التوبة وحدود الله: بين قبول التوبة وثبات العقوبة في الجرائم الموجبة للحدود : يقلم البروفسور عبد الله التميمي

التوبة وحدود الله: بين قبول التوبة وثبات العقوبة في الجرائم الموجبة للحدود بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله التميمي مقدمة: تمثل الحدود في الشريعة الإسلامية سياجاً لحماية مصالح المجتمع وأمنه، وصيانة لحقوق الله تعالى وحقوق العباد. وقد أجمع علماء الأمة على أن التوبة الصادقة من الذنوب بين العبد وربه مقبولة، ويترتب عليها مغفرة الله تعالى ورضوانه في الآخرة. بيد أن هذه التوبة، فيما يتعلق بالجرائم الماسّة بحقوق الأفراد والمجتمع والتي تُعدّ من "حدود الله"، لا تسقط العقوبة الدنيوية المقدرة شرعاً. وهذا المقال يسلط الضوء على هذه القاعدة، مبيناً أسسها الشرعية وحكمتها وآثارها التطبيقية. أولاً: الحكمة من ثبوت العقوبة رغم التوبة ثبات العقوبة على المتعدي حتى مع توبته يحقق حِكَماً جليلة، منها: · ردع الجناة والعامة: فسقوط العقوبة بمجرد التوبة قد يتخذه المجرمون ذريعة للإفلات من العقاب، مما يهدر أمن المجتمع. · تحقيق العدالة الناجزة: إن الجريمة أحدثت ضرراً في المجتمع أو في فرد، والعدالة تقتضي معاقبة الجاني لاستيفاء حق المجني عليه أو ورثته. · صون هيبة الشريعة: الحدود هي حصون الشريعة، وإسقاطها بالتوبة في هذه الحالات يفقدها هيبتها الوقائية. · تمييز حق الله عن حق العبد: فالتوبة تكفر حق الله في المغفرة، لكنها لا تسقط حقوق العباد التي يجب استيفاؤها. ثانياً: طبيعة جرائم الحدود وعدم سقوط عقوبتها بالتوبة تنقسم الجرائم في الإسلام من حيث متعلق العقوبة إلى قسمين: .1 حقوق الله الخالصة: كبعض الذنوب التي بين العبد وربه، فهذه يتفضل الله بمغفرتها بالتوبة النصوح. .2 جرائم الحدود: وهي العقوبات المقدرة شرعاً لحماية حقوق المجتمع والأمن فيه، وهي تجمع بين حق الله (لانتهاك حرماته) وحق العبد (كحق المقتول أو المال المسلوب). والإجماع منعقد على أن التوبة من هذه الجرائم - رغم فضلها وأثرها في الآخرة - لا تسقط العقوبة الدنيوية المستحقة بحق المجتمع. فالتوبة تكفر الإثم عند الله، ولكنها لا تزيل الأثر الدنيوي للجريمة. ويستند هذا إلى أدلة نصية، كما في قوله تعالى في حد القذف: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً" (النور: 4)، حيث لم تذكر التوبة كمانع لإسقاط الحد. ثالثاً: الآثار المترتبة على مرتكب الحدود (سقوط العدالة) لا يقتصر أثر ارتكاب الجرائم الموجبة للحدود على العقوبة البدنية فحسب، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ "سقوط العدالة". والعدالة شرط في صحة تولي المناصب والشهادات. لذلك فإن من ثبت عليه هذا الجرم – حتى وإن أقيم عليه الحد – فإنه: · لا تقبل شهادته لأنه ساقط العدالة. · لا يلي مناصب الولاية العامة كالقضاء أو الإمارة. · لا يلي وظائف تتطلب الثقة والديانة كالتدريس (إذا كان موضع قدوة) أو الإمامة في الصلاة. والتوبة اللاحقة – وإن كانت مقبولة عند الله – لا ترفع هذا الأثر الدنيوي فوراً، بل تحتاج إلى إعادة اعتبار وثقة من المجتمع، وقد يختلف الفقهاء في المدة والكيفية التي تعود بها عدالته. رابعاً: التوبة من الردة واستثناؤها تنطبق هذه القاعدة بأشد وجوهها على جريمة الردة عن دين الإسلام. فالردة ليست مجرد "رأي" أو "حرية شخصية" في المنظور الإسلامي، بل هي انتهاك لأعلى حرمة وهي حرمة العقيدة، وخروج من جماعة المسلمين. لذلك فإن التوبة من الردة – وإن كانت واجبة ومطلوبة – لا تعفي من العقوبة الدنيوية إذا تمت محاكمة المرتد وإقامة الحجة عليه. وهذا الحكم مما أجمع عليه العلماء. خاتمة: تقف الشريعة الإسلامية موقفاً وسطاً بين الرحمة والعدالة. فالتوبة باب مفتوح للمغفرة والرحمة في الآخرة، لكن العدالة الاجتماعية والأمن العام يقضيان بثبوت العقوبة الدنيوية في جرائم الحدود. وهذا التوازن الدقيق يضمن عدم إهدار حقوق الضحايا، ويحفظ كيان المجتمع من التفكك، وفي الوقت ذاته يبقى باب الأمل في رحمة الله ومغفرته مفتوحاً أمام كل تائب. فالتوبة تُكَفِّر الإثم، والعقوبة تُكَفِّر الإثم أيضاً وتصون الحقوق، فتجتمعان لخير الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة. Generations and Technology University