أَدَبُ يَا هُو.. سِرُّ المُؤْمِنِ الرَّاقِي

أَدَبُ يَا هُو.. سِرُّ المُؤْمِنِ الرَّاقِي إنَّ الأدبَ في مدرسة العارف بالله الشيخ محمد النبهان -طيب الله ثراه- ليس من السلوكيات الاجتماعية فحسب، بل هو كالشجرة الطيبة، أصلها التوحيد الثابت في القلب، وفرعها السمتُ المهذب الذي يمتدُّ في السماء ليشمل كل ذرة في الوجود. لقد جعل من كلمة (أَدَبُ يَا هُو) شعاراً، وكأنها مظلةٌ وارفة الظلال يستظلُّ بها المؤمن، فلا يغفل عن الخالق طرفة عين، ولا يرى في الكون سوى تجلياتِ قدرته سبحانه. الأدب مع الله تعالى عند الشيخ النبهان كالبوصلة التي لا تنحرف؛ فكما لا تضلُّ البوصلة عن القطب، لا يضلُّ قلبه عن مراد الله عز وجل، هو كالمرايا الصقيلة التي لا تعكس إلا نورَ مرادِ مولاه سبحانه؛ فلا يطلب من غيره، ولا يعتمد على سواه، ولا يجعل لنفسه حظاً يزاحم إرادة الحق، إن خشيته لله تعالى كالجبل الراسخ لا تهزه عواصف الملامة، وتسليمه لأقداره كنهرٍ جارٍ ينحني للصخور في طريقه، يرى في البلاء حكمة، وفي المنع عطاءً مستتراً. أما أدبه مع الخلق فهو كالسَّحابِ الماطر، لا يسقي إلا كلَّ ما هو طيب؛ فقد كان أدبه مع أشياخه كالأرض التي تنحني للسماء تواضعاً وامتناناً، حيث ينسحبُ من مائدةِ الأكلِ تقديراً لمقامهم، ويستقرُّ ودهم في سويداء قلبه، يقول: (كُنَّا مَعَ أَشْيَاخِنَا مُؤَدَّبِينَ، لَا نَأْكُلُ مَعَهُمْ، مَنْ عَلَّمَنِي حَرْفاً كُنْتُ لَهُ عَبْداً). وكان في أدبه مع طلبة العلم والناس كالعطر الذي يفوح فيطيب به من حوله؛ فلا يُنادي أحداً إلا بكنيته، صيانةً لمقامه، وتنزيهاً للسان عن فجاجة الأسماء الصريحة، ويدعو طالب العلم بقوله: (يا شَيْخ)، ويدعو زوجته: (يا أمَّ أحْمَد)، ويدعو أبناءه (يَا بُنَي، يَا وَلَدِي)، فتتفتح القلوب في حضرته كما تتفتح الأزهار لنسيم الصباح. ويقول: (نَظَرِي عَلَى قَدَمِي، فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيَّ أَحَدٌ بَدَأْتُهُ بِـ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَيْفَ قَلْبُكَ مَعَ اللَّهِ؟" وَتَرَكْتُهُ، حَتَّى لَا يَتَكَلَّمَ مَعِي بِأُمُورِ الدُّنْيَا). أما عن أدبه في حضور النساء، فقد كان يرفعُ سقفَ الحياءِ إلى مرتبةٍ تكادُ تلامسُ حدودَ العصمة؛ إذ كان يرى في إطلاقِ البصرِ نحو النساءِ خطراً يوازي في فداحتِه خطرَ الشركِ بالله عز وجل، ولم يتوقف هذا النقاءُ عند الغرباء، بل تسرَّب إلى حماه الخاص؛ فكان حياؤه من محارمهِ سياجاً منيعاً، حتى إنه ليغضَّ طرفه عن محيا أخته، حيث يقول: (أَحْفَظُ عَيْنِي مِنَ النَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ، كَمَا أَحْفَظُ قَلْبِي مِنَ الشِّرْكِ، وَأُخْتِي لَا أَنْظُرُ إِلَى مَا تَحْتَ عَيْنَيْهَا!). وما أجملَ أدبه مع الجمادات! لقد تجلى أدبه في التفاصيل الصغيرة، حتى الجماداتُ كان لها في قلبه نصيبٌ من الأدب والرفق، كفعلِ الطبيبِ الذي يعتني بمرضاه، فكان يُنظفُ قطعة الصابون من رغوتها ليعيد نظافته ونقاءه بعد استخدامه لها، كمن يردُّ الأمانة لأهلها، ويرتبُ جوربه بيديه فيطويه كما يُسوي المرءُ ثوباً نفيساً أو تحفة نادرة، ليواريه ويضعه في مكانه المخصص الذي يليق به بعنايةٍ فائقةٍ، إيماناً منه بأنَّ لكلِ شيءٍ حقاً في التقدير، فما من شيء إلا يسبح لله عز وجل، ومن أدبِ العبدِ أن يحترمَ تسبيحَ الجماداتِ من حوله، حتى الطريق كان في مشيه كالمتأمل في رحلةِ العمر، خافضاً طرفه، لا يكسرُ صمتَ خلوته مع الله تعالى إلا بذكرٍ أو صلاةٍ على النبي الكريم. لقد كان أدبُ الشيخِ النبهان سياجاً منيعاً يحمي حرماتِ الناس؛ فلا يرفعُ ستراً، ولا يقتفي عثرةً، ولا يفتحُ للظنِّ السيئ أو الانتقادِ باباً، كان لسانه محراباً طاهراً ينزهه عن الغيبة والنميمة، فاستحالت نفسُه كالأرضِ الخصبةِ التي لا تنبتُ إلا التواضع؛ إذ لم يَرَ لنفسه فضلاً على أحد، ولا منّةً تُذكر. وإذا ما لاحت له زلّةٌ من أحدٍ، لم تكن عينه كالعدسةِ المكبرةِ للعيوب، بل كان يرفعُ أكفَّ الشكرِ لله تعالى قائلاً: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي)، جاعلاً من تقصيرِ الآخرين درساً بليغاً وموعظةً صامتة، فكأنَّ المسيءَ يقول له بلسان حاله: (هَكَذَا أَنَا فَلَا تَكُنْ مِثْلِي!)، وبحكمتِهِ تلك، كان يجعل من الناسِ جميعاً مرآةً؛ فالمؤدبُ يزيده أدباً، وغيرُ المؤدبِ يعظُه بفعلهِ، فكلهم في مدرستهِ معلمون. وكان يرى أنَّ أيَّ توفيقٍ في هذا الميدان ليس من كسبِ يده، بل هو غيثٌ إلهيٌّ متصل، يترجمه بقوله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. لقد تجسد في (أَدَبُ يَا هُو) كلُّ معنىً للجمال والرفق، حتى غدا وجودُه لوحةً حيةً من الآداب المحمدية، فكان يقولُ والصدقُ يقطرُ من كلماته: (إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي لِحْيَتِي أَدَباً مُحَمَّدِيًّا)؛ دلالةً على أنَّ منهجَه في الحياة كان خيطاً رفيعاً ومُحكماً من السيرة النبوية، حتى أصبح الرجلُ أدباً يمشي على الأرض وأضحى الأدبُ هو الميزانَ الذي يزنُ به حركاتِهِ وسكناتِه، مذكراً إيانا بأنَّ أعظمَ كرامةٍ للعبدِ هي أن يتأدبَ في حضرةِ ربِّه عز وجل وفي جميع شؤونِ خلقِه. إنَّ الأدبَ الذي نتحدثُ عنه ليس رداءً اجتماعياً نرتديه، بل هو سرُّ المؤمنِ الراقي وعنوانُ إيمانه، وبوصلةُ المشاهدةِ التي توجهُ روحَه نحو الخالق سبحانه، فإذا كان العبدُ في حضرةِ "يا هو" (في معيةِ الله)، فإنَّ أدبَه في الطريق، وفي الطعام، ومع الخلق، ومع الجمادات، ينبثقُ من إدراكهِ أنَّه في مشهدِ الربوبية، يعني أنَّ كلَّ تصرفٍ يصدرُ من العبدِ يجب أن يكونَ لائقاً بحضرةِ الحقِّ، فكما لا يجوزُ في حضرةِ الملوكِ إلا أسمى الآداب، فإنَّ العبدَ في حضرتهِ تعالى يتهذَّبُ في كلِّ حركاته، فكأنَّ كلَّ حركةٍ منه هي ركعةٌ أو تهليلة أو تحميدة أو تسبيحة. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو أ Generations and Technology University