القتل خارج إطار الدولة: جريمة في القانون والدين والإنسانية (قراءة في الجريمة، المفاسد، وأثر تأخر العدالة الانتقالية) الدكتور محمد نضال خلوف مقدمة يشكل القتل أو الاغتيال أو أخذ الحقوق خارج نطاق الدولة انتهاكاً صارخاً للقانون الوضعي والشريعة الإسلامية والقانون الدولي، إذ إن هذه الأفعال لا تقوض أسس العدالة فحسب، بل تهدم نسيج المجتمع برمته وتزرع الفوضى محل النظام، والظلم محل الحق. وإن كانت المبررات التي يسوقها البعض – كتأخر العدالة الانتقالية – تبدو مفهومة إنسانياً، فإنها تبقى مبررات غير قانونية وغير شرعية، لأن غياب العدالة لا يبرر الفوضى، بل يضاعف المسؤولية على الدولة لإصلاح الخلل، وعلى المجتمع لرفض الانتقام الفردي. أولاً: الموقف الشرعي تُجمع نصوص الشريعة الإسلامية على حرمة الدماء، قال تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) [النساء: 93]. وقال النبي ﷺ: (لن يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً). والشريعة التي جعلت القصاص حقاً للدولة وليس للأفراد، إنما وضعت ضوابط صارمة تمنع الفوضى، وجعلت إقامة الحدود والقصاص من اختصاص ولي الأمر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى...)، ولم تترك الأمر للأفراد لئلا يتحول المجتمع إلى غابة يتصارع فيها القوي على الضعيف. ثانياً: الموقف القانوني (القانون الوضعي) في جميع التشريعات الجنائية المعاصرة، يُعتبر القتل خارج نطاق القضاء جريمة يعاقب عليها القانون، سواء كانت: · جريمة قتل عمد: يعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد. · جريمة اغتيال: تزيد العقوبة فيها لكونها جريمة "مشددة" لارتباطها غالباً بالخيانة والغدر والتخطيط المسبق. · جريمة أخذ الحق باليد: تعتبر خروجاً على النظام العام وتعدياً على سلطة الدولة. والقانون الجنائي لا يعترف بـ"العدالة الذاتية" (Self-Help) إلا في أضيق الحدود (كحالة الدفاع الشرعي)، وحتى ذلك مقيد بضوابط صارمة، وإلا تحولت المجتمعات إلى دويلات متناحرة. ثالثاً: الموقف من القانون الدولي تنظر المواثيق الدولية إلى هذه الأفعال باعتبارها: 1. انتهاكاً لحقوق الإنسان: فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 3) يكفل حق الحياة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 6) يحمي هذا الحق ويحظر حرمانه تعسفاً. 2. جريمة ضد الإنسانية في حال كانت منهجية أو واسعة النطاق. 3. تهديداً للسلم والأمن الدوليين، خاصة إذا أدت إلى اقتتال طائفي أو عرقي، مما قد يستدعي تدخل مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. 4. الاغتيال السياسي يعتبر انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، التي تحظر القتل خارج الأطر القضائية. رابعاً: المفاسد المترتبة (من النص الأصلي) إن الآثار المدمرة لهذه الأفعال ليست نظرية، بل هي حقائق مؤلمة نراها في مجتمعات مزقتها الحروب الأهلية والثأر والاقتتال: · تصفيات ثأرية تتحول إلى دوامة من الدماء لا تنتهي. · اغتيال واغتيال مضاد، وكأننا في حلقات مفرغة من العنف. · تطور الأمور إلى اقتتال عائلي أو مناطقي أو طائفي، فيفقد المجتمع تماسكه. · سيتجرأ كل من هب ودب للقتل تحت أي دافع أو تأويل، وتصبح الدماء رخيصة. · من يقتل جارك اليوم بالدليل سيقتلك غداً بالتأويل، وهذه هي أخطر الرسائل التي تطلقها هذه الأفعال. · القاتل علانية خارج إطار الدولة يسمى مجرماً، والقاتل عن طريق الاغتيال يسمى غداراً، وأياً كانت التبريرات، تبقى التسمية ثابتة. · زرع الأحقاد والثارات التي تمتد لأجيال. · غياب الأمن الذي يعني غياب الاستقرار، والعمل، والحركة، والتنمية. · سيُقتل الكثير ممن لم يثبت عليهم شيء بمجرد الوشاية والافتراء. · تضرر ذوي المقتول، حيث يصبح قتيلهم بمثابة الخائن حتى وإن كان بريئاً. · الكثير ممن تورطوا ربما لا ترقى تهمهم لدرجة القتل. · انتشار الأخبار والدعايات الكاذبة التي تزيد النار اشتعالاً. · تشظي المجتمع وفقدان الثقة بالدولة وببعضهم البعض. · ضياع الحقوق واختلاط الأمور. · اتساع هذه الأفعال يستدعي تدخلاً دولياً، وهذا يمثل انتهاكاً للسيادة الوطنية. · خروج الدولة من دائرة الأمان وهروب رؤوس الأموال والكفاءات. خامساً: تأخر العدالة الانتقالية.. سبب لا مبرر أشرنا في البداية إلى أن تأخر العدالة الانتقالية، أو غيابها، هو أحد الأسباب التي تدفع البعض للخروج على النظام وأخذ حقه بيده. وهذا اعتراف مؤلم بواقع مُرّ، لكنه لا يبرر الفعل، بل يضاعف المسؤولية على الدولة. ما هي العدالة الانتقالية؟ العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل هي منظومة متكاملة تشمل: · المحاسبة الجنائية لمن ارتكبوا الجرائم. · كشف الحقيقة للضحايا والمجتمع. · تعويض المتضررين مادياً ومعنوياً. · الإصلاح المؤسسي لضمان عدم تكرار الانتهاكات. · المصالحة الوطنية التي تعيد اللحمة المجتمعية. وهي ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية؛ لأن من لا يجد طريقه إلى المحكمة، سيجد طريقه إلى السلاح. كيف يؤثر تأخرها؟ · يُحسّ الضحايا وأهاليهم بأن دماءهم مهدرة، فيلجأون إلى القصاص الذاتي. · تُصبِح الدولة في نظر المواطن عاجزة أو متواطئة، وتفقد شرعيتها الأخلاقية. · تُفتح أبواب الفتنة على مصراعيها، إذ ينتشر منطق "اللي ما ياخذ حقه بالليل ياخذه بالنهار". · تُزوّر الروايات وتُختلق المبررات، فيتحول الثائر إلى جلاد، والمظلوم إلى ظالم. · تترسّخ ثقافة الثأر بدل ثقافة القانون، وتنتقل العداوات بين الأجيال. الموقف الشرعي والقانوني من الاحتجاج بالتأخير من منظور الشريعة: الإسلام يقرّ أن الظلم سبب للفتنة، لكنه لا يقرّ بالعدوان كحل. قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: 9]، فالدعوة إلى الإصلاح وليس إلى الانتقام. والشارع الحكيم جعل العدالة من أهداف الدولة، وجعل الصبر على الظلم مع السعي القانوني خيراً من الفوضى، قال ﷺ: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته). من منظور القانون: تأخر القضاء ليس ترخيصاً بالقتل، بل هو عيب في أداء الدولة يتحمّل تبعاته المسؤولون، لكن القاتل خارج القانون يتحمّل هو أيضاً جريمته كاملة، ولا يُعفى بحجّة التأخير، وفقاً لأصول المحاكمات الجزائية في كل الدول. الدولة بين المطرقة والسندان هنا يقع الاختبار الأصعب على الدولة: · إن تركت العدالة الانتقالية تتأخر، فهي تُزرع الفتنة وتدفع المجتمع نحو الهاوية. · وإن أقرّت بالانتقام الفردي، فهي أنهت سيادة القانون وشرّعت الفوضى. الطريق الوحيد هو الإسراع في إرساء العدالة الانتقالية الجادة والعادلة، التي تراعي حقوق الضحايا دون أن تحوّلهم إلى جلادين، والتي تحاسب المذنبين دون أن توسّع دائرة الاتهام لتشمل الأبرياء. توصيات عملية في حال تأخر العدالة الانتقالية 1. وضع جداول زمنية واضحة للعدالة الانتقالية، وإعلانها للرأي العام. 2. تشكيل هيئات مستقلة من القضاة والخبراء وأهالي الضحايا، لمتابعة الملفات الحساسة. 3. تعويض المتضررين مؤقتاً عن الأضرار المادية والنفسية، حتى قبل البتّ النهائي. 4. الإفصاح عن المعلومات تدريجياً، لكشف الحقيقة وقطع الطريق على الإشاعات. 5. الاستعانة بالخبرات الدولية في مجالات العدالة الانتقالية، مع الحفاظ على السيادة الوطنية. 6. العفو المشروط عن بعض مرتكبي الجرائم الأقل خطورة، مقابل الإدلاء بالحقيقة. 7. تكثيف برامج المصالحة المجتمعية على المستوى المحلي، عبر الشيوخ والعقلاء والأئمة. خاتمة: العدالة ليست انتقاماً، والانتقام ليس عدالة ليس عيباً أن تعترف الدولة بتأخّر عدالتها، فالعيب كل العيب أن تستمر في التأخير، وأن تترك المواطن وحيداً في مواجهة ظلمه، فيبحث عن حل بيده يكون وبالاً عليه وعلى مجتمعه. العدالة الانتقالية هي جسر العبور من دماء الماضي إلى أمان المستقبل، ومن يبطئ في بنائه يتحمّل وزر ما يحدث عند انهيار الجسر. فالدولة التي لا تسارع إلى تحقيق العدالة، لا يمكنها أن تلوم المواطن إذا فقد صبره، لكنها يمكنها ـ بل يجب عليها ـ أن تمنعه بالقوة إذا تجاوز القانون، وذلك لحماية المجتمع الأكبر من شرّ الفوضى. والمجتمع الذي يرضى بالانتقام الفردي إنما يرضى بفناء نفسه بيد أبنائه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. آخر الدعوى: أن الحكم لله ثم للقانون، وأن الدماء خط أحمر، وأن العدالة المؤسسية هي الضمانة الوحيدة لحياة كريمة ومستقرة. بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf أستاذ مشارك في كلية القانون الدولي والعلاقات الدولية Generations and Technology University Generations and Technology