضاً من الحنان وجسوراً من الودّ، ومن أعظم تلك اللطائف وترانيمُ الحفاوة النبوية التي كاد غبار النسيان أن يواري بريقها، كلمةٌ هي بمثابة مفتاح للقلوب وبوابة للألفة: كلمة (مرحباً). كانت كلمة (مَرْحَبًا) في فم المصطفى صلى الله عليه وسلم غيثاً من المشاعر ينهلّ على الروح القادمة، فتمسح عنها وعثاء الطريق ووحشة الغربة. حين أقبلت بضعته فاطمة الزهراء رضي الله عنها كَأنَّ مِشيَتَها مَشيُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لم يكتفِ النبي بنظرة الحنان، بل شرّع لها أبواب قلبه قائلاً: (مَرْحَبًا بابنَتي) [رواه البخاري ومسلم]، فكانت هذه الكلمة كعقدٍ من الياسمين يطوّق جيدها، ويمنحها الأمان والسكينة. وفي يوم الفتح العظيم، وبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل وفاطمة تستره، جاءت أم هانئ بنت أبي طالب (ابنة عمه) قالت: فسَلَّمتُ عليه، فقال: مَن هذه؟ فقُلتُ: أنا أُمُّ هانِئٍ بنتُ أبي طالِبٍ، فقال لها بحفاوة بالغة: (مَرْحَبًا يَا أمَّ هانئٍ) [رواه البخاري ومسلم]. ففي ذلك اليوم المشهود يوم فتح مكة كانت الخيول تصهل والرايات تخفق، والقلوب واجفة من هيبة النصر، لكنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم تشغله نشوة الظفر ولا جلال الموقف عن إعطاء القرابة حقها من الود والحفاوة، ونادها بـ (أمَّ هانئٍ)، وفي النداء بالكنية لونٌ من ألوان التعظيم والتوقير، وزيادة في المودة تليق بمكانتها كابنة عمٍ وفية صمدت في مكة سنين طويلة، وعلمنا أن الانتصارات الكبرى لا تكتمل إلا بجبر الخواطر الصغرى، وأنَّ القائد العظيم هو من لا ينسى بِشرَ الوجه وهو يضع حجر الأساس لدولة أو يفتح أبواب أم القرى. وفي حديث الإفك الطويل والمؤلم، حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة وهي تبكي وعندها أمها، بدأ حديثه بالبشر والترحاب رغم ثقل الهمّ، فقالت عائشة في رواية: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مَرْحَبًا يَا أُمَّ رُومَانَ)، [الطبراني في الكبير] لقد كانت كلمة (مَرْحَبًا) هنا طمأنينةً لقلبها في يومٍ مليء بالرهبة والتحولات الكبرى، وهذا يدل على دأبه صلى الله عليه وسلم في إكرام الأهل حتى في أحلك الظروف، حيث لم تمنعه الأوجاع من حفظ الودّ، ولم يشغله الهمّ عن بشاشة اللقاء. وفي هذه الكلمة رسالة لنا تقول: العظماء لا ينسون آدابهم في وقت الأزمات؛ كن مرحِّباً في بيتك حتى لو أثقلت كاهلك الهموم، فالحفاوةُ بالأهل صدقةٌ جارية. وعندما أقبل الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه، لم يكن ترحيب النبي صلى الله عليه وسلم تقليدياً، بل صاغ من التقدير حُلّةً حين قال: (مَرْحَبًا بالطَّيِّبِ المُطَيَّبِ) [رواه الترمذي وابن ماجه]، أي: الطَّاهِرِ المُطَهَّرِ، وكأنه يغرس في روح عمار ثقةً تملأ الأرض شذى. وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على إشعار ضيوفه بحسن الاستقبال والترحاب، فاستهل لقاءه بوفد عبد القيس: (مَرْحَبًا بِالقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى) [رواه البخاري ومسلم]، فصارت كلمة "مَرْحَبًا" وطناً لكل من لا وطن له، وملاذاً لكل قاصد. إن كلمة (مَرْحَبًا) في ميزان البيان النبوي تعني: لقيتَ رُحباً وسعةً، لا ضيقاً وحرَجاً؛ فهي كناية عن سعة الصدر التي تسع الناس جميعاً بمختلف مشاربهم. وحين فرّ عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه بعد الفتح ثم عاد مُسلِماً، استقبله النبي صلى الله عليه وسلم بوجهٍ طَلْقٍ، حتى إنه وَثَبَ من غير رداء فرحًا به، وقال له: (مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ) [رواه الترمذي]، وهذه الكلمة كانت أعظم عفو نبوي عن ماضي عكرمة، وفتحاً لصفحة جديدة من الحب، وتضميدٌ لجراح الغربة، فحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَرْحَبًا) لا يلقي مجرد تحية، بل كان يرمّم روحاً كسرها الاغتراب وأتعبها المسير، لأن كلمة (مَرْحَبًا) في العرف النبوي هي إعلانٌ بأنَّ الماضي قد طُوي، وأنَّ هذا القلب المحمدي يتسعُ لكل عائدٍ بصدق، لقد كانت كلمة "مَرْحَبًا" على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة دِثارٍ من المودة يلقيه على القادمين، ليُشعرهم أنهم لم يحلّوا في ضيق، بل في سعة من الصدر والمكان. وعندما جاء الصحابي الجليل صفوانُ بنَ عسَّالٍ المُراديَّ رضي الله عنه يسأل رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو مُتَّكِئٌ في المسجدِ على بُرْدٍ لهُ أحمرَ فقال لهُ: يا رسولَ اللهِ؛ إني جئتُ أطلبُ العِلْمَ، لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم بالمسألةِ فوراً، بل ما كان من المعلم الأول إلا أن قدّم له طِبقاً من الحفاوة، فقال: (مَرْحَبًا بِطَالِبِ العِلْمِ) [رواه ابن عدي]، هذه الكلمة كانت وساماً نبوياً عُلِّق على صدر صفوان، ولم يقل له: "مرحباً يا صفوان" لقد مدحه بوصف طَلب العلم؛ لأنها الهوية واللقب الذي يستحق عليه الحفاوة، وكأنه يقول: أهلاً بك ما دمت تحمل هذا الهمّ السامي. وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا أنَّ الاحتفاء بالمتعلم قبل إلقاء المعلومة هو الذي يفتح أقفال القلوب ويشحذ العقول، فلم تكن كلمة (مَرْحَبًا) مجرد تحية؛ بل هي مكافأة معنوية وتثبيت لمن يسلك طريق النور، وإعلاء لشأن المعرفة وكأن الكلمة مائدةٌ سماوية يُدعى إليها الباحثون عن النور، والرسلة الموجهة إلينا أن الكلمة الطيبة هي الوعاء الذي تُسكب فيه الحكمة؛ فابدأ بالترحيب لتمهد الطريق للتوجيه. ولم تكن هذه الكلمة (مَرْحَبًا) لأهل الأرض فحسب، بل هي لغة أهل السماء أيضاً؛ ففي رحلة المعراج، كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما مّر بسماءٍ يلقاه نبيُّها بالترحاب، كما قال صلى الله عليه وسلم: (فانطَلَقَ بي جِبريلُ حتَّى أتى السَّماءَ الدُّنيا فاستَفتَحَ، فقيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبريلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نَعَم، قيلَ: مَرحَبًا به؛ فنِعمَ المَجيءُ جاءَ، ففَتَحَ، فلَمَّا خَلَصتُ فإذا فيها آدَمُ، فقال: هذا أبوكَ آدَمُ، فسَلِّمْ عليه، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قال: مَرحَبًا بالِابنِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ) [رواه البخاري ومسلم]، وهكذا مع بقية الأنبياء، والرسالة الموجهة إلينا أن نحاكي أدب الملائكة ونرتقي بلساننا إلى مقامات الصالحين. إن إحياء هذه السنّة ليس مجرد ترديد للفظ، بل هو استحضارٌ لتلك الروح التي كانت تبتسم قبل الثغر، وتفتح الصدر قبل الباب، هي دعوةٌ لأن نكون مباركين في استقبالنا، نصنع من كلماتنا اتساعاً في عالمٍ ضاق ببرود المادة، فكلمة (مَرْحَبًا) كلمةٌ خفيفة على اللسان، ثقيلة في ميزان الودّ، تبني جسوراً من المحبة لا تهدمها الأيام. الأستاذ محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University