#اختيار_التخصص_الدراسي بقلم الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو أستاذ مساعد في كلية الاداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية من أعظم الأخطاء التي وقعت فيها مجتمعاتنا العربية أنها جعلت قيمة العلم تابعة لقيمة المال، وجعلت مكانة التخصص تقاس بما يدره من دخل، لا بما يؤديه من رسالة. فإذا ارتفع العائد المادي ارتفعت منزلة التخصص، وإذا قل العائد هبطت منزلته في أعين الناس، حتى أصبح الطالب يختار مستقبله بعين التاجر لا بعين العالم، وبميزان السوق لا بميزان الحضارة. وهذه ليست نظرة علمية، بل هي صورة من صور الفقر الفكري، لأن الحضارات لا تبنى بالنقود وحدها، وإنما تبنى بالإنسان الذي يحسن صناعة النقود، ويحسن توجيهها، ويحسن استعمالها. لقد أوهمتنا المادية الحديثة أن الطبيب والمهندس هما قمة السلم العلمي، وأن ما عداهما إنما هو درجات أدنى. ولو كان الأمر كذلك لما احتاج الطبيب إلى من يربيه، ولا المهندس إلى من يعلمه، ولا الدولة إلى من يشرع لها قوانينها، ولا الأمة إلى من يحفظ تاريخها، ولا المجتمع إلى من يصون لغته وهويته وأخلاقه. إن العلوم ليست طبقات من الشرف، وإنما هي أعضاء في جسد واحد. فإذا اختل عضو اختل الجسد كله. فالعلوم التجريبية تكشف أسرار المادة، والعلوم التطبيقية تحول المعرفة إلى صناعة، والهندسة تشيد العمران، والطب يحفظ الأبدان، والزراعة تؤمن الغذاء، والاقتصاد يدير الثروات. ولكن من الذي يصنع الإنسان الذي يحمل هذه العلوم؟ ومن الذي يغرس فيه الضمير؟ ومن الذي يعلمه معنى العدل قبل أن يتولى القضاء، ومعنى الرحمة قبل أن يمارس الطب، ومعنى الأمانة قبل أن يدير المال، ومعنى المسؤولية قبل أن يمتلك القوة؟ إنها العلوم الإنسانية. فالفلسفة ليست ترفا ذهنيا، بل هي تدريب للعقل على التفكير الصحيح. والتاريخ ليس حكايات للماضين، بل هو ذاكرة الأمم التي تمنعها من تكرار أخطائها. واللغة ليست ألفاظا تحفظ، بل هي الوعاء الذي تحفظ فيه هوية الأمة وعقيدتها وحضارتها. وعلم النفس لا يدرس الإنسان من خارجه، بل يحاول أن يفهم عالمه الداخلي، كما يدرس علم الاجتماع حركة المجتمعات وسنن قيامها وسقوطها. أما علوم الشريعة، فهي تاج هذه العلوم كلها، لأنها لا تبني عقل الإنسان فحسب، بل تبني قلبه وضميره، وتربطه بخالقه، وتجعل العلم عبادة، والعمل أمانة، والقوة مسؤولية. ولهذا لم يكن غريبا أن تكون أمتنا في عصورها الزاهرة أمة علم ودين في آن واحد. كان الطفل يبدأ بحفظ كتاب الله، ويتربى على الأدب قبل الجدل، وعلى الخلق قبل الجاه، ثم ينطلق بعد ذلك إلى الطب أو الفلك أو الرياضيات أو الكيمياء أو الهندسة، فيجمع بين نور العقل ونور الإيمان. ولذلك لم يكن علماؤنا مجرد أصحاب معارف، بل كانوا أصحاب رسالة. وليس من المصادفة أن كبار أطباء المسلمين وفقهائهم ورياضييهم وفلكييهم كانوا يجمعون بين علوم الشريعة وعلوم الكون، لأنهم أدركوا أن العقل إذا انفصل عن الأخلاق تحول إلى آلة، وأن العلم إذا فقد الضمير أصبح خطرا على الإنسان. أما اليوم فقد انقلبت الموازين، حتى صار الناس ينظرون إلى مجموع الطالب قبل أن ينظروا إلى استعداده، وإلى راتبه المستقبلي قبل أن ينظروا إلى رسالته في الحياة. فإن كان مجموعه مرتفعا قالوا له: الطب أو الهندسة. وإن كان دون ذلك قالوا: اذهب إلى العلوم الإنسانية. وكأن الذكاء خلق ليحل مسائل الفيزياء وحدها، ولم يخلق ليفهم الإنسان، أو يقود أمة، أو يضع دستورا، أو يربي جيلا، أو يكتب تاريخا، أو ينهض بلغة، أو يجدد فكرا. وهذا من أعجب الأوهام. فكم من طبيب بارع لا يحسن إدارة نفسه. وكم من مهندس عظيم لا يستطيع قيادة مؤسسة. وفي المقابل، كم من معلم صنع أجيالا، وكم من قاض أقام العدل، وكم من مفكر غير مسار أمة، وكم من عالم شريعة أصلح الله به قلوب الملايين. إن الحضارة لا يصنعها أصحاب المهن وحدهم، وإنما يصنعها أصحاب الأفكار قبل أصحاب الأدوات. فالفكرة هي التي تقود اليد، والضمير هو الذي يوجه القوة، والغاية هي التي تمنح الوسيلة معناها. ولهذا فإن الأمم الراقية لا تحتقر العلوم الإنسانية، بل تنفق عليها كما تنفق على المختبرات، لأنها تعلم أن أخطر أزمة قد تواجهها ليست نقص المهندسين، وإنما نقص الحكماء، وليس قلة الأطباء، وإنما قلة المربين، وليس ضعف التكنولوجيا، وإنما ضعف الإنسان الذي يستخدمها. ويبقى لعلوم الشريعة فضلها الذي شهدت له النصوص، لأنها العلم الذي يصلح علاقة الإنسان بربه، ويقوم أخلاقه، ويهذب نفسه، ويمنحه الميزان الذي يزن به سائر العلوم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين." وليس في هذا انتقاص لبقية العلوم، وإنما بيان لشرف العلم الذي يهدي سائر العلوم إلى غايتها الصحيحة. إن الأمة لا تحتاج إلى طبيب فقط، ولا إلى مهندس فقط، ولا إلى فقيه فقط، بل تحتاج إلى طبيب يخاف الله، ومهندس يتقن عمله، وقاض يعدل، ومعلم يربي، ومفكر يبصر الناس، وباحث يكتشف، وفقيه يجمع بين فهم النص وفقه الواقع. ذلك هو المجتمع المتوازن. أما أن نجعل التخصصات سلما للوجاهة الاجتماعية، ونقيس العقول بدرجات القبول، ونقيس الإنسان بحجم راتبه، فذلك دليل على أن الأزمة ليست في الجامعات، وإنما في طريقة تفكيرنا. فاختر تخصصك بما يلائم موهبتك، لا بما يرضي نظرة الناس. نحتاج الى علماء في الانسانيات بارعين اصحاب مجاميع مرتفعة وليس ان يتوجه اصحاب المجاميع المتدنية الى العلوم الانسانية يجب أن نرتقي بالعلوم الانسانية ونختار اصحاب الدرجات المرتفعة واصحاب الفطنة والذكاء فكم تأخرنا عن ركب العلوم الانسانية بسبب هذه العقلية عقلية الدرجات المرتفعة فقط للطب والهندسة واعلم أن الله لم يخلق علما ليحتقر، وإنما خلق الجهل ليقاوم، وخلق الإنسان ليعمر الأرض بكل علم نافع، وأن الشرف الحقيقي ليس في اسم الكلية، بل في صدق الرسالة، وإتقان العمل، وحسن الأثر الذي يبقى بعد أن يغيب صاحبه. جامعة أجيال وتكنولوجيا وتكنولوجيا جامعة Generations and Technology University