"قلعة طروادة التاريخية" للدكتور محمد معروف الدواليبي قراءة تعريفية وتحليلية (مع مناقشة منهجية لبعض الإشكاليات)

"قلعة طروادة التاريخية" للدكتور محمد معروف الدواليبي قراءة تعريفية وتحليلية (مع مناقشة منهجية لبعض الإشكاليات) الملخص: يقدم هذا المقال قراءة نقدية لكتاب "قلعة طروادة التاريخية" للدكتور محمد معروف الدواليبي (الصادر عام 1993)، والذي يسعى إلى إثبات الأصل العربي الفينيقي لمدينة طروادة. يستعرض المقال نقاط القوة في الكتاب، ثم يناقش بعض الإشكاليات المنهجية التي يثيرها، ويخلص إلى تقييم الكتاب كـ"وثيقة فكرية" تعكس تيارًا من تيارات الكتابة التاريخية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، مع الإشارة إلى قيمته كمدخل محفز للتساؤل وكمادة بصرية غنية، وليس كمرجع أكاديمي معتمد في تاريخ طروادة. الكلمات المفتاحية: طروادة، الدواليبي، فينيقيون، تاريخ قومي، نقد منهجي. تمهيد: من أصول الفقه إلى أعماق التاريخ ليس الدكتور محمد معروف الدواليبي غريبًا على الباحثين في العلوم الشرعية والقانونية، فهو صاحب "المدخل إلى علم أصول الفقه" الذي ناقشناه في مقالات سابقة. لكن القليلين يعرفون أن للدواليبي اهتمامًا تاريخيًا موسعًا، تجلى في كتابيه "المدخل إلى التاريخ العام للقانون" (1963)، و"قلعة طروادة التاريخية" (1993) الذي بين أيدينا. وهذا الأخير يعتبر امتدادًا عمليًا لأفكار ذلك المدخل، حيث يطبق فيه منهجه في تتبع جذور الحضارة الغربية إلى الشرق العربي. صدر الكتاب عام 1993 عن دار الشواف في الرياض، وهو ليس مجرد عرض لتاريخ مدينة طروادة كما هو معروف في المصادر الكلاسيكية، بل هو محاولة جريئة لإعادة كتابة تاريخ الحضارة الأوروبية من زاوية عربية – فينيقية، وإثبات أن العرب (الكنعانيين/الفينيقيين) هم من أسسوا الحضارة في أوروبا، وأن طروادة ليست يونانية أو أناضولية، بل هي "قلعة فينيقية" على الدردنيل. يُذكر أن الدكتور الدواليبي توفي في 15 يناير 2004م، عن عمر يناهز الخامسة و التسعين عامًا، وكان هذا الكتاب من أواخر أعماله العلمية. أولاً: تعريف بالكتاب وسياقه المعلومات الببليوغرافية: · العنوان: "قلعة طروادة التاريخية" · المؤلف: الدكتور محمد معروف الدواليبي (رئيس وزراء سوريا الأسبق، وأستاذ القانون الروماني وأصول الفقه) · الناشر: دار الشواف للنشر والتوزيع (الرياض، السعودية) · سنة النشر: 1993 السياق الفكري للكتاب: يأتي هذا الكتاب في إطار ما يمكن تسميته "التاريخ القومي العربي" أو "الكتابة التاريخية الدفاعية"، التي ازدهرت في منتصف القرن العشرين كرد فعل على الاستشراق الأوروبي. الدواليبي، بتكوينه الفرنسي وإتقانه للغات الأوروبية، استطاع أن يقرأ المصادر الغربية من مصادرها الأصلية، وأن يستخدمها في محاولة لإعادة قراءة تاريخ طروادة من منظور عربي. ثانيًا: هيكل الكتاب ومنهجه ينقسم الكتاب إلى عدة مباحث، تتدرج من عرض "أسطورة طروادة" إلى التحليل التاريخي واللغوي، وصولاً إلى المحاولة لإثبات أن طروادة فينيقية الأصل. 1. البداية الأسطورية: يستهل الدواليبي كتابه بالإشارة إلى مكانة طروادة في الأدب والتاريخ، ويطرح سؤالاً محوريًا: "المدينة نفسها أين هي؟" 2. مزايا الموقع وسكان طروادة: يؤكد أن موقع طروادة الاستراتيجي لا يمكن أن يستغله إلا "شعب ذكي"، ويستشهد بآراء علماء آثار غربيين ليصف طروادة الثانية بأنها مدينة متحضرة وأهلها "عباقرة في صناعة المعادن". 3. اتساع تجارة طروادة: يعرض أدلة على أن تجارة طروادة الثانية امتدت من أواسط آسيا إلى أعالي الدانوب. 4. طريقة الاستبعاد: ينفي أن تكون الشعوب المحيطة بطروادة (الحشيون، الفريجيون، الليديون، اليونان) هي أصل الطرواديين، ثم يخلص إلى أن الأصول لا يمكن البحث عنها إلا في "شعوب الشرق القديم". 5. البحث في الهجرات العربية القديمة: يستشهد بروايات يونانية (هيرودوت) عن "قدموس الفينيقي"، وينقل عن علماء آثار غربيين أن "أهل الشرق القديم" سافروا إلى أوروبا بحثًا عن المعادن. 6. التحليل اللغوي: ينقل عن المستشرق "هيلي دو بارانتون" أن كلمة "طروادة" تعني في اللغة "الإتروسكية – الفينيقية": "قلعة على الشاطئ". 7. النتيجة النهائية: يخلص الدواليبي إلى أن الطروادين هم من الشعوب الحضارية العربية العريقة. ثالثًا: نقاط القوة في الكتاب أولاً: الاطلاع المباشر على المصادر الغربية: بخلاف كثير من الكتاب العرب المعاصرين، يقرأ الدواليبي الموسوعات الفرنسية والإنجليزية، ويستشهد بأعلام الآثار الغربية (هامِرتن، تشايد، ويس، بارانتون). هذا يمنح كتابه قوة ظاهرية. ثانياً: استخدام منهج الاستبعاد: هو منهج منطقي معروف في البحث التاريخي. الدواليبي يطبقه بطريقة منظمة: يستعرض كل الشعوب المحيطة بطروادة، ويبين لماذا لا يمكن أن تكون هي الأصل. ثالثاً: الجمع بين التاريخ والآثار واللغويات: يحاول الدواليبي أن يكون "متعدد التخصصات"، مما يضفي على الكتاب طابعًا موسوعيًا. رابعاً: المادة البصرية الغنية: يضم الكتاب عشرات اللوحات والصور الفوتوغرافية والخرائط، التي تعرض طبقات طروادة المتعاقبة ونماذج من الفخار والمجوهرات. هذه الصور تمنح القارئ غير المتخصص فرصة "مشاهدة" المدينة التي يقرأ عنها، وتجعل الكتاب أقرب إلى "ألبوم أثري" منه إلى كتاب تاريخي جاف. رابعًا: مناقشة لبعض الإشكاليات المنهجية قبل الإشارة إلى بعض الملاحظات المنهجية، نستمع إلى حوار افتراضي يجمع بين ناقد أكاديمي (ن) وباحث مناصر للدواليبي (ب)، يتناول أبرز النقاط التي أثارها الكتاب: ن: من الملاحظ أن الكتاب يعتمد على انتقائية في الاستشهاد، حيث ينقل عن مستشرقين مثل "هامِرتن" و"تشايد" عندما تدعم آراؤهم أطروحته، بينما تغيب الإشارة إلى آراء علماء آثار آخرين يرون في طروادة مدينة أناضولية. ألا ترى أن هذا يضعف موضوعية البحث؟ ب: ليس صحيحًا أن الدواليبي تجاهل الآراء المخالفة، بل إنه ناقشها ضمنيًا بطريقة "الاستبعاد" حين رفض أن تكون الشعوب المحيطة أصولاً لطروادة. كما أن "الإجماع" الأكاديمي الغربي ليس حقيقة مطلقة، بل هو نتاج تقاليد بحثية تأثرت بوجهات نظر معينة. ن: حتى لو قبلنا بوجود تأثير فينيقي في طروادة، فهل يعني هذا أن سكانها كانوا فينيقيين عرقياً؟ أليس هناك خلط بين "التأثير الحضاري" و"الأصل العرقي"؟ ب: هذا التمييز بين التأثير والأصل هو تمييز أكاديمي حديث لا ينطبق على العصور القديمة بنفس الدرجة. عندما نجد أن لغة طروادة تحمل عناصر فينيقية، وعمارتها تشبه المدن الفينيقية، وآلهتها أصلها شرقي، فهذا يبرر القول بأن طروادة فينيقية بمعنى "الحاضنة الحضارية". ن: ولكن الدواليبي يعتمد بشكل كبير على روايات هيرودوت والأساطير اليونانية عن "قدموس الفينيقي". هيرودوت عاش بعد طروادة بأكثر من ألف سنة، ورواياته عن قدموس هي قصص تأسيسية وليست وثائق تاريخية. كيف يمكن أن نأخذها كدليل؟ ب: المؤرخون الغربيون أنفسهم يعتمدون على هيرودوت في تفاصيل كثيرة عن التاريخ اليوناني والفارسي. ما دامت روايات هيرودوت تتوافق مع بعض الأدلة الأثرية، فلماذا نرفضها لمجرد أنها "أسطورة"؟ الأساطير غالبًا ما تحتفظ بذاكرة تاريخية. ن: ماذا عن التحليل اللغوي؟ تقطيع كلمة "طروادة" إلى مقاطع والربط بينها وبين "أروادة" – ألا يعتبر هذا تحليلاً غير منهجي في علم اللغة الحديث؟ ب: التحليل اللغوي الذي يقدمه الدواليبي مبني على دراسات استشراقية كانت سائدة في القرن التاسع عشر. التشابه بين "طروادة" و"أروادة" من حيث التركيب الصوتي والمعنى لا يمكن تفسيره بالصدفة، خاصة مع وجود ثلاث مدن بنفس الاسم في مواقع مختلفة. ن: أخيرًا، ألا ترى أن الدواليبي يبدأ بنتيجة مسبقة – "سبق العرب" – ثم يبحث عن أدلة تؤيدها؟ أليس هذا منهجًا دفاعيًا أيديولوجيًا أكثر منه بحثًا أكاديميًا متزنًا؟ ب: كل مؤرخ يكتب من خلفية ثقافية، سواء اعترف بذلك أم لا. المؤرخون الغربيون الذين يكتبون عن طروادة هم أيضًا متأثرون بوجهات نظر معينة. الدواليبي لم يخترع الأدلة، بل وجدها في المصادر الغربية نفسها. ما يفعله هو محاولة لتقديم قراءة مغايرة تستحق المناقشة. نختصر الحوار: يبدو أن الطرفين يتفقان على أن الكتاب مثير للجدل، وأن بعض أدلته قابلة للنقاش. الخلاف يدور حول درجة الموضوعية والمنهجية. خامسًا: خلاصة وتقييم نهائي بعد استعراض الكتاب ومناقشة بعض إشكالياته المنهجية، يمكن الخلوص إلى الآتي: لا يمكن إنكار أن كتاب "قلعة طروادة التاريخية" ليس عملاً أكاديميًا بالمعنى الدقيق من حيث الحياد التام، فالرغبة في إثبات "سبق العرب" واضحة في كثير من فصوله. لكن هذا لا يعني أن الكتاب عديم القيمة. قيمته تكمن في: 1. فتح باب التساؤل حول السردية اليونانية المهيمنة على تاريخ طروادة. 2. لفت الانتباه إلى دور الفينيقيين في نشر الحضارة في أوروبا – دور قد يُقلل منه في بعض المراجع الغربية. 3. تقديم نموذج للباحث العربي يقرأ المصادر الغربية بعين ناقدة. 4. المادة البصرية الغنية (الصور، الخرائط، اللوحات) التي تبقى ذات قيمة علمية وتوثيقية مستقلة. 5. توثيق جانب مهم من تاريخ الفكر القومي العربي في منتصف القرن العشرين. الموقف الأكثر إنصافًا: يمكن قراءة كتاب الدواليبي كـ"وثيقة فكرية" و"مشروع قومي" قبل أن نقرأه كـ"بحث تاريخي" بالمعنى الأكاديمي الضيق. فإذا أردنا أن نعرف كيف فكر المثقفون العرب في مرحلة معينة، وكيف واجهوا الرواية الاستشراقية، فإن هذا الكتاب يقدم إجابة غنية. أما إذا أردنا أن نعرف "الحقيقة التاريخية" المتوافق عليها حول طروادة، فعلينا الرجوع إلى المناهج الأكاديمية المعاصرة التي توازن بين النقد الداخلي والخارجي وبين الأدلة المختلفة. خاتمة وتوصيات للقارئ خلاصة الكتاب: "قلعة طروادة التاريخية" هو كتاب مشوق، جريء، يقدم أطروحة غير تقليدية عن أصول مدينة طروادة. لكنه يثير بعض الإشكاليات المنهجية التي تستحق التوقف عندها، منها: الميل إلى انتقائية الاستشهاد، والتسريع أحيانًا في القفز من التأثير الحضاري إلى إثبات الأصل العرقي، والاعتماد في بعض المواضع على مصادر أسطورية قد لا ترقى إلى مستوى الإثبات القاطع. ومع ذلك، تظل المادة البصرية الغنية ذات قيمة علمية، ويبقى الكتاب وثيقة مهمة لفهم عقلية النهضة العربية في القرن العشرين. توصيات للقارئ: · يُوصى بقراءة هذا الكتاب في إطار فهم "تيارات الكتابة التاريخية العربية" في النصف الثاني من القرن العشرين، مع الأخذ في الاعتبار أنه يقدم أطروحة غير تقليدية تختلف عن السردية الأكاديمية السائدة حول طروادة. · لمن يريد فهماً موضوعياً لتاريخ طروادة، يُنصح بالرجوع إلى المراجع الأكاديمية الحديثة (أعمال مانفريد كورفمان، تريفور برايس، إريك كلاين). · يمكن الاستفادة من الكتاب في فهارسه وخرائطه وصوره وبعض المعلومات عن تنقل المعادن في العالم القديم، مع التحفظ على بعض الاستنتاجات النهائية. الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي صناعة الفكر #محمد_معروف_الدواليبي #الشريعة_والقانون #التاريخ_الإسلامي #الفكر_الإسلامي #التراث_العلمي #مكتبة_جامعية #كتب_إلكترونية #طلاب_الشريعة #كلية_الشريعة #الحضارة #التعريف_بالإسلام كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University