هل الاشاعرة يقدمون العقل على النص؟ وماهي ردود المتصدرين في وسائل التواصل باسم اهل السنة؟ يكثر بعض الأشخاص من ترديد دعوى أن الأشاعرة قدّموا العقل على النص، وهي دعوى لو فحصت بعين الإنصاف لظهر أنها من أكثر الشعارات تكرارا وأقلها برهانا. فالأشاعرة لم يثبتوا صفات الله بالعقل ابتداء ثم يلتمسوا للنصوص مخارج التأويل، وإنما أثبتوها بالنص أولا، ثم استعانوا بالحجج العقلية تأييدا وبيانا وإلزاما لمن لا يؤمن أصلا بكتاب الله ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فكيف تخاطب الملحd أو المشكك أو غير المسلم بآية لا يؤمن بها؟ وكيف تحتج عليه بحديث لا يعترف بحجيته؟ لا بد حينئذ من خطاب عقله بما يفهمه ويقر به، ثم يُستأنس بعد ذلك بالنصوص لمن آمن بها. ولهذا كانت المدارس الكلامية الإسلامية عبر القرون حصونا فكرية واجهت الفلاسفة والزنادقة والمشككين وأصحاب الشبهات، وأخمدت كثيرا من أصواتهم بالحجة المحكمة والبرهان المنظم. وما زالت كتبهم شاهدة على ذلك لمن قرأها بعين الباحث لا بعين الخصومة. ثم جاء قوم ظنوا أن كل استدلال عقلي بدعة، وأن كل برهان منطقي ضلالة، فتصدروا لمواجهة الخصوم الذين لا يؤمنون أصلا بالوحي، فإذا بهم يفتحون ثغرات جديدة كلما أغلقوا ثغرة قديمة. يرد أحدهم على الشي👁️ة فيفتح بابا للنكرانيين، ويرد على الملحد فيوقع العامة في إشكالات لم تكن تخطر لهم على بال. وأعجب من ذلك أن بعض ردودهم على غير المسلمين لا تكاد تتجاوز منطق الأطفال في ساحات المدارس: "إن وجدت عندنا عيبا فانظر إلى العيوب عندك!" وكأن فساد مذهب الخصم برهان على صحة مذهبك، أو كأن كشف التناقض عند غيرك يغنيك عن إقامة الدليل لنفسك. ومن تأمل بعض المناظرات المعاصرة رأى هذا الخلل رأي العين؛ إذ يتحول النقاش من بناء الحجة إلى الانفعال، ومن تحرير المسألة إلى مجاراة الاستفزاز، فيخرج المشاهد بانطباع لا تصنعه قوة الدليل بل تصنعه طريقة العرض. وما أكثر من ظن نفسه منتصرا لأنه رفع صوته، أو ظن خصمه مهزوما لأنه أحسن التمثيل أمام الجمهور. إن المشكلة ليست في وجود الردود، بل في إحكامها. فكثير من هذه الردود كالثوب المرقع؛ تخيط جانبا وتمزق جانبا آخر، وتسد ثغرة لتفتح ثغرات. أما الرد المحكم فهو الذي يغلق الأبواب كلها ولا يفتح على نفسه أبوابا جديدة. ثم إن من أطرف المفارقات أن يتهم الأشاعرة بتغليب العقل من ينكر عليهم كرامات الأولياء بحجة أن عقله لا يستوعبها! فلو كنا حقا نقدم العقل على النصوص لما قبلنا من خوارق العادات إلا ما وافق المقاييس العقلية المألوفة، ولجعلنا العقل حاكما على الأخبار لا تابعا لها. ولو كنا نقدم العقل على النص لخضنا في ذات الله تعالى، ولجعلنا للعقول سلطانا على ما استأثر الله بعلمه، ولكننا نقف حيث وقف النص، ونثبت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه. فالعقل عندنا ليس أداة لتصوير كيفية صفات الله، لأن هذا غيب لا سبيل للعقول إليه ، والكيف غير معقول، وإنما هو أداة لإثبات وجوب التسليم لما جاء به الوحي، والرد على المعترضين والمشككين. نحن لا نجعل العقل متصرفا في صفات الله، بل نجعله شاهدا على صدق الوحي الذي أخبر بها. فدقق في الفرق بين الأمرين: نحن نثبت الصفات كما وردت، مع تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقات، ومن غير تكييف ولا تشبيه، ولا نزعم أن العقل يستطيع أن يتصور حقيقة تلك الصفات. وإنما وظيفة العقل أن يدل على صدق الخبر الإلهي، فإذا ثبت الخبر وقف العقل عند حده، وسلم لما جاء به الوحي، وذلك هو الأدب مع الله، وذلك هو مقتضى الإيمان. الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University