: المدرسة الخسرويّة في حلب!؟

في سبيلِ العِلمِ: المدرسة الخسرويّة في حلب!؟ بقلم الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش بسم الله الرحمن الرحيم (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) [التوبة]. أمّا بعد: سمعةُ «المدرسة الخسرويّة» عاليةٌ جدّاً، في أوساط المتديّنين وطلبة العلم السوريّين. وتعودُ نسبةُ المدرسة الخسرويّة، إلى والي مدينة حلب في الدولة العثمانية (خسرو بن سنان باشا) التركي، وقد أمر بإنشائها في منتصف القرن العاشر الهجريّ (951 هـ). وقد قامت بنشاط علميّ ظاهر منذ تاريخ إنشائها، حتى أصابَ مدينة حلب زلزالٌ كبير ، عام (1237 هـ) فتوقّف عطاؤها. ثمّ أُعيد افتتاح المدرسة، عام (1340 هـ) بمساعي مدير أوقاف حلب في ذلك الزمان، السيّد يحيى الكيّالي رحمه الله تعالى. عندما كنتُ صغيراً في المرحلة الابتدائيّة؛ كنتُ أسمع في مضافة جدي الحاجّ إبراهيم الحمش أسماءَ علماء حمويّين كبارٍ، تخرّجوا من «المدرسة الخسرويّة» منهم شيوخنا الكرام «محمّد الحامد، ومحمد علي المراد، وسعد الدين المراد» فكنتُ أتشوّق إلى الالتحاق بهذه المدرسة. في تلك الأيّام كان جدّي إبراهيم على صلة قويّة بالشيخ «محمد توفيق الصبّاغ» والشيخ «خالد الشقفة» والشيخ «أحمد سلطان» إضافةً إلى شَيخَي حيّنا «حيِّ الفرّاية» الشافعيَّيْن «عارف ونايف النوشيّ» (1) رحمهم الله تعالى أجمعين. طلبتُ من جدّي أن يسألَ هؤلاء المشايخ عن «المدرسة الخسرويّة» هذه، وبماذا تمتاز عن «الثانويّة الشرعيّة» في مدينة حماة؟ فسألَ جدّي الشيخَ «نايف النوشي» أوّلَ من سألَ، فقال له: «المدرسة الخسرويّة» في حلب، مثل الثانوية الشرعية في حماة، ومنهاجُ الثانويّات الشرعيّة واحدٌ، في سوريّا كلّها، وأولادُ مشايخنا الحمويّين يَتعلّمون في الثانويّة الشرعيّة بحماة، ولا يلتحقون بالخسرويّة في حلب! عندها صرفتُ النظرَ عن الالتحاق بهذه المدرسة، وطلبتُ من والدي أنْ ألتحقَ بالمدرسة الشرعية في حماة، بيد أنّ طلبي هذا رُفضَ بشدّةٍ، بدعوى أنّ المدرسة الشرعية يلتحق بها أبناءُ القرى، والطلبة الذين حصلوا على درجاتٍ ضعيفةٍ في الشهادة الابتدائيّة، شأنها في ذلك شأن «مدرسة الصناعة» بينما كنتُ من أوائل المتفوّقين، الذين حصلوا على الشهادة الابتدائيّة في مدينة حماة. ثمّ علمتُ - فيما بعدُ - أنّ والدي لم يكن يثقُ بالمشايخ الصوفيّة بتاتاً، وكان هواه تبعاً لشيخه الشيخ «سعيد الجابي» الذي لزمه والدي ثلاثَ عشرة سنةً، كما حدّثني، رحمهما الله تعالى. حصلتُ على «الشهادة الثانوية» الفرع الأدبيّ، وقُبلتُ بكليّة الشريعةِ في جامعة دمشق، وفي كليّة الآداب "قسم اللغة العربية" بجامعة حلب. في عام (١٩٧٠) تعرّفت في قاعة كلية الشريعة بجامعة دمشق، إلى عددٍ من خرّيجي «الخسرويّة» في حلب، و«الثانويّة الشرعية» في حماة وحمص ودمشق واللاذقيّة، فلم أجد لديهم ذاك العلمَ الغزيرَ، ولا ذاك التميّز المنقطع النظير! كانوا طلّاباً عاديّين جدّاً، وكانت مشاركاتهم في محاضرات الكليّة محدودةً، وحضورهم لم يكن بذاك! هذا يعني أنّ الشيوخَ المتخرّجين من «الثانوية الخسروية الشرعيّة» والمتخرّجين من «الثانويّات الشرعية» في بقيّة المحافظات السوريّة، والذين لم يتسنَّ لهم متابعةُ دراساتهم في الجامعاتِ؛ هم حملةُ شهادةٍ ثانويّة فحسب، وأنّ هذا التفخيمَ وذاك التضخيم الذي سمعناه؛ ليسا سوى دعايةٍ إعلاميّة لتضخيم أولئك الشيوخ في أنظار العامّة، وهذا سلوكٌ ما يزال حتى يومنا هذا سائداً بين دارسي الشريعة، وللأسف! والله تعالى أعلم. والحمد لله على كلِّ حال. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قد يُستدرك عليّ بأنّ مشايخنا (آل المراد) والشيخ (محمد الحامد) رحمهم الله تعالى؛ هم شيوخ حيّ الفرّاية، والشيخان عارف ونايف؛ ليسا من هذه الطبقة العالية. والصوابُ في هذه المسألةَ؛ أنّ هؤلاء المشايخ الكرام (رحمهم الله تعالى) لم يكن لهم مثقالُ حبّةِ خردلٍ من أثرٍ في هذا الحيّ، كانوا يسكنون فيه، لكنهم لم يكونوا من أهله، إلى أن بنى أهل الحيّ جامع (سعد بن معاذ) فاستلم إمامة المسجد الشيخُ عبدالوَدود المراد رحمه الله تعالى، عندها صار مشايخنا من أهالي حيّ الفرّاية، وكان بعضُ أودلاهم يؤذوننا فيقولون: (حيّ الفرّاية حيّ أبي جهل) سامحهم الله تعالى.