ابن عربي بين قادح ومادح! بقلم الدكتور محمد الحمش

ابن عربي بين قادح ومادح! الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي، رحمه من أعيان التصوف الفلسفي، وله مدرسته الخاصة، والنزاع ليس جديدا حول مقولات له في بعض كتبه واصطلاحات اختلف النظار بين من نسبها له، واعتذروا له بإصلاحه الخاص الذي به عبر عن مواجيده وكشوفاته وحقائقه، وما عاين وشاهد، وبين من جعلها مما دس عليه كالشعراني وغيره. وقد سألت أستاذنا الفاضل الدكتور المرحوم جودة المهدي الطنطاوي عن تلك المقولات المشكلة، فقال ما مفاده: ما لا يقبل التأويل فهو مما دس عليه على ما افاده الشعراني بأن دس عليه في كتبه في حياته، وهناك مباحث وعبارات لا تفهم إلا لمن فتح له الباب الذي فتح للشيخ من الكشف حتى يعاين ما عاين، وإلا فلا يقرأ له، لانه قال: كلامنا حرام على غيرنا! أما عن مدرسته العلمية فهو مجتهد في الأصول والفروع، فلا هو أشعري العقيدة، ولا هو ظاهري المذهب، وإن كانت نشأته مالكية، وهذا ما أفادنا به الاستاذ المعمر المرحوم محمود محمود غراب الذي خدم تراث الرجل اكثر من نصف قرن في كتابه "الفقه عند الشيخ الاكبر" منذ زمن طويل، وقد سمعت منه ذلك أيضا في القاهرة عام ٢٠١٦م واخبرنا بأنه جرى حوار بينه وبين الشيخ الحارون رحمه الله في مجلس وصف به الأخير الشيخ محيي الدين بأنه ظاهري الفقه، فراجعه الأستاذ محمود وأخبره بمقولات للرجل وانه لا يقولها الظاهرية، فطلب من الحارون أن يثبت ذلك ويرجع إلى قوله فاتاه بمجلس آخر بنصوص للشيخ، فلما قرأها أقر بكلام الأستاذ محمود وعدل عن وصفه بالظاهرية. وفي الصفات، بيّن ابن عربي في فصوصه مذهبه فيها؛ أن من جنح إلى التنزيه المطلق (التعطيل) فقد أخطأ وحدّد الحق، ومن جنح إلى التشبيه المطلق (التجسيم) فقد أخطأ وجهل الحق، وأن الصواب هو الجمع بينهما. ​نص كلامه في الفصوص: ​"فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً "وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً وكنت إماماً في المعارف سيداً ومن يقرأ للرجل يجد علوما وفهوما وذكاء متقدا وفتوحا وابداعا يندر أن تجتمع بإنسان. ولكن الذين انتصروا لمقولاته -مشكلة الظاهر- أولوها وقالوا بأن لها محامل يعرفها أصحابها ممن عرف مصطلح الرجل وميزه عن مدلول غيره، وعرف إشارته وفهم رمزه، ولم يدافعوا عن مدلولها الظاهري المشكل الذي يفهم منه مصادمة الشريعة. وحتى نعلم أن الشيخ كتب كثيرا مما يشكل بقصد وصحو دون غلبة وجد فحسب؛ فإنه كان مدركا لما يكتب، ولم يعتذر لمن لم يفهم عبارته فحسب. بل اعتذر لمن كفره واخرجه من دين الإسلام حرصا منه على الشريعة واعتبره في ذلك في أعظم القربات!! قال في كتاب الوصايا، وهو الباب ٥٦٠ (٤/ ٥٤٩) ط: صادر: ​"ونحن قد جعلنا كل من كفّرنا أو بدّعنا أو نسبنا إلى غير ما نحن عليه في حِلٍّ؛ لأنهم ما فعلوا ذلك إلا غيرةً على جناب الحق وحمايةً للشريعة المطهرة، والغيرة على جناب الحق من أعظم القربات." فحتى تنتهي الفتنة الدائرة حوله؛ يجب عدم الانتصار للمقولات مشكلة الظاهر ونشرها بجهل بين الناس، إلا ببيان التأويل لها من عارف بصير والا فالسكوت، وإلا لا يعتب على من رد مقولات تصادم ظاهرها الشريعة وهو يريد بهذا وجه الله، فالشريعة حاكمة، وعلى الظواهر تجري الأحكام، فمن سلم مقصده وصح مسلكه ولجم هواه فلا تثريب عليه بعد ذلك اصاب أم أخطأ!! وبقيت نقطة علمية منهجية، إن من الخطأ المنهجي العلمي الجسيم المعروف عند أهل العلم أن نفسر اصطلاحات الفنون من معاجم اللغة، واكبر من ذلك تفسير اصطلاحات متطابقة المبنى بمدلولات أعراف أصحاب فنون أخرى!!؟؟ فمن الناحية الموضوعية، لماذا يصح للمحدثين والاصوليين من المتكلمين منهم والحنفية، والنحويين والبلاغيين وفقهاء اللغة والمفسرين والقراء وغيرهم أن تكون لمدارسهم وفنونهم وكثيرا من مصنفيهم اصطلاحاتهم الخاصة في كتبهم، ولا يصح أن يكون لابن عربي اصطلاحه الخاص؟ لا شيء يمنع ذلك أبدا! فإن قيل: إن الرجل يكتب بالعربية، قلنا: نعم وكثيرا مما كتبه العلماء العرب قرأه علماء عرب وفهموه، واستغلق على علماء عرب كبار ولم يفهموه، وليس مبنى تلك المؤلفات لا على رمز ولا إشارة ولا كشوفات ومواجيد، ولكن العقول والمواهب الروحية تتفاوت وهي أرزاق!! وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الدكتور محمد الحمش Mohamad Alhamsh أستاذ مساعد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University