التعاون مع قوى الاحتلال في ميزان القانون الدولي: دراسة في السوابق التاريخية والمساءلة القانونية بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf تتناول هذه الدراسة ظاهرة التعاون مع القوى المحتلة من منظور القانون الدولي، من خلال تحليل نماذج تاريخية من بغداد العباسية إلى غزة المعاصرة. وتهدف إلى رصد الثوابت القانونية والأخلاقية التي تحكم مساءلة المتعاونين مع قوى الاحتلال. مقدمة: بين الخيانة الوطنية والجريمة الدولية يشكل التعاون مع القوى المحتلة إشكالية قانونية وأخلاقية متعددة الأبعاد، حيث يتجاوز مفهوم الخيانة في التشريعات الوطنية ليدخل في نطاق الجرائم الدولية وفقاً لاتفاقيات جنيف ولوائح لاهاي. وتكشف الدراسة التاريخية عن نمط متكرر يؤكد حتمية مساءلة المتعاونين. الإطار القانوني: من الخيانة إلى الجريمة الدولية يصنف القانون الدولي التعاون الطوعي مع قوة الاحتلال في عدة مستويات: · الجريمة الوطنية (الخيانة) وفق تشريعات الدولة المحتلة · جرائم الحرب عند المشاركة في انتهاكات القانون الدولي الإنساني · الجرائم ضد الإنسانية إذا ارتبط التعاون بهجمات منهجية ضد المدنيين التحليل التاريخي: من البساسيري إلى فيتنام .1 حالة البساسيري (1058م): نموذج الخيانة الاستراتيجية تمثل تحالف البساسيري مع الفاطميين ضد الخلافة العباسية نموذجاً مبكراً للتعاون مع قوى خارجية، حيث يمكن تحليله قانونياً على أنه: · تآمر مع قوة أجنبية للإطاحة بالحكم الشرعي · استغلال الفراغ الأمني لقلب نظام الحكم · محو الهوية الوطنية برفع راية القوة الأجنبية .2حرب فيتنام: إشكالية الشرعية الدولية شكل المتعاونون مع الجيش الأمريكي في فيتنام حالة دراسة مهمة للمساءلة القانونية، حيث: · انتقل المتعاونون من حماية القوة المحتلة إلى وضع التشرذم "لاجئين سياسيين"في شتى البلدان. · أثبتت الأحداث عدم حصانة المتعاونين بعد زوال القوة الحامية. التحليل المعاصر: من العراق إلى غزة العراق (2003-2011): أظهر الانسحاب الأمريكي إشكاليات قانونية عميقة تتعلق: · بشرعية السلطات التي تشكلت تحت الاحتلال · المساءلة القانونية للمتعاونين عن جرائم الحقبة الاحتلالية · تداخل المسؤولية بين المحتل والمتعاونين غزة (2023-2024): تمثل الحالة الغزية حتى الآن تطورات في قضية التعاون، حيث: · يحظر القانون الدولي على قوة الاحتلال تجنيد السكان تحت ظروف الإكراه · تتحول أعمال المتعاونين إلى جرائم حرب عند مشاركتهم في استهداف المدنيين. المنظور المقابل: إشكالية التبريرات والظروف المخففة يمكن فهم الظاهرة بشكل أشمل من خلال استعراض الحجج التي يقدمها المتعاونون: · حجة الإكراه (التعاون تحت التهديد) · حجة المصلحة (تقديم خدمات للمدنيين) · حجة الاستقرار (منع ضرر أكبر) غير أن القانون الدولي، خاصة في الجرائم الجسيمة، لا يقبل هذه التبريرات كسبب للإفلات من المساءلة. آليات المساءلة الدولية: من النظرية إلى التطبيق تمتلك المنظومة الدولية أدوات متعددة لمحاسبة المتعاونين: .1 المحاكم الوطنية للدولة المعنية .2 المحاكم الدولية الخاصة (كمحكمة يوغسلافيا السابقة) .3 المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة جرائم الحرب خاتمة: دروس التاريخ وسنن القانون تكشف الدراسة أن مساءلة المتعاونين مع قوى الاحتلال ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل هي: · ضرورة قانونية لتحقيق العدالة الانتقالية · آلية أساسية لردع الانتهاكات المستقبلية · تطبيق لمبادئ المسؤولية الفردية في القانون الدولي وتؤكد السنن التاريخية أن حصانة المتعاونين مؤقتة، بينما تبقى مسؤوليتهم دائمة، مصداقاً للقاعدة القانونية والأخلاقية التي تؤكد أن "الاحتلال يرحل، والحق يبقى، والخائن يُهان". المراجع الأساسية: · اتفاقيات جنيف الأربعة (1949) والبروتوكولان الإضافيان (1977) · نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) · لوائح لاهاي الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية (1907) بقلم الدكتور نضال خلوف Nedal Khalouf مع تحيات كلية القانون الدولي