من وحي الواقع : الدكتور محمد سعيد السلمو

#من #وحي_الواقع اعذر طالب العلم إذا رأيته قد انصرف إلى عمل لا يمت إلى تخصصه بصلة، أو شغله عن مجالسه وكتبه وبحوثه؛ فما اختار ذلك رغبة في ترك العلم، وإنما ساقته إليه ضرورات الحياة. فالناس جميعا تتيسر لهم أبواب كثيرة من أبواب الرزق، كل يسلك منها ما يلائم طبيعته ومهنته، أما طالب العلم الشرعي، فكثيرا ما تضيق أمامه هذه الأبواب؛ لأن ما قد يليق بغيره لا يليق به، وما يحسن لغيره قد لا يحسن بمن جعل نفسه حاملا لعلم الشريعة، وحارسا لهيبتها. لقد كثرت في زماننا وسائل الكسب، ولا سيما عبر شبكة الإنترنت، من صناعة المحتوى، والتسويق، والإعلانات التجارية، والشراكات الربحية، وغيرها من المجالات التي تدر أرباحا وفيرة في أوقات يسيرة، ولكن كثيرا من طلاب العلم يتورعون عن سلوك كثير من هذه المسالك؛ محافظة على وقار العلم، وصيانة لمكانته، وخشية أن تتحول رسالتهم إلى وسيلة للكسب، أو أن يصبح العلم تابعا لما تفرضه الشهرة والأسواق. ولهذا يضطر كثير منهم إلى أعمال أشد مشقة، وأطول وقتا، وأقل دخلا، لا لأنها أحب إليهم، ولكن لأنها أقرب إلى ما تمليه عليهم مبادئهم، وأبعد عن مواطن الريبة، وأحفظ لكرامة العلم الذي يحملونه. خصوصا بعد الاستيلاء على الاوقاف من الحكومات وصرفها في غير سبيلها الشرعي وليس هذا اعتراضا على قضاء الله، فالأرزاق كلها بيده سبحانه، وهو الذي يقسمها بحكمته وعدله، وإنما هو وصف لواقع يراه الناس كل يوم، ويعرفه من عاش حياة طلب العلم حق المعرفة. وما أصدق ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه»؛ فإن رزق المؤمن ليس بالضرورة كثرة المال، وإنما أن يرزقه الله الكفاية، ويبارك له فيما أعطاه، ويغنيه بالقناعة، ويعينه على أداء رسالته. فإذا رأيت طالب علم يحمل هم المعيشة فوق هم التحصيل، فلا تعجل عليه باللوم، ولا تظن أنه زهد في العلم، بل ادع له أن يوسع الله عليه من فضله، وأن يهيئ للأمة من يكفل علماءها وطلاب العلم، حتى يتفرغوا لما به صلاح الدين والدنيا؛ فإن الأمة لا تخسر شيئا كما تخسر حين تُشغل عقولها بالبحث عن لقمة العيش، بدل أن تنشغل ببناء العلم وإحياء الهداية. الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا