الشام: ( بلاد الشام كلها )؛ لماذا تعود دائماً إلى مركز التاريخ؟

بين النص والواقع (3) #الفتن الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو أستاذ مساعد في كلية الاداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية. جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University الشام: ( بلاد الشام كلها )؛ لماذا تعود دائماً إلى مركز التاريخ؟ حين يقرأ الإنسان تاريخ الأمم يلاحظ أن بعض المناطق تمر عبر صفحات التاريخ مرورا عابرا، بينما تبقى مناطق أخرى حاضرة في قلب الأحداث جيلا بعد جيل. ومن أكثر هذه المناطق حضورا أرض الشام. فمنذ آلاف السنين كانت هذه الأرض ملتقى الطرق بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومعبرا للتجارة والجيوش والهجرات، حتى أصبحت نقطة التقاء الحضارات وميدانا لصراع الإمبراطوريات الكبرى. لكن المثير للتأمل أن مركزية الشام لا تظهر في كتب التاريخ وحدها، بل نجد لها حضورا واضحا في كثير من النصوص المأثورة. ففي كتب الفتن والملاحم وأشراط الساعة ترد الشام مرارا بوصفها أرضا تتكرر فيها الأحداث الكبرى والتحولات العظيمة، حتى أصبحت من أكثر الأقاليم ذكرا في هذا الباب. وهنا ينبغي أن ننتبه إلى قضية مهمة: إن النصوص لا تدعونا إلى الانشغال بالتكهنات، ولا إلى ربط كل حادثة بآخر الزمان، وإنما تدعونا إلى فهم السنن التي تتكرر في التاريخ. فالذي يتأمل تاريخ الشام يجد أن موقعها الجغرافي جعلها دائما في مواجهة القوى المتنافسة. وحين ضعفت الدولة الإسلامية كانت الشام من أولى الساحات التي ظهر فيها أثر ذلك الضعف. وحين نهض المسلمون كانت الشام كذلك من أولى الساحات التي ظهر فيها أثر النهوض. ولهذا لم تكن الحملات الصليبية بعيدة عنها، ولا الغزو المغولي، ولا الصراعات الدولية الحديثة. وكأن الجغرافيا جعلت هذه الأرض مرآة تعكس حال الأمة كلها. فإذا كانت الأمة قوية ظهرت آثار قوتها فيها. وإذا كانت الأمة ضعيفة ظهرت آثار ضعفها فيها. ومن هنا نفهم لماذا تعود الشام إلى مركز الأحداث مرة بعد أخرى. فالأمر لا يتعلق بالمصادفة وحدها، بل بعوامل متشابكة من الجغرافيا والتاريخ والسياسة وموقع الأرض نفسها. ولهذا فإن قراءة نصوص الفتن المتعلقة بالشام لا تكتمل دون قراءة تاريخ الشام، كما أن فهم تاريخ الشام يبقى ناقصا إذا أُهملت النصوص الواردة في شأنها. إنها علاقة بين النص والواقع، بين الخبر والتاريخ، بين السنن التي سجلتها الوقائع، والإشارات التي حفظتها الروايات. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، يصبح الواجب هو الفهم الهادئ المتزن، لا الانفعال ولا التسرع في إطلاق الأحكام. فالتاريخ يعلمنا أن كثيرا من الوقائع التي ظنها الناس نهاية المطاف لم تكن إلا مرحلة من مراحل طويلة امتدت بعدها القرون. ويبقى السؤال: إذا كانت الشام تمثل قلب المشرق، فأي المدن كانت عبر التاريخ أكثر تعبيرا عن هذا الدور؟ ولماذا ظلت دمشق وحلب والقدس تتكرر أسماؤها كلما انعطف التاريخ نحو مرحلة جديدة؟ د.محمد سعيد السلمو Generations and Technology جامعة كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية