بين النص والواقع #الفتن ملاحم بلاد الشام والفتن: لماذا تتكرر الشام في أحاديث آخر الزمان؟

بين النص والواقع #الفتن ملاحم بلاد الشام والفتن: لماذا تتكرر الشام في أحاديث آخر الزمان؟ من يقرأ كتب الفتن والملاحم وأشراط الساعة يجد أن بلاد الشام ليست بقعة جغرافية عابرة في الروايات النبوية، بل تكاد تكون المسرح الرئيس لكثير من أحداث آخر الزمان. وتتفق عشرات الروايات الواردة في كتب الفتن والملاحم على إبراز مكانة الشام عند اشتداد الفتن واقتراب الملاحم العظام. وليس المقصود بالشام مدينة بعينها، بل الإقليم التاريخي المعروف الذي يضم فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وما حولها. لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الشام في أحاديث كثيرة، منها قوله: «طوبى للشام»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «عقر دار المؤمنين الشام»، وجاءت نصوص أخرى تجعل نزول سيدنا عيسى عليه السلام في أرض الشام، وتجعل اجتماع المؤمنين في آخر الزمان حول بيت المقدس وما جاوره. وعندما نتتبع كتب الفتن من نعيم بن حماد والمروزي وابن المنادي وابن كثير والقرطبي وغيرهم نجد أن ذكر الشام يتكرر في عدة محاور كبرى: أولا: الشام أرض الرباط والثبات عند الفتن ففي أزمنة الاضطراب وانهيار الموازين وتبدل الأحوال تشير النصوص إلى بقاء طائفة ظاهرة على الحق، وقد ربطت بعض الروايات وجودها ببلاد الشام. وهذا لا يعني أن كل من في الشام من أهل الحق، ولا أن الحق محصور فيها، وإنما يدل على مكانة خاصة لهذا الإقليم في صراع الحق والباطل عبر التاريخ. ثانيا: الشام ومركزية بيت المقدس كلما اقتربت الروايات من الأحداث الكبرى ازداد حضور بيت المقدس في المشهد. ففي عدد من الآثار يبرز بيت المقدس باعتباره مركزا مهما في المراحل الأخيرة من التاريخ الإنساني قبل قيام الساعة، حتى إن بعض العلماء عدوا كثرة الروايات الواردة فيه من العلامات الدالة على دوره المحوري في الملاحم القادمة. ثالثا: نزول عيسى عليه السلام في الشام من أشهر الأحداث المتفق عليها في نصوص أشراط الساعة نزول سيدنا عيسى عليه السلام. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بأنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، ثم يتوجه لقتال الدجال حتى يدركه ويقتله. وهنا تظهر الشام مرة أخرى بوصفها أرضا لأعظم مواجهة بين الحق والباطل في آخر الزمان. رابعا: الملاحم الكبرى وبلاد الشام الملاحم في اصطلاح العلماء هي الحروب العظيمة التي يكثر فيها القتل. وقد وردت روايات كثيرة تجعل أرض الشام مسرحا لكثير من تلك الأحداث، سواء قبل الملحمة الكبرى أو أثناءها أو بعدها. ولهذا اهتم علماء الفتن قديما وحديثا بدراسة جغرافية الشام ومدنها ومساراتها التاريخية لفهم دلالات النصوص دون التسرع في تنزيلها على الوقائع المعاصرة. خامسا: بين النص والواقع هنا يقع الخطأ الذي حذر منه العلماء. فكثير من الناس يقرؤون حديثا في الفتن، ثم يربطونه مباشرة بحادثة سياسية أو معركة جارية أو دولة معينة، ثم يتبين بعد سنوات أن الواقع سار في اتجاه مختلف تماما. ولهذا كان منهج أهل العلم يقوم على أمرين: الإيمان بالنصوص الصحيحة كما جاءت. الحذر الشديد من الجزم بتنزيلها على الأحداث المعاصرة. فالمقصود من دراسة الفتن ليس التنبؤ السياسي، وإنما زيادة اليقين بصدق النبوة والاستعداد الإيماني للأحداث القادمة. إن المتأمل في نصوص الفتن والملاحم يخرج بنتيجة واضحة: أن الشام ليست مجرد أرض تكرر ذكرها في الأحاديث مصادفة، بل هي إقليم ارتبط بتاريخ الأنبياء، ومهبط الرسالات، وأرض الرباط، ومسرح كثير من أحداث آخر الزمان. ولهذا فإن دراسة تاريخ الشام وجغرافيتها وتحولاتها السياسية ليست ترفا معرفيا، بل مفتاح مهم لفهم جانب كبير من نصوص الفتن والملاحم، مع التزام منهج العلماء في التثبت وعدم التسرع في إسقاط النصوص على الوقائع. يتبع .... الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University