حين تُسوَّق الرذيلة باسم السياحة: أيُّ مجتمعٍ نريد؟ بقلم الأستاذ الدكتور هلال درويش درويش أستاذ الفلسفة وعلم النفس وأستاذ الفقه وأصوله تطل علينا بين الحين والآخر بعض المنابر الإعلامية بطرحٍ يحاول إعادة تقديم الرذيلة في صورة "مهنة"، أو اعتبارها وسيلة لتنشيط السياحة وجلب الأموال، بل ويستند أحيانًا إلى مقولة شائعة مفادها أنها "أقدم مهنة في التاريخ". ومهما اختلفت العبارات والأساليب، فإن السؤال الجوهري يبقى واحدًا: هل تتحول المعصية والرذيلة إلى فضيلة إذا حققت ربحًا ماليًا؟ وهل يمكن أن تصبح مخالفة القيم الدينية والإنسانية مشروعًا اقتصاديًا مشروعًا؟ إن الأمم والأوطان لا تُقاس بما تحققه من دخل مادي فحسب، وإنما تُقاس أيضًا بما تحافظ عليه من قيم وأخلاق، لأن الاقتصاد إذا انفصل عن الأخلاق تحوّل إلى وسيلة لهدم الإنسان بدل بنائه. لقد جاء شرائع السماء بحماية الضرورات الخمس، وفي مقدمتها حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل (العِرض) والمال. ومن هنا كان تحريم الزنا تحريمًا قاطعًا، لأنه لا يعتدي على فرد واحد، وإنما يهدد الأسرة، ويهدم الثقة الاجتماعية، ويخلط الأنساب، ويشيع الانحلال الأخلاقي. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. ولم يقل سبحانه: "ولا تزنوا"، بل قال: ﴿ولا تقربوا﴾؛ سدًّا لكل طريق يؤدي إلى هذه الجريمة، من ترويج أو تشجيع أو تطبيع أو تزيين. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19]. وهذه الآية لا تتحدث عن ممارسة الفاحشة فحسب، بل عن نشر ثقافتها، وترويجها، وإشاعتها بين الناس. وإذا كان الإسلام قد حرم الزنا، فإنه كذلك حرم كل وسيلة تؤدي إليه، ونهى عن التبرج، والخلوة المحرمة، وإثارة الشهوات، وأمر بغض البصر، حمايةً للفرد والمجتمع. لكن القضية هنا ليست دينية فحسب، بل هي قضية إنسانية وأخلاقية أيضًا. فهل توجد رسالة سماوية تبيح تحويل جسد الإنسان إلى سلعة تباع وتشترى؟ في التراث المسيحي كذلك نجد موقفًا واضحًا من الزنا والفجور؛ فالوصايا العشر تنص على: «لا تزنِ»، كما ورد في الإنجيل: «اهربوا من الزنى» (الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 6: 18). ومن ثم، فإن تصوير الزنا على أنه "مهنة طبيعية" لا ينسجم مع تعاليم الإسلام ولا مع التعاليم المسيحية. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية في لبنان تؤكد جميعها قدسية الأسرة وحرمة الفواحش، فأين صوتها حين تُطرح مثل هذه الأفكار في وسائل الإعلام؟ إن من واجب المرجعيات الدينية، والمؤسسات التربوية، والمثقفين، وأصحاب الرأي، أن يبينوا الموقف الأخلاقي والشرعي بلغة الحكمة والحجة، بعيدًا عن الإثارة والانفعال، لأن السكوت قد يُفهم على أنه قبول أو تساهل. ويبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ما الذي تريده بعض الوسائل الإعلامية من إثارة مثل هذه الموضوعات؟ هل الهدف نقاش علمي رصين؟ أم رفع نسب المشاهدة؟ أم صناعة الجدل؟ أم محاولة تطبيع المجتمع مع أفكار كانت تُعد قبل سنوات قليلة من المحرمات الأخلاقية؟ إن حرية الإعلام قيمة مهمة، لكنها لا تعني إلغاء المسؤولية الاجتماعية. فالوسيلة الإعلامية لا تخاطب الباحثين والمتخصصين وحدهم، بل تدخل إلى كل بيت، ويشاهدها الأطفال والمراهقون والشباب. وهنا تكمن الخطورة. فالمراهق في مرحلة تتشكل فيها منظومته الفكرية والأخلاقية. وعندما يسمع مرارًا أن الرذيلة "مهنة"، أو أنها "رافد اقتصادي"، أو أنها "خيار شخصي لا شأن للمجتمع به"، فقد يعتاد سماع الفكرة، ثم يتقبلها، ثم يفقد حساسيته الأخلاقية تجاهها. وهذا ما يسميه علماء النفس والاجتماع التطبيع التدريجي مع السلوك المنحرف؛ أي أن التكرار قد يجعل الفكرة أقل صدمة، وإن لم يجعلها صحيحة. ولذلك فإن الكلمة الإعلامية ليست مجرد رأي عابر، بل هي أداة تصنع الوعي وتشكله، وتؤثر في الاتجاهات، وقد تغيِّر القيم لدى الأجيال الناشئة. ثم إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل عاقل هو: إذا فتحنا باب تبرير كل محرم لأنه يدر المال، فأين ستكون الحدود؟ هل تصبح تجارة المخدرات مقبولة إذا حققت أرباحًا؟ وهل يصبح الاتجار بالبشر مشروعًا إذا جذب العملات الأجنبية؟ وهل تتحول الجريمة إلى فضيلة بمجرد أن تدر دخلًا؟ إن معيار الحلال والحرام، والصواب والخطأ، لا يقاس بحجم العائد المالي، وإلا انهارت كل القيم الإنسانية. لقد أثبتت التجارب أن نهضة الأمم لا تقوم على استثمار الشهوات، وإنما تقوم على الاستثمار في الإنسان، والعلم، والتعليم، والإنتاج، والثقافة، والسياحة النظيفة الحلال، والتراث، والابتكار، واحترام الكرامة الإنسانية، لأن الإنسان بنيان الرب ملعون من هدمه. إن لبنان، بما يحمله من إرثٍ تاريخي عريق، ورسالةٍ حضارية وثقافية، وتعددٍ ديني وإنساني فريد، وبما يشكله من قبلةٍ علمية وجامعية يقصدها طلاب المعرفة، وموئلٍ للاستشفاء والخدمات الطبية المتميزة، فضلًا عن طبيعته الخلابة وتراثه الغني، ليس في حاجة إلى تسويق الرذيلة أو الترويج للفاحشة ليجذب الزائرين أو ينعش قطاعه السياحي. فمكانة الأوطان تُبنى بما تختزنه من قيم، وما تقدمه من علم وثقافة وإبداع، لا بما يُسوَّق فيها من مظاهر الانحلال الأخلاقي. إن لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب إعلامي وثقافي مسؤول، يُبرز هويته الحضارية، ويصون كرامة الإنسان والأسرة، ويعزز صورته بوصفه وطنًا للعلم والثقافة والعيش المشترك والحرية المسؤولة، لا أن يُختزل في برامج تبحث عن الإثارة، أو في أطروحات تحاول تزيين الرذيلة وتقديمها وكأنها خيار اقتصادي أو منتج سياحي. وفي الختام، فإن مسؤولية حماية المجتمع ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا المؤسسات الدينية وحدها، ولا الأسرة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة. وإذا كان الإعلام يمتلك قوة التأثير، فإنه مطالب أيضًا بقدر مماثل من المسؤولية الأخلاقية، لأن الكلمة قد تبني أمة، وقد تهدم جيلًا. وستبقى الحقيقة ثابتة: لا يمكن أن تتحول الرذيلة إلى فضيلة بتغيير اسمها، ولا يصبح الحرام حلالًا ولا الحق باطلًا لأنه يحقق ربحًا، ولا تُقاس كرامة الإنسان بما يدره جسده من مال، وإنما بما يحفظه من قيم، وما يصونه من أخلاق، وما يقدمه من خير لمجتمعه ووطنه. الأستاذ الدكتور هلال درويش درويش