احذروا خطر الاستشراق : د.مازن مطبقاني

احذروا خطر الاستشراق بقلم الأستاذ الدكتور مازن صلاح مطبقاني الحمد لله القائل: سيقول السفهاء من النّاس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) البقرة 143(. وصلى الله على سيدنا محمد القائل: (أوتيت خمساً لم يؤتهن أحد من الأنبياء قبلي ... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً، وبعد: فهذه كلمات حول قضية مهمة يغفل عنها كثير من الناس، بل إن معظم الناس قد يسمع بكلمة استشراق، فلا يتأثر ولا يعرف لماذا كان الاستشراق خطيراً. بل ربما رأى البعض أن الحديث عن الاستشراق ترف لا حاجة لنا به. ويرى بعض آخر أن الاستشراق قضية من الماضي البعيد، وليس له وجود الآن، ولكننا نرى أن من الواجب الحديث عن هذا الأمر، وبخاصة في هذا الوقت بالذات الذي كشّر بعض الكفار في الغرب عن أنيابهم، ووصل الأمر بالبعض أن نادى بهدم الكعبة المشرفة. إن الاستشراق كلمة ترد كثيراً في وسائل الإعلام المختلفة ولاسيما في الحديث عن أسباب الحملات الإعلامية المكثفة ضد الإسلام والمسلمين، وبخاصة ضد المملكة العربية السعودية. ولو سألت كثيراً من الناس: ما هذا الاستشراق الذي غذّى ويغذي هذه الحملات الإعلامية العنيفة ضدنا، لوجدت أن أكثر الناس سمعوا بالكلمة، ولكنهم لا يدركون حقيقة معناها. وربما لم يلتفت أحد إلى أهمية دراسة الاستشراق دراسة علمية موضوعية قبل قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة، ولكن جهود هذا القسم انحصرت في الرسائل العلمية التي أنجزها عشرات من الطلاب، ولم يقيض لها الانتشار، وبقي الاستشراق غامضاً ([1]). وثمة سبب آخر للاهتمام بالحديث عن الاستشراق؛ فكم كتب من كتب من أبناء المسلمين ومن الغربيين عن موت الاستشراق أو نهايته، حيث ردد هذه الفكرة أحد كبار المستشرقين وهو برنارد لويس، عندما قال: إن الاستشراق، أو مصطلح الاستشراق قد ألقي به في مزابل التاريخ. وتلقف هذه الفكرة كثير من أبناء المسلمين، محاولين تأكيد موت الاستشراق، اقتناعاً منهم بهذه الفكرة. فأرجو أن يكون في هذه الكلمات ما يؤكد أن الاستشراق مستمر وماضٍ في مخططاته، وإن تغير الاسم من الاستشراق إلى دراسات الشرق الأوسط، أو الشرق الأدنى، أو الدراسات الإقليمية ،أو دراسات المناطق، فما هي إلا مسميات لأصل واحد هو الاستشراق. إن كثيراً مما نراه في العالم الإسلامي اليوم من تراجع عن تطبيق الإسلام، ومن ميل إلى الغرب أو انبهار به، وتبني الأنظمة الغربية والعادات والتقاليد والثقافة الغربية إنما هو من تخطيط الاستشراق. لقد زرع الاستشراق والتنصير في بلادنا عشرات المدارس، بل مئاتها ليتـربّى فيها أجيال غريبة عن عقيدتها وقيمها وثقافتها، تتحدث فيما بينها اللغة الأجنبية أكثر مما تتحدث العربية، قليل منهم - إن وجد - من يصلي أو يصوم، وإن مارسهما فإنما هما طقوس لا تؤثر في حياته. فهو يصلي ثم ينطلق ليتعامل بالربا أو ليعيش حياة بعيدة جدّاً عن الإسلام. ونحن نتحدث عن الاستشراق لا بد أن نؤكد مكانة هذه الأمة وأهمية الرسالة التي تحملها، فإن الله - عز وجل - أراد لها أن تكون الأمة المؤتمنة على خاتم الأديان والرسالات؛ فنبيها هو خاتم الأنبياء والمرسلين، والكتاب الذي جاء معه هو خاتم الكتب، وقد تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الكتاب في قولـه تعالى(إنّا نحنُ نزّلنا الذكرَ وإنّا له لحافظون) (الحجر 9) وقد حملت هذه الأمة الأمانة، فنشرت العلم والمعرفة في شتى أرجاء الأرض، وعرفت البشرية العدل والتسامح، ونهضت هذه الأمة في جميع المجالات الحضارية حتى كانت كما كان الشيخ الغزالي - رحمه الله – يقول: هي العالَمُ الأول خمسة قرون لا تشاركها أمة أخرى في الأولية. كانت تأكل مما تزرع، وتلبس مما تحيك، وتدافع عن نفسها بسلاح هي تصنعه، وكانت تكتب بورق هي صانعته، نعم كان لها في دنيا الحضارة باع كبير، ولكن الخَـلَف من هذه الأمة حين تخلى كثير منهم عن تطبيق الإسلام التطبيق الصحيح أصبحنا من دول العالم الثالث، وأصبح يطلق علينا «الدول النامية» تلطيفاً لعبارة «الدول المتخلفة». ونتساءل يا إخوتي: ما بال هذه الأمة التي اؤتمنت على خاتمة الرسالات قد فرّطت فيها، فلا تكاد تمشي في شارع من شوارعها من أقصى المغرب إلى إندونيسيا حتى ترى من مظاهر التغرب وتقليد الكفار ما يندى له الجبين. لقد قلدناهم في الظاهر فارتدينا ملابسهم، فلا يكاد يند عن تقليد الغرب في اللباس إلاّ الفلاحون والقرويون وبعض دول الجزيرة العربية. أما قَصَّات الشعر فحدث ولا حرج، فلم يعد كثير من المسلمين يعرف الطريقة الصحيحة لتسريحة الشعر؛ وذلك لتأثرنا بما تبثه وسائل الإعلام المختلفة من تلفزيونات وصحف ومجلات، حيث تجد لدى محلات الحلاقة مجلات لهذه القَصّات. وقد عرضت إحدى القنوات التلفزيونية برنامجاً للأطفال يعرض القَصّة الأوربية على أنها القصة العالمية ثم هناك القصات المحلية. وإذا تركنا اللباس والشعر، وانتقلنا إلى طعامنا وشرابنا، فماذا نجد؟ لقد غرقنا في تقليد القوم في طعامهم وشرابهم، لقد أدمنّا المشروبات الغازية التي توزع لدينا بملايين الأطنان، وصرنا نعبئها في قوارير في بلادنا، ونفخر بأنها صناعة وطنية، وليس لها والله من الوطنية إلاّ الاسم. وأدمنّا المايونيز والكاتشب والتوباسكو، وتعودنا الهامبرجر، ألا تعلمون أيها الأحبة أن الجزء الأول من اسم هذا الطعام الهام يعني لحم الخنزير – أجاركم الله- وإن كانت كتب اللغة الإنجليزية المدرسيّة في المملكة تسمّي هذا الطعام، «الطعام الزبالة»، ولكن مع ذلك نصرُّ على تنـاوله، بل والإكثار منه. ونتساءل: كيف وصلنا إلى التأثر بهم في الطعام إلى هذه الدرجة؟ أليس من الاختلاط بهم، والعيش معهم، ومشاهدة أفلامهم، والدراسة في مدارسهم وجامعاتهم؟ وإذا انتقلنا إلى اللغة التي نتحدث بها، فيا لهول ما نقف عليه من كم الألفاظ الأجنبية التي دخلت لغتنا! كأننا نفتخر أننا نعرف بضع كلمات باللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأوربية. وما أشبه الليلة بالبارحة، فقبل قرون كان شباب النصارى يتسابقون إلى معرفة اللغة العربية وإتقانها، بل إنهم أصبحوا يقولون الشعر باللغة العربية، بينما لا يحسنون اللاتينية لغة العلم والمعرفة عندهم. وكان الشباب النصارى أيضاً يرتدون الأزياء العربية ليعلنوا عن تحضرهم ورقيهم. فصاح أحد كبار الرهبان النصارى قائلاً: «إذا لم يكف هؤلاء الشبان الرقعاء عن التشبه بالعرب والمسلمين فسوف نعاقبهم عقاباً أليماً». فأين العالِم المسلم أو الفقيه الذي ينادي في شباب المسلمين اليوم أن تمسكوا بالإسلام واتركوا ما أنتم فيه من تقليد أعمى...؟ وإذا دخلنا بيوتنا لننظر في أوضاع تلك البيوت، فإذ بها ممزقة لا محبة فيها ولا رحمة، ولا سكن.. الرجل في واد والمرأة في وادٍ آخر والأولاد طبعاً في وادٍ ثالث. تُضطهد المرأةُ لجهل الرجل بالإسلام، ويعاني الرجل من استرجال المرأة، ناهيك عن ميوعة الشباب، حتى صح فينا قول الشاعر: وما عجبي أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجيب كما تعاني بيوتنا من التأثر بالدعوة الغربية المزعومة لتحرر المرأة. وما ذاك إلاّ لجهل المرأة أن التحرر الحقيقي إنما هو في الإسلام، فهي تحارب الرجل وتستخدم معه كل الأسلحة التي تملك والتي لا تملك. أما الرجل فبدلاً من أن يعلمها كيف أن الإسلام أكرم المرأة وأمر بالإحسان إليها والرفق بها، ومثال ذلك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) تجده يعلن الحرب عليها أيضاً. وقد يكون أيضاً من دعاة تحرر المرأة المزعوم فلا يرى بأساً من أن تخرج المرأة متبرجة؛ بل تراه يدعو إلى ذلك ليقال عنه: إنه متحضر أو متقدم أو بلغ درجة عالية من الرقي. وما سبب ذلك إلاّ تلك السموم التي زرعتها وسائل الإعلام المختلفة في بيوتنا وفي أسرنا من خلال الأفلام والروايات، ومن خلال تقديم النماذج الغربية على أنها النماذج المثالية التي يجب أن نقلدها ونسير على منوالها. وليس أمر الاهتمام بالمرأة مصادفة، ولكن أعداء هذه الأمة جربوا كافة الأسلحة لمحاربتها، فوجدوا أن تغريب المرأة وإغراءها بالخروج والمطالبة بالمساواة المزعومة ودعوتها إلى أخذ الحقوق والزج بها في مجالات اللهو والخنا والميوعة من أقوى الأسلحة لمحاربة هذه الأمة. ولا يغيب عن بالنا أن نابليون حين جاء مصر محتلاً جاء بعدد من المومسات الفرنسيات، واختطف عدداً من النساء المصريات وأجبرهن على الدعارة، فهو سلاح قديم جدّاً. نعم الإسلام حرر المرأة وليس غيره، فقد انتقل بها من كونها متاعاً وسلعة إلى إعطائها مكانتها التي ارتضاها لها، حيث ضمن لها آدميتها وكرامتها؛ بل زاد على ذلك بأن نادى وأصر على معاملة المرأة بالرحمة. ألم يكن من بين آخر وصايا الرسول عليه الصلاة والسلام الإحسان إلى النساء عموماً بقولـه: «واستوصوا بالنساء خيراً». لقد نال موضوع المرأة في المجتمعات الإسلامية من الاهتمام أكثر ممَّا ناله أي موضوع آخر، فصدرت عشرات المجلات أو مئاتها، وكتبت الكتب، ودبـّجت المقالات تدعو إلى التحرر المزعوم. وامتلأت القنوات الفضائية بالداعيات للتحرر المزعوم، فلا يكاد يمر أسبوع دون أن تظهر نوال السعداوي، أو من على شاكلتها في إحدى هذه القنوات الفضائية. كما تعاني بيوتنا أيضاً من أنواع من عقوق الوالدين، فلم يعد ذلك الاحترام للوالدين أو المحبة التي تفوق أي محبـة، ولم يعد الوالدان يعاملان الأبناء بتلك الرحمة والمودة التي ينبغي أن تسود العلاقات في المنزل الواحد. ولقد طغت المادة على العلاقات بين أفراد البيت الواحد. ومن أهم أسباب السوء في العلاقة بين الوالدين والأبناء ما تبثه الأفلام الأجنبية من خروج الأبناء وبخاصة البنات من بيوت والديهم في سن مبكرة بحجة الاستقلال والتربية الحديثة. وليس هذا فحسب، فلو أدرت مؤشر المذياع في إذاعاتنا لوجدت عجباً من البعد عن الجدية فبين كل أغنية وأغنية أغنية، ومن مذيعة تتكسر وتتثني في حديثها وكأنـها لم تسـمع بقـوله تعالى (يا نساءَ النبي لستنَّ كأحدٍ من النساء إنْ اتقيتنَّ فلا تخضعنَ بالقولِ فيطمعَ الذي في قلبه مرضٌ وقلنَ قولاً معروفاً) (الآية 32سورة الأحزاب) إلى مذيعة أخرى لا تكاد تحسن اللغة العربية الفصحى، بل غلبت عليها اللغة العامية لهذا البلد العربي أو ذاك. أما البرامج، فكثير منها - كما قال الأستاذ الشيخ أحمد محمد جمال، رحمه الله - تساعد على انحراف الشباب لما فيها من تناقض فهذا برنامج عن صحابي جليل، أو برنامج يتحدث عن الدين والأخلاق يتبعه برنامج حداثي يتناول ما يزعمون أنه تحرير المرأة وخروج المرأة وسفور المرأة واختلاط الرجال بالنساء، وكأنه لا حرمة لذلك الصحابي الجليل الذي لم يغادر طيب رائحته الجو، حتى كان الحديث الممل السخيف عن أنواع مما يسمى التمدن والتحضر. ولو التفت إلى وسائل الإعلام الأخرى، لرأيت العجب، مجموعة ممن يسمون أنفسهم أهل الحداثة أو من آمنوا بمذهب الحداثة، وتظاهروا بأن الأمر مجرد تجديد في أشكال الشعر والنثر، ولكن الحقيقة التي يصرحون بها أن الحداثة نظرة إلى الحياة والكون تختلف عن النظرة التقليدية التي تنطلق من المسلّمات والثوابت التي جاء بها الإسلام الحنيف. إنهم يريدون تدمير الثابت والسائد وتفجير اللغة تفجيراً، ليس التفجير الذي يكون من الإبداع والجمال، ولكن التفجير الذي هو صنو التدمير. وتسلل الحداثيون إلى وسائل الإعلام المختلفة، وجعلوا لهم روابط تربطهم وصلات تجمعهم، وتحزبوا ومنعوا غيرهم من الوصول إلى هذه المنابر؟ ولعلكم تتساءلون معي، لماذا وصلنا إلى هذه الحال؟ إننا نسمع دائماً أن أحد ملوك الفرنجة (الملك الفرنسي لويس التاسع) قد سجن في مصر، وفي أثناء سجنه فكّر طويلاً في أسباب هزيمة الصليبيين من قِبَل المسلمين، مع أن الصليبيين لم تكن تنقصهم المعدات والعتاد والرجال والقوة والشجاعة وحب القتال. فتوصل إلى أن المسلمين لا يمكن هزيمتهم عسكريّاً، بل لا بد من الهزيمة الفكرية النفسية، ولا يمكن أن يكون ذلك إلاّ بالحرب الفكرية العقدية. ولكن من الذي سيقوم بهذه الحرب؟ إن الأمم الغربية المحاربة للإسلام عرفت مكانة الفكر والعلم منذ وقت مبكر، فوجدوا ضالتهم في نوع من الباحثين والمفكرين للتخطيط للمواجهة بينهم وبين الإسلام. أتدرون ما اسم هؤلاء العلماء الذين تخصصوا في دراسة العالم الإسلامي والتخطيط للمواجهة بينه وبين الغرب وسيطرة الغرب عليه؟ إنهم المستشرقون. هؤلاء المستشرقون أطلق عليهم بحق الشيخ الأستاذ محمود شاكر «حملة هموم الشمال المسيحي» جاءوا إلينا في صور شتى وبتخطيط دقيق لمحاربة هذه الأمة. فمن هم المستشرقون؟ إنهم علماء من أهل الكتاب من الغرب (ألحد بعضهم وأنكر وجود الله، وأصبح بعضهم الآخر شيوعيّاً، ومنهم النصراني الحاقد على الإسلام والمسلمين من البروتستانت ومن الكاثوليك، ومنهم اليهودي الصهيوني المؤيد لإسرائيل أو الحاقد على الإسلام والمسلمين فقط لكونه يهوديـّاً ينطبق عليه قول الحق سبحانه وتعالى (لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون) (المائدة 82) نعم من هو المستشرق؟ لأصور لكم نموذجاً من المستشرقين هو باحث انطلق يدرس اللغة العربية والدين الإسلامي، ويدرس المجتمعات الإسلامية، استهواه البحث في قضايا الشريعة الإسلامية، و اهتم بدراسة العقيدة الإسلامية، أو دراسة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. أو استهواه البحث في موضوع المرأة ومكانتها في المجتمع الإسلامي، وعلاقة هذه المكانة بما جاء في القرآن والسنة، هذا المستشرق دخل الجامعة خدمة يقدمها للكنيسة أو بحثاً عن مهنة يجني من ورائها الأموال، فإذا به بعد أن أصبح باحثاً وخبيراً بدأت تستعين به الحكومات الغربية في تقديم المعلومات لها عن العالم الإسلامي وأدق تفاصيل الحياة في المجتمعات الإسلامية. هذا المستشرق يسير في ركاب الاستعمار يقدم له المعلومات والمشورة، ويتجسس على البلاد التي جاءها زائراً باحثاً، ويقوم بالترجمة للحاكم الاستعماري كما فعل كبار المستشرقين الفرنسيين من أمثال أغسطين بيرك، و ولوي ماسينيون، وقبلهما سلفستر دو ساسي أول رئيس لمدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس 1795م. هذا المستشرق كان رحّالة جاب العالم الإسلامي بطلب أو دون طلب من حكومته، ولكنها في النتيجة قدرت جهده وأفادت منه، وأحياناً كانت تكلفه بمهمات معينة، فمن هؤلاء الرحالة من قام بجهد كبير في التحريش بين المسلمين وإثارة العداوات، فيذكر عن الرحالة الإنجليزي إدوارد هنري بالمر أنه كُلِّف بمهمة سياسية في مصر لمنع تأييد البدو لثورة أحمد عرابي، وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى رحّالة آخر هو ريتشارد بيرتون الذي أطلق على نفســه «الحاج عبد الله». ونجح الاستشراق في إقناع محمد علي والي مصر بأن يرسل بعثات دراسية إلى فرنسا ليس لأنها كانت أكثر الدول الأوربية رقيّاً وحضارة، ولكن لأنها كانت قد خرجت من الثورة الفرنسية التي قضت فيها على آخر معاقل الدين، وحطمت ما بقي للدين من نفوذ في النفوس، وبدأت فرنسا تعيش مرحلة من التفسخ والانحلال، فكان ابتعاث الطلاب العرب والمسلمين إليها أمراً مقصوداً. وقد كان هؤلاء الطلاب تحت إشراف المستشرق جومار وعدد من أعوانه. وهل اقتصر الابتعاث على مصر وحدها؟ لا، لقد شاركتها دول أخرى، فها هي تركيا وإيران والمغرب ترسل أبناءها للدراسة في فرنسا، بل إن تركيا تستقدم عدداً من المدربين العسكريين من فرنسا لتدريب قواتها. وهؤلاء المدربون لم يأتوا فقط للتدريب العسكري، بل جاء بعضهم ومعه مؤلفات كبار الأدباء الفرنسيين. أما الطلاب الذين ابتعثوا إلى فرنسا بخاصة والغرب بعامة، فقد كانوا دائماً تحت رعاية الدول الغربية، فقد أنهى طلاب البعثة المغربية إلى فرنسا تدريباتهم ودراستهم، فطلب المشرف على البعثة الإذن لهم من الحاكم المغربي أن يمدد لهم الإقامة في فرنسا ليتشبعوا بحضارتها وعظمتها. ومن العجيب أن مسألة التشبع بحضارة الغرب وعظمته قد كانت مما كتبه نابليون إلى واليه على مصر يطلب منه بعث خمس مئة من المماليك، وإن لم يكن العدد كافياً، فليكن من العرب ومشايخ البلدان «يحتجزون في فرنسا مدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية، ويعتادون على تقاليد فرنسا ولغتها، وعندما يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إليهم غيرهم». هل الاستشراق هو هذا فقط؟ لا إن الاستشراق أعمق من كل هذا؟ لقد درس أبناؤنا في الغرب شتى المعارف من التربية وما أدراك ما التربية؛ فإن عدد الحاصلين على الدكتوراه في هذا المجال أكثر من أي مجال آخر، وكأن الأمر مقصود أن تضيع التربية، أو أن نقلد الغرب في تربيته، ومن المعلوم أن أبرز خصائص الأمم مناهجها التربوية، فإن فقدتها فقدت شخصيتها وكيانها واستقلالها. ودرس أبناؤنا التاريخ، وعلم الاجتماع، والاقتصاد والسياسة، ودرسوا اللغة العربية والأدب، ودرسوا حتى العلوم الشرعية على أيدي المستشرقين. عاد هؤلاء الأبناء إلى البلاد فتولوا المناصب القيادية في شتى مناحي الحياة، فكان منهم المعلم والمربي والموجه، وكان منهم أستاذ التاريخ وأستاذ علم الاجتماع وعلم السياسة والاقتصاد في الجامعة، بالإضافة إلى من تولى منهم مناصب في الإعلام بمختلف مجالاته من تلفاز وإذاعة وصحافة. [1] -قام الدكتور علي النملة بجهد طيب في الكتابة عن الاستشراق، كما أن كاتب هذه السطور والحمد لله وُفّق إلى نشر كثير من المقالات في الصحف والمجلات، بالإضافة إلى تقديمه سلسلة من المحاضرات في الأندية الأدبية بالمملكة حول الاستشراق. https://mazinmotabagani.blogspot.com/2021/07/blog-post_10.html