"الاجتهاد في الفقه الإسلامي" للدكتور محمد معروف الدواليبي دراسة تحليلية شاملة لأطروحة الدكتوراه في جامعة باريس

"الاجتهاد في الفقه الإسلامي" للدكتور محمد معروف الدواليبي دراسة تحليلية شاملة لأطروحة الدكتوراه في جامعة باريس بقلم الأستاذ الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي المقدمة: فقيه في مواجهة الاتهام الغربي في عام 1941، وفي خضم ظروف الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لفرنسا، نوقشت في جامعة باريس أطروحة دكتوراه غير عادية، حملت عنواناً أكاديمياً محايداً: "La Jurisprudence dans le Droit Islamique" (الاجتهاد في الفقه الإسلامي). غير أن خلف هذا العنوان الهادئ، كانت تُدار معركة فكرية لا تقل أهمية عن أي معركة سياسية. مؤلف الأطروحة هو الدكتور محمد معروف الدواليبي (1909-2004)، شخصية فريدة في الفكر العربي المعاصر. فهو ليس مجرد سياسي سوري تولى رئاسة الوزارة مرتين، وليس مجرد مفكر إسلامي عابر. بل هو ظاهرة نادرة: رجل جمع بين تكوينه في القانون الروماني (دبلوم من جامعة السوربون) وتخصصه في أصول الفقه (تدريس المادة في كلية الشريعة بجامعة دمشق). وهذا المزيج النادر هو الذي أنتج هذه الأطروحة الفريدة. لم تكن الأطروحة مجرد عرض تاريخي للفقه الإسلامي، بل كانت رداً علمياً على اتهامات أوروبية قديمة ومستمرة: أن الفقه الإسلامي نظام جامد، غير قابل للتكيف مع الحياة الحديثة، ومحصور في "الإطار الجامد للعقيدة". كان الدواليبي يرى أن هذا الفهم الخاطئ ليس إلا نتيجة "لفهم خاطئ للإسلام نفسه"، الذي لا يُعرف في الغرب إلا من خلال مؤلفات العصور الوسطى المشبعة بروح الحروب الصليبية. صدرت الأطروحة في طبعة مستقلة عام 1941 عن Librairie G. P. Maisonneuve في باريس، ثم أعيد نشرها عام 1981 عن دار الكتاب اللبناني في بيروت، مع مقدمة قيمة بقلم المستشرق الفرنسي الكبير لويس ماسينيون، الذي أشاد بالعمل واعتبره من "أفضل الوثائق عن الإسلام". وقد أتاح ماسينيون للدواليبي الاستفادة من كتب مكتبته الشخصية، مما يعكس ثقته بقدرات الباحث الشاب، ورغبته في دعم مشروع أكاديمي يهدف إلى تقديم صورة مغايرة عن الإسلام والفقه الإسلامي للقارئ الغربي. لمحة موجزة عن لويس ماسينيون: يُعد لويس ماسينيون (1883-1962) أحد أبرز المستشرقين الفرنسيين في القرن العشرين، وأكثرهم تأثيراً في العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والإسلام. كان أستاذاً لعلم الاجتماع الإسلامي في الكوليج دو فرانس منذ عام 1926 وحتى 1954، ومديراً للدراسات في المدرسة العملية للدراسات العليا منذ عام 1932. كرس حياته لدراسة التصوف الإسلامي، وخاصة أعمال الحلاج التي كانت موضوع أطروحته الأساسية. تميز ماسينيون بمنهجه الفريد في فهم الإسلام من داخله، رغم كونه كاثوليكياً متديناً، وسعى إلى إقامة حوار جاد بين الأديان الإبراهيمية. وقد لعبت أبحاثه دوراً في اعتراف الكنيسة الكاثوليكية بالإسلام كدين إبراهيمي في وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني. كان ماسينيون شديد الإعجاب باللغة العربية، ووصفها بأنها "لغة وعي وشهادة". وجاء في مقدمته للأطروحة: "إن مؤلف هذه الدراسة، التي تقوم على معرفة واسعة بالفقه الإسلامي، وخاصة المذهب السني الحنفي، أراد أن يرد على الرأي الشائع في الغرب الذي يؤكد عدم قابلية القانون الإسلامي للتكيف مع مشاكل الحياة الحديثة" (صفحة 4). وأضاف: "وهو مناصرٌ مخلصٌ لشرعية الاجتهاد واستمراريته وخصوبته في الإسلام" (صفحة 4). وختم قائلاً: "ما يجعل هذا العمل ذا قيمة كبيرة، هو النبرة الحيوية للاقتناع القوي الذي يتخلله، والتفاؤل الراسخ الذي يقترح به المؤلف برنامجاً للتطوير الإيجابي للفقه الإسلامي التقليدي في إطار الحضارة" (صفحة 5). القسم الأول: التعريف بالأطروحة – البيانات الببليوغرافية والهيكل 1. البيانات الببليوغرافية الأساسية العنوان الكامل بالفرنسية: La Jurisprudence dans le droit islamique العنوان بالعربية: الاجتهاد في الفقه الإسلامي المؤلف: الدكتور محمد معروف الدواليبي (Marouf Daoualibi) المؤهلات العلمية للمؤلف: · إجازة في الحقوق من الجامعة السورية. · دبلوم في الآداب من المدرسة العليا للآداب بالجامعة السورية. · دبلوم في العلوم الإسلامية من مدرسة حلب (سوريا). · دبلوم في القانون الروماني من جامعة باريس. طبيعة الأطروحة: أطروحة دكتوراه في القانون (Thèse de doctorat en droit)، مقدمة في جامعة باريس (كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية). سنة المناقشة: 1941 (في ظل الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لفرنسا). الناشر الأصلي (الطبعة الأولى): Librairie G. P. Maisonneuve، باريس، 1941. وهي دار نشر متخصصة في المطبوعات الشرقية والأمريكية، وتقع في حي Saint-Germain بباريس. إعادة النشر (الطبعة الثانية): دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1981 (مع مقدمة بقلم لويس ماسينيون). عدد الصفحات: 159 صفحة (في الطبعة الأولى). القياس: 24 سم. رقم النداء في مكتبة المدرسة العادية العليا (ENS) بباريس: H L d 863 8⁰ الإيداع القانوني: صدرت عن Librairie orientale et américaine G.-P. Maisonneuve. المراجع: تتضمن قائمة مراجع في الصفحات [153]-[155] من النسخة الأصلية. 2. مراجعات الأطروحة في الأوساط الأكاديمية حظيت الأطروحة باهتمام الأوساط الأكاديمية الاستشراقية فور صدورها، وقد وردت مراجعة نقدية لها في مجلة Hespéris الصادرة في المغرب، وهي من أبرز المنشورات الأكاديمية المتخصصة في تاريخ شمال أفريقيا والحضارة الإسلامية. كتب المراجعة المستشرق الفرنسي روبرت برونشفيك (1901-1990)، الأستاذ المتخصص في تاريخ شمال أفريقيا الإسلامي والفقه الإسلامي. وقد نُشرت المراجعة في المجلد الثاني والثلاثين من المجلة عام 1945 (الصفحة 115). كما وردت إشارة إلى الأطروحة في Bibliographie marocaine 1940-1943 ضمن العدد نفسه من المجلة. هذه المراجعات تدل على أن الأطروحة نالت اهتمام النخبة الاستشراقية، وأنها لم تمر مرور الكرام في الأوساط الأكاديمية الفرنسية. 3. الهيكل التفصيلي للأطروحة تتكون الأطروحة من الأجزاء التالية: المقدمة وتشمل: · سبب اختيار الموضوع · معنى الاجتهاد في هذه الأطروحة (Le sens de la jurisprudence dans la présente thèse). · خطة البحث . الفصل الأول : فكر الإسلام وجوهره ومقاصده (L'Esprit de l'Islam) · أهمية هذا الفصل. · عصر ظهور الإسلام (في الجزيرة العربية وماحولها). · معنى كلمة "إسلام". · الإسلام في ملامحه الأساسية. · مجال الإسلام (الديني، الاجتماعي، القانوني). · أهداف الفقه في الإسلام. · مصادر الفقه الإسلامي (القرآن، السنة، الإجماع، الاجتهاد). الفصل الثاني :الاجتهاد في المرحلة الأولى – فترة الصحابة (610-700م) · الظروف الاقتصادية للجزيرة العربية قبل الإسلام. · الاجتهاد في حياة النبي (610-632م). · الاجتهاد بعد وفاة النبي (632-700م). الفصل الثالث: الاجتهاد في المرحلة الثانية – فترة فقهاء الإسلام (700-1000م) · الحضارة العربية في أوج ازدهارها. · الحركة العلمية الاجتهادية والمدارس الفقهية الرئيسية (الحنفية، المالكية، الشافعية). · الأدب الفقهي للمدارس. · علم أصول الفقه (Science des sources du Droit islamique). · المذاهب بعد علم أصول الفقه. · العناصر الأساسية للحركة الاجتهادية: المصادر، البيئة، الفقهاء، ودور القانون الروماني. الخاتمة العامة . قائمة المصادر والمراجع القسم الثاني: السياق الأكاديمي والتاريخي للأطروحة 1. جامعة باريس والاستشراق الفرنسي في أربعينيات القرن العشرين كانت جامعة باريس في أربعينيات القرن العشرين واحدة من أعتى مراكز الاستشراق في العالم. وقد سيطر على الدراسات الإسلامية فيها منهج "الاستشراق العلمي" الذي أسسه المستشرقون الفرنسيون مثل إرنست رينان وويليام مارسييه، والذي كان ينظر إلى الإسلام من منظور "تفوق الحضارة الغربية". في هذا السياق، كان الفقه الإسلامي يُدرس في الغالب كـ "قانون ديني جامد"، غير قابل للتطور، ومحصور في العقيدة. وكان المستشرقون يعتبرون أن التطور القانوني في الغرب، خاصة في القانون الروماني والقانون الفرنسي، هو النموذج الوحيد للتقدم، وأن الفقه الإسلامي لا يمكن أن يضاهيه. كان الدواليبي، بتكوينه المزدوج (قانون روماني + فقه إسلامي)، في موقع فريد يسمح له بمخاطبة هذه المؤسسة الأكاديمية بلغتها، والرد عليها بمراجعها الخاصة. 2. مدرسة القانون الروماني في باريس تمثّل الأطروحة التي قدّمها الدواليبي في جامعة باريس تتويجاً لمسيرة أكاديمية استثنائية، جمعت بين تكوينين متباينين. وقد أشرف على هذه الأطروحة أساتذة بارزون من مدرسة القانون الروماني في باريس، كان لهم دور محوري في توجيه البحث ومنحه مصداقية أكاديمية عالية. بيير نويل (Pierre Noailles) (1881-1943): كان أستاذاً للقانون الروماني في كلية الحقوق بجامعة باريس منذ عام 1924 وحتى وفاته عام 1943. حصل على دكتوراه في العلوم القانونية من جامعة بوردو عام 1912، ثم على دكتوراه أخرى في القانون عام 1914. وكان عضواً في المدرسة الفرنسية بروما بين عامي 1921 و1923. من مؤلفاته الرئيسية كتاب "Fas et jus : études de droit romain" (فاس ويوس: دراسات في القانون الروماني)، الذي صدر بعد وفاته عام 1948 عن دار "Les Belles Lettres" بباريس. وهو صاحب المقولة المنهجية التي استشهد بها الدواليبي في أطروحته: "لتكون الفرضية علمية، يجب ألا تتعارض مع الحقائق التاريخية" (صفحة 137). وقد أشاد به الدواليبي في خاتمة الأطروحة، معترفاً بنصائحه القيمة أثناء كتابتها (صفحة 153). أ. إي. جيفار (A.-E. Giffard): كان من أعضاء لجنة المناقشة، ومتخصصاً في القانون الروماني والبانديكت. وقد أشار إليه الدواليبي بالشكر في خاتمة الأطروحة (صفحة 153)، مما يدل على حضور فعّال له في مسار الإعداد والمناقشة. أهمية هذه المعلومات: حضور أساتذة بهذا المستوى في لجنة الإشراف والمناقشة يعدّ دليلاً على أن الأطروحة قُبلت بعد فحص أكاديمي دقيق من قبل متخصصين في القانون الروماني، وليس فقط من قبل مستشرقين. كما أن إشراف بيير نويل، الذي كان في أوج عطائه الأكاديمي، يمنح الأطروحة وزناً أكاديمياً كبيراً. 3. الظروف التاريخية الاستثنائية نوقشت الأطروحة في عام 1941، وهو عام صعب في تاريخ فرنسا: البلاد تحت الاحتلال النازي، والحرب العالمية الثانية في أوجها، والأوضاع الأكاديمية مضطربة. هذا يضيف بُعداً استثنائياً للأطروحة: فهي لم تُنجز في ظروف أكاديمية طبيعية، بل في ظروف استثنائية، مما يزيد من قيمة الجهد المبذول فيها. كما أن مناقشة أطروحة عن الفقه الإسلامي في قلب باريس المحتلة يحمل دلالة رمزية عميقة، إذ يظهر أن الاهتمام الأكاديمي بالفقه الإسلامي استمر رغم الظروف السياسية الصعبة. القسم الثالث: الدافع من وراء الأطروحة ومنهج البحث 1. الدافع: لماذا هذا الكتاب؟ في مقدمة الكتاب، يصرح الدواليبي بأن الدافع الرئيسي لتأليفه هو تصحيح الصورة المشوهة للفقه الإسلامي في الأوساط الأكاديمية الغربية. فهو يلاحظ أن الاقتباسات المتعلقة بالفقه الإسلامي في الكتب الجامعية الأوروبية كانت "سطحية أو غير دقيقة" (صفحة 6)، مما أدى إلى: · تقديم صورة مشوهة لدين يتبعه مئات الملايين من البشر، فيقول: "Il est grave de présenter sous un faux jour un droit répandu dans un monde de milliard d'hommes" (من الخطورة بمكان أن يُقدَّم قانون ينتشر بين مليار إنسان بصورة مشوهة) (صفحة 6). · وصف الفقه الإسلامي بأنه من أكثر الأنظمة القانونية بدائية، فيقول: "Ces citations erronées placent le Droit islamique parmi les Droits les plus primitifs" (هذه الاقتباسات الخاطئة تضع الفقه الإسلامي في مصاف القوانين الأكثر بدائية) (صفحة 6). · حرمان الباحثين الغربيين من الاستفادة من كنوز هذا الفقه. ويستشهد الدواليبي برأي المستشرق الإيطالي دافيد سانتيلانا، الذي كان يقول: "En Europe, d'après une opinion fort répandue, il serait chimérique d'essayer une conciliation entre notre droit et les doctrines de l'Islam. Enserré dans le cadre rigide du dogme, le système musulman serait, dit-on, irréductible à nos formules, hostile à nos idées, absolument incapable de transformation et de progrès par sa nature propre, qui est d'être une loi religieuse" (في أوروبا، وفقاً لرأي واسع الانتشار، سيكون من الخيال محاولة التوفيق بين قانوننا ومذاهب الإسلام. فالنظام الإسلامي، المحصور في الإطار الجامد للعقيدة، كما يقال، غير قابل للاندماج مع صيغنا، معادٍ لأفكارنا، وغير قادر مطلقاً على التحول والتطور بطبيعته الخاصة، كونه قانوناً دينياً) (صفحة 10). هذا الرأي، بحسب الدواليبي، ليس مجرد خطأ أكاديمي، بل هو نتاج تحيز تاريخي يعود إلى العصور الوسطى، حيث كان الغرب يعرف الإسلام فقط من خلال مؤلفات العصور الوسطى المشبعة بروح الحروب الصليبية (صفحة 10-11). وهنا يأتي دور الأطروحة: تقديم صورة علمية دقيقة عن الفقه الإسلامي، تُظهر أنه ليس مجرد قانون ديني جامد، بل هو نظام قانوني متكامل، يقوم على المنطق والاستدلال، ويعرف التطور والتكيف من خلال مؤسسة الاجتهاد. 2. منهج البحث في الأطروحة يعتمد الدواليبي في هذه الأطروحة على منهج متكامل، يمكن وصفه بـ "المنهج الدفاعي الأكاديمي"، الذي يقوم على عدة ركائز: أولاً: الرد على الاتهامات الغربية يبدأ كل فصل من فصول الكتاب تقريباً بعرض رأي غربي خاطئ عن الإسلام أو الفقه الإسلامي، ثم يقدم الدواليبي الرد العلمي عليه. وهذا ما فعله في الفصل الأول عندما بدأ بـ "فهم خاطئ للفقه الإسلامي ناتج عن فهم خاطئ للإسلام". ثانياً: الاستشهاد بالمصادر الغربية الأصلية يستشهد الدواليبي في أطروحته بمصادر غربية موثوقة، مثل: سانتيلانا، غولدتسيهر، غوستاف لوبون، إميل درمنجم، إدوار مونتيه، هنري ماسيه. وهذا يمنح أطروحته مصداقية أكاديمية في عيون لجنة المناقشة الفرنسية، لأنه يخاطبهم بلغتهم وبمراجعهم الخاصة. ثالثاً: الاعتماد على المصادر الفقهية الإسلامية لا يكتفي الدواليبي بالمصادر الغربية، بل يستشهد بالقرآن الكريم، وكتب الحديث (البخاري، المنذري)، وكتب أصول الفقه (الشاطبي، الغزالي، الشافعي، ابن حزم)، وكتب التاريخ والفقه (ابن الجوزي، ابن رشد، ابن خلدون). وهذا يظهر عمق معرفته بالمصادر الأصلية، ويمنح أطروحته عمقاً لا يتوفر لمن يقرأ الفقه الإسلامي من الخارج فقط. رابعاً: المنهج المقارن يقارن الدواليبي بين أحكام الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية، خاصة القانون الروماني والقانون الفرنسي، لإظهار أن الفقه الإسلامي ليس أقل تطوراً منهما. هذه المقارنة كانت جريئة، لأنها تضع الفقه الإسلامي في ساحة المنافسة مع أعرق الأنظمة القانونية في العالم الغربي. خامساً: نقد المصادر الغربية المعارضة لم يكتف الدواليبي بالاستشهاد بالمصادر الغربية المؤيدة له، بل ناقش المصادر الغربية المعارضة، خاصة في مسألة التأثير الروماني. وقد اعتمد في نقده على مبدأ أستاذه بيير نويل: "لتكون الفرضية علمية، يجب ألا تتعارض مع الحقائق التاريخية" (صفحة 137). القسم الرابع: أهم أطروحات الكتاب 1. مرونة الفقه الإسلامي وقابليته للتطور الفكرة المركزية للكتاب هي أن الفقه الإسلامي ليس نظاماً جامداً، بل هو نظام قابل للتطور عبر الاجتهاد. والاجتهاد هو الجهد المبذول بواسطة الاستدلال الاستقرائي، من قبل فقيه إسلامي، لتقديم حلول للمسائل الجديدة التي لم ترد في القرآن ولا في السنة. ويعرف الدواليبي الاجتهاد بأنه: "l'effort accompli au moyen du raisonnement inductif, par un docteur de l'Islam, pour fournir des solutions aux nouvelles questions qui ne sont mentionnées, ni dans le Coran, ni dans la Sunnah" (الجهد المبذول بواسطة الاستدلال الاستقرائي، من قبل فقيه إسلامي، لتقديم حلول للمسائل الجديدة التي لم ترد في القرآن ولا في السنة). ويقسم الاجتهاد إلى مرحلتين: مرحلة الصحابة التي كانت تقوم على التقدير الحر (صفحة 8)، ومرحلة فقهاء الإسلام التي أصبح فيها الاجتهاد خاضعاً لقواعد منهجية هي علم أصول الفقه. ويستشهد بقول المستشرق غولدتسيهر: "إن مبدأ الإجماع يحوي في جوهره قدرة الإسلام على التحرك بحرية والتطور" (صفحة 39)، ثم يضيف الدواليبي: "وإذا كان الإجماع يحوي هذا الجوهر، فالاجتهاد يحويه بقوة أكبر" (صفحة 41). 2. الغنى الاقتصادي للجزيرة العربية قبل الإسلام يريد الدواليبي من خلال هذا القسم أن يُظهر أن الإسلام لم يظهر في بيئة بدائية، بل في بيئة تجارية متقدمة، مما جعل الفقه الإسلامي بحاجة إلى نظام قانوني متطور. ويقدم وصفاً مفصلاً للجزيرة العربية، مستشهداً بغوستاف لوبون وإميل درمنجم وهنري ماسيه، لإثبات أن الجزيرة كانت مركزاً تجارياً عالمياً، وأن قريش كانت تمتلك حساً تجارياً فائقاً وتنظيماً مالياً ومصرفياً متقدماً. يقول الدواليبي: "Le Droit d'un pays représente les conditions de sa vie au point de vue économique" (يمثل قانون أي بلد ظروف حياته من الناحية الاقتصادية) (صفحة 42). ويقول هنري ماسيه: "Il ne faut pas craindre de le répéter : la prédication de Mahomet va s'adresser à des gens qui, depuis longtemps, ont renoncé à leur isolement sauvage... La Mecque fut le centre d'un syndicat de financiers et de trafiquants, tous calculateurs et comptables, en leur qualité de Qoraïchites" (لا نخشى أن نكرر: إن دعوة محمد ستوجه إلى قوم تخلوا منذ زمن طويل عن عزلتهم المتوحشة... كانت مكة مركزاً لنقابة من الممولين والتجار، كلهم اقتصاديون ومحاسبون، بوصفهم قرشيين) (صفحة 47). 3. أصول الفقه كمنهج علمي متقدم يعتبر الدواليبي أن علم أصول الفقه هو أعظم إسهام للفقه الإسلامي في تاريخ القانون. فهو أول نظام قانوني في التاريخ يضع قواعد منهجية للتفسير والاستدلال، بدلاً من ترك الأمر لتقدير القاضي الشخصي. ويعرف علم أصول الفقه بأنه: "la connaissance des règles servant à fournir, suivant les preuves, des solutions aux questions du Droit" (معرفة القواعد التي يُتوصل بها إلى أحكام الفقه من أدلتها) (صفحة 100). ويقارن بين ذلك والقانون الفرنسي، حيث يُترك التفسير لـ "معرفة القاضي المهنية وضميره" (صفحة 106-107)، بينما كان لفقهاء الإسلام "شرف كونهم، لأول مرة في تاريخ القانون، من نظموا التفسير وأخضعوه لقواعد منطقية محددة" (صفحة 112). ويستشهد بقول فقهاء الرومان أنفسهم: "أفضل القوانين هي التي تترك أقل حرية لتقدير القاضي" (صفحة 107)، وهذا اعتراف ضمني بتفوق المنهج الإسلامي في التفسير. 4. المدارس الفقهية الرئيسية يستعرض الدواليبي في هذا القسم المدارس الفقهية الثلاث الكبرى: الحنفية، المالكية، والشافعية، ويبين خصائص كل منها، وموقف كل مدرسة من مصادر الفقه والقياس والاجتهاد. ويشير إلى أن المدرسة الحنفية كانت الأكثر اعتماداً على القياس والعقل بسبب قلة نصوص السنة في العراق، بينما كانت المدرسة المالكية أكثر تمسكاً بالسنة وعمل أهل المدينة، وجاءت المدرسة الشافعية لتجمع بين المنهجين وتضع قواعد علم أصول الفقه. ومع أن الدواليبي عرض المدارس الثلاث، إلا أن تحليله ومنهجه كانا موجَّهين بشكل خاص نحو المذهب الحنفي، مما جعل الأطروحة تعكس – كما أشار ماسينيون في مقدمته (صفحة 4) – رؤية حنفية بشكل كبير، على حساب المذاهب الأخرى. 5. نفي التأثير الروماني على الفقه الإسلامي هذه الأطروحة الأكثر جرأةً وإثارة للجدل في الكتاب. يرفض الدواليبي بشكل قاطع أي تأثير للقانون الروماني، ويعزو أي تشابه إلى المصدر الشرقي المشترك ووحدة العقل البشري. ويعتمد في رفضه على ثلاث حجج رئيسية: · الحجة التاريخية: أن القانون الروماني كان مخصصاً للمواطنين الرومان فقط (صفحة 138)، وأن سكان الشرق احتفظوا بقوانينهم المحلية (صفحة 139-140). · الحجة المؤسسية: أن مدارس القانون الروماني في الشرق (مثل مدرسة بيروت) قد أغلقت أو دمرت قبل الفتح الإسلامي (صفحة 141-142). · الحجة المصطلحية: أن التشابه في المصطلحات بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني هو تشابه لفظي وليس تقنياً، كما يتضح من مقارنته بين "الإجماع" الإسلامي والروماني (صفحة 148-149). القسم الخامس: نقاد الأطروحة وحدود نجاحها 1. يوزف شاخت والمستشرقون المعاصرون لم تخلُ أطروحة الدواليبي من النقد، وإن لم تلقَ ردوداً مباشرة من باحثين بعينهم، بل كانت محل نقاش في أوساط المستشرقين. من أبرز من خالفوا الدواليبي في مسألة التأثير الروماني يوزف شاخت (1902-1969)، الذي يرى في كتابيه "The Origins of Muhammadan Jurisprudence" (1950) و "An Introduction to Islamic Law" (1964) أن الفقه الإسلامي تأثر فعلاً بالقانون الروماني، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر عبر القوانين البيزنطية والقوانين المحلية في سوريا والعراق. ويرى شاخت أن التأثير الروماني جاء عبر القوانين الإقليمية (Provincial law) التي كانت سائدة في المناطق التي فتحها المسلمون، وليس عبر النقل المباشر للنصوص الرومانية. كما يرى باحثون معاصرون مثل باتريشيا كرون (1945-2015) أن مسألة التأثيرات الأجنبية على الفقه الإسلامي المبكر ما زالت محل نقاش، وأن الرفض المطلق للتأثير الروماني قد يكون مبالغاً فيه. وقد ناقشت هذه القضية في كتابها "Roman, Provincial and Islamic Law: The Origins of the Islamic Patronate" (1987). 2. غياب الردود المباشرة من المهم الإشارة إلى أنه لم يُعثر على ردود نقدية مباشرة موجهة إلى أطروحة الدواليبي بعينها، سواء من المستشرقين أو من الباحثين العرب. فالأطروحة تُذكر في سياق الدراسات الفقهية المقارنة، لكنها لم تكن محوراً لنقاش مستقل. ويبدو أن ذلك يعود إلى سببين: · أولاً: أن الأطروحة كُتبت بالفرنسية ولم تُترجم إلى العربية بشكل كامل، مما حد من انتشارها في الأوساط العربية. · ثانياً: أن القضية التي تناولتها – مرونة الفقه الإسلامي – أصبحت محل إجماع نسبي بين الباحثين، بينما بقي الخلاف منصباً على مسألة التأثير الروماني التي لم يحسمها الدواليبي بشكل قاطع. القسم السادس: أثر الأطروحة في الدراسات اللاحقة على الرغم من مرور أكثر من ثمانين عاماً على مناقشة أطروحة الدواليبي، فإنها لا تزال تُعتبر من المراجع المهمة في الدراسات الغربية عن الفقه الإسلامي. وقد نُقل عنها في عدد من الأبحاث الأكاديمية، خاصة تلك التي تتناول موضوع الاجتهاد وأصول الفقه. وتُعد الأطروحة مرجعاً مهماً في الدراسات الغربية عن الفقه الإسلامي، خاصة في فرنسا، حيث لا تزال تُدرس في بعض الأقسام المتخصصة. وهي مُدرجة في فهارس مكتبات كبرى مثل مكتبة المدرسة العادية العليا (ENS) بباريس، ومكتبة موريس للقانون بجامعة ييل، ومكتبة الكونغرس الأمريكي، مما يدل على أنها ما زالت مرجعاً معتمداً. وقد صدرت عنها طبعة ثانية عام 1981 عن دار الكتاب اللبناني في بيروت، مما يؤكد استمرار أهميتها العلمية بعد أربعين عاماً من مناقشتها الأولى. ومع ذلك، فإن الأطروحة لم تحظ بانتشار واسع خارج الأوساط الفرنسية، بسبب عدم ترجمتها إلى العربية، وتركيزها الحصري على المذهب الحنفي، والجدل المستمر حول مسألة التأثير الروماني. القسم السابع: الأطروحة بين الإنجاز والحدود إسهامات · الإطلاع المباشر على المصادر الغربية: الدواليبي يقرأ المستشرقين بلغتهم الأصلية، مما يمنح أطروحته مصداقية عالية. · المعرفة العميقة بالفقه الإسلامي: كأستاذ لأصول الفقه، يمتلك معرفة مباشرة بالمصادر الأصلية. · المنهج المقارن: مقارنة الفقه الإسلامي بالقانون الروماني والقانون الفرنسي كانت جريئة. · الموضوعية النسبية: تعرض آراء الخصوم وتناقشها، مما يعطيها طابعاً أكاديمياً. · القبول الأكاديمي: حصول الأطروحة على قبول لجنة من الأساتذة الفرنسيين، ومقدمة من لويس ماسينيون. ملاحظات 1. التركيز غير المتوازن على المذهب الحنفي: رغم أن الدواليبي أشار إلى المدارس الفقهية الثلاث (الحنفية، المالكية، الشافعية) في الفصل الثالث من أطروحته، إلا أن تحليله ومنهجه كانا موجَّهين بشكل خاص نحو المذهب الحنفي، كما أشار ماسينيون في مقدمته (صفحة 4). هذا التركيز غير المتوازن يجعل الأطروحة أقل شمولية من حيث التغطية المتساوية للمذاهب، ويحد من تعميم استنتاجاتها على الفقه الإسلامي ككل. والجواب على هذه الملاحظة أن التركيز على المذهب الحنفي لم يكن إغفالاً متعمداً للمذاهب الأخرى، بل كان نتيجة لتكوين الدواليبي الأكاديمي في سوريا حيث المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي والقضائي، وأيضاً لأنه المذهب الأكثر اعتماداً على الاستحسان والقياس والعرف، مما يجعله الأنموذج الأقوى لتقديم صورة عن فقه متطور ومرن، وهو ما كان هدف الأطروحة الأساسي. كما أن حجم الأطروحة كعمل دكتوراه محدود، كان من الطبيعي أن يركز على نموذج واحد لتقديم تحليل عميق بدلاً من التشتت بين المذاهب. 2. التجاهل النسبي للخلافات الفقهية: تقدم الأطروحة صورة متماسكة للفقه الإسلامي، وتتجاهل أحياناً الخلافات العميقة بين المذاهب، خاصة المذهب الحنبلي الذي يشير ماسينيون إلى أنه "يصعب إثبات مرونته" (صفحة 4). والسبب في ذلك أن تجاهل الخلافات الفقهية كان ضرورياً لتقديم صورة كلية عن "روح الفقه الإسلامي" وليس عن جزئياته. كان همّ الدواليبي الأكبر هو إظهار أن هناك نظرية قانونية إسلامية متكاملة تقوم على المنطق، وليس مجرد آراء متفرقة. وكان الغوص في جزئيات الخلاف سيشتت القارئ الغربي عن الصورة الكلية، ويجعل الأطروحة تبدو وكأنها سجال فقهي داخلي بدلاً من أن تكون قانوناً فلسفياً رصيناً. 3. نفي التأثير الروماني بشكل مطلق:نفي التأثير الروماني بشكل مطلق كان رداً أكاديمياً واجباً ضد نظريات الاستشراق التي كانت تسلب الفقه الإسلامي أصوليته وتعتبره مجرد "نسخة مشوهة" من القانون الروماني. وكان الرفض المطلق هو الرد الطبيعي لإثبات أصالة الفقه الإسلامي واستقلاليته، خاصة وأن الدواليبي كان يخاطب لجنة من أساتذة القانون الروماني أنفسهم. كما استند في رفضه إلى حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن مدارس القانون الروماني في الشرق كانت قد دُمّرت قبل الفتح الإسلامي، وأن الرومان لم يفرضوا قانونهم على الشعوب المحتلة. 4. الصبغة الدفاعية: تُقرأ الأطروحة أحياناً كـ"دفاع" عن الفقه الإسلامي، وليس كـ"بحث" محايد، مما قد يقلل من قيمتها الأكاديمية لدى بعض النقاد. لكن الصبغة الدفاعية ليست ضعفاً منهجياً بقدر ما هي سبب وجود الأطروحة ذاتها. فالدواليبي يصرح في المقدمة (صفحة 6) أنه رأى في الكتب الجامعية الغربية اقتباسات خاطئة تضع الفقه الإسلامي في مصاف القوانين الأكثر بدائية. في السياق الأكاديمي، يُسمى هذا النوع من الأبحاث "الدراسة الردّية" (Réfutation studies)، وهو نمط معترف به علمياً، خاصة في القانون المقارن. وما يعتبره الناقد "صبغة دفاعية" يمكن قراءته أيضاً، كما فعل ماسينيون، كـ "نبرة حيوية من الاقتناع القوي والتفاؤل الراسخ" (صفحة 5)، وهي صفات تجعل العمل مقنعاً ومؤثراً في الوسط الأكاديمي. القسم الثامن: موقع الأطروحة في سياق الحركة الفكرية العربية الدواليبي لم يكن وحيداً في مشروعه الفكري. فالعقد الذي كتبت فيه الأطروحة (1941) كان زمن تيار "الدفاع عن الإسلام" الذي قاده مفكرون عرب بارزون، منهم طه حسين الذي كان يخاطب الغرب بلغته ويدافع عن التراث العربي، ومحمد عبده ورشيد رضا اللذان أسسا مدرسة الإصلاح الديني، وعلي عبد الرازق الذي أثار جدلاً حول الخلافة والإسلام، وأمين الخولي الذي أسس مدرسة التفسير الأدبي للقرآن. تميز هؤلاء المفكرون بأنهم يجمعون بين التكوين الغربي والانتماء الإسلامي، ويسعون إلى مخاطبة الغرب بلغته الخاصة. وهذا هو السياق الفكري الذي يندرج فيه مشروع الدواليبي. فالأطروحة هي امتداد لجهود هؤلاء الرواد، وإن كانت تتميز بتخصصها الفقهي القانوني الدقيق. كما يمكن وضع الأطروحة في سياق تطور الدراسات الفقهية في الغرب. فقبل الأطروحة، كان الفقه الإسلامي يُدرس في الغرب إما كفرع من الاستشراق (يركز على النصوص والتاريخ)، أو كفرع من القانون المقارن (يركز على المقارنة مع القانون الروماني). أما بعد الأطروحة، فيمكن القول إن الدواليبي كان من أوائل الذين قدموا الفقه الإسلامي كـ نظام قانوني متكامل، يستحق الدراسة لذاته، وليس فقط كموضوع استشراقي أو مقارن. الخاتمة تُعد أطروحة الدكتوراه للدكتور محمد معروف الدواليبي عملاً أكاديمياً رائداً، جمع بين التكوين الغربي في القانون الروماني والعمق الإسلامي في أصول الفقه. وقد استطاعت أن تحقق أهدافها جزئياً: نجحت في تقديم صورة أكثر دقة عن الفقه الإسلامي للقارئ الغربي، وأثبتت أن الفقه الإسلامي ليس نظاماً جامداً، بل نظاماً قائماً على الاجتهاد والتطور، وجذبت انتباه مستشرق كبير مثل لويس ماسينيون الذي كتب مقدمتها بإشادة واضحة. لكن الأطروحة لم تنجح في إقناع الأوساط الأكاديمية بنفي أي تأثير للقانون الروماني، ولا في تقديم صورة شاملة للفقه الإسلامي خارج المذهب الحنفي. ومع ذلك، تبقى الأطروحة شهادة على عبقرية فقهية نادرة، جمعت بين التكوين الغربي والعمق الإسلامي. وهي أيضاً شهادة على قدرة المفكر المسلم على مخاطبة الغرب بلغته وبمراجعه الخاصة، والدفاع عن تراثه الفقهي بأدوات أكاديمية مقنعة. وإذا كانت الأطروحة قد قُدمت في جامعة باريس في أربعينيات القرن العشرين، فإن قيمتها تمتد إلى اليوم، حيث لا يزال الفقه الإسلامي يواجه نفس الاتهامات بالجمود وعدم التكيف مع العصر. توصيات للقراء والباحثين · للقارئ الأكاديمي: يمكن الاستفادة من هذه الأطروحة كمرجع مهم في الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني، مع الانتباه إلى حدودها المنهجية. · للباحث في الفقه الإسلامي: يمكن قراءة الأطروحة لفهم كيف يمكن تقديم الفقه الإسلامي للغرب بأدوات أكاديمية مقنعة، والاستفادة من منهج الدواليبي في الرد على الاتهامات الغربية مع تطويره بما يتناسب مع السياقات المعاصرة. · للقراءة التكميلية: يُنصح بقراءة أعمال يوزف شاخت عن أصول الفقه (The Origins of Muhammadan Jurisprudence، 1950)، وغولدتسيهر عن العقيدة والشريعة (Le Dogme et la Loi de l'Islam، 1920)، وإدوارد سعيد عن الاستشراق (Orientalism، 1978)، لتكوين صورة أكمل عن الموضوع. الملاحق الملحق الأول: الجدول الزمني لحياة الدكتور محمد معروف الدواليبي · 1909: وُلد في مدينة حلب، سوريا. · العقد 1930-1940: أتم تعليمه العالي في سوريا، ثم سافر إلى فرنسا لإكمال دراسته الأكاديمية. · 1941: ناقش أطروحة الدكتوراه "La Jurisprudence dans le droit islamique" في جامعة باريس (كلية الحقوق)، وصدرت في العام نفسه عن Librairie G. P. Maisonneuve في باريس. · 1949-1950: شغل منصب وزير الاقتصاد في سوريا. · 1951: تولى رئاسة الوزراء في سوريا للمرة الأولى (28-29 نوفمبر 1951)، ثم انتُخب رئيساً لمجلس النواب في العام نفسه. · 1954: عُين وزيراً للدفاع الوطني. · 1961-1962: تولى رئاسة الوزراء للمرة الثانية (من 22 ديسمبر 1961 إلى 28 مارس 1962). · 1981: أعيد نشر الأطروحة عن دار الكتاب اللبناني في بيروت، مع مقدمة بقلم المستشرق لويس ماسينيون. · 2004: توفي في الرياض بالمملكة العربية السعودية، ودُفن في البقيع بالمدينة المنورة. الملحق الثاني: عرض مقارن للمدارس الفقهية الثلاث في الأطروحة اهتم الدواليبي في أطروحته بالمدارس الفقهية الثلاث الكبرى: الحنفية، المالكية، والشافعية. وفيما يلي عرض مقارن لكل منها: المدرسة الحنفية: · المؤسس: أبو حنيفة النعمان بن ثابت (80-150هـ / 699-767م). · مكان النشأة: الكوفة في العراق. · الخصائص الرئيسية: تتسم بالعقلانية، وتعتمد على القياس والاستحسان، وتشترط شروطاً صارمة لقبول السنة. · المصادر: القرآن، والسنة (بشروط التواتر أو العمل بها)، والإجماع، والقياس، والاستحسان. · الموقف من القياس: توسعت فيه بشكل كبير، وابتكرت مسائل افتراضية كثيرة لتطوير المنهج. · الانتشار الجغرافي: تركيا، البلقان، آسيا الوسطى، وشبه القارة الهندية. · موقف الدواليبي في الأطروحة: ركّز عليها بشكل خاص، وجعل منها محور تحليله الأساسي، كما أشار ماسينيون في مقدمته (صفحة 4). المدرسة المالكية: · المؤسس: مالك بن أنس الأصبحي (93-179هـ / 712-795م). · مكان النشأة: المدينة المنورة. · الخصائص الرئيسية: تتسم بالتقليدية، وتعتمد على عمل أهل المدينة والسنة المتواترة، وتستخدم المصالح المرسلة. · المصادر: القرآن، والسنة، وعمل أهل المدينة، والإجماع، والمصالح المرسلة، والقياس (نادراً). · الموقف من القياس: تستخدمه ولكن نادراً، وتعتمد أكثر على النصوص وعمل أهل المدينة. · الانتشار الجغرافي: شمال أفريقيا، والأندلس، وبعض مناطق مصر. · موقف الدواليبي في الأطروحة: أشار إليها كواحدة من المدارس الرئيسية، ووصف موقفها من السنة بالتقليدي، لكنه لم يعمق تحليله لها كما فعل مع الحنفية. المدرسة الشافعية: · المؤسس: محمد بن إدريس الشافعي (150-204هـ / 767-820م). · مكان النشأة: غزة، ثم مكة، ثم العراق، وأخيراً مصر. · الخصائص الرئيسية: تجمع بين العقل والنقل، وتعتبر مؤسسة علم أصول الفقه، وتضع قواعد منهجية للاجتهاد. · المصادر: القرآن، والسنة (مع دراسة الرواة)، والإجماع، والقياس. · الموقف من القياس: قبلته ووضعت له قواعد منهجية دقيقة، ورفضت المصالح المرسلة. · الانتشار الجغرافي: مصر، والشام، وجنوب شرق آسيا، والحجاز. · موقف الدواليبي في الأطروحة: أشار إليها كمؤسسة لعلم أصول الفقه، وأشاد بدور الشافعي في تنظيم الاجتهاد، لكنها أيضاً حظيت باهتمام أقل من الحنفية. المصادر والمراجع المصادر العربية: 1. القرآن الكريم. 2. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة. 3. الشافعي، الرسالة. 4. ابن رشد، بداية المجتهد. 5. ابن خلدون، المقدمة. المصادر الفرنسية (الأطروحة والمصادر الأساسية): 1. Al-Dawalibi, Maarouf. La Jurisprudence dans le Droit Islamique. Paris: Librairie G. P. Maisonneuve, 1941. (Thèse de doctorat, Université de Paris). 2. Al-Dawalibi, Maarouf. La Jurisprudence dans le Droit Islamique. Beyrouth: Dar Al-Kitab Allubnani, 1981. (Réédition). 3. Santillana, D. Code civil et commercial tunisien (Avant-propos). Tunis, 1899. 4. Le Bon, Gustave. La Civilisation des Arabes. Paris, 1884. 5. Dermenghem, Emile. La Vie de Mahomet. Paris, 1929. 6. Montet, Edouard. Le Coran. Paris, 1929. 7. Massé, Henri. L'Islam. Paris, 1930. 8. Goldziher, Ignaz. Le Dogme et la Loi de l'Islam. Paris, 1920. 9. Noailles, Pierre. Cours de doctorat : Droit romain approfondi (Les XII Tables). Paris, 1938. 10. Giffard, A.-E. Précis de droit romain. Paris, 1933. 11. Collinet, Paul. Le caractère oriental de l'œuvre législative de Justinien. Paris, 1912. 12. Massignon, Louis. Préface à La Jurisprudence dans le Droit Islamique de Maarouf Al-Dawalibi. Paris, 1941. الأستاذ الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي