النوايا الحسنة لا تحيل المعاصي مباحات بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله الخليل التميمي مقدمة: الوهم الكبير وتزيين الشيطان في زمن طغت فيه النسبية الأخلاقية واختلطت فيه المفاهيم، يسعى بعض الناس إلى اختراق حصون الشريعة الإسلامية تحت شعار براق هو "النوايا الحسنة". يظنون أن مجرد وجود نية طيبة – أو ما يُزعم كذلك – كفيل بتحليل الحرام وتحويل المعصية إلى طاعة. هنا تبرز القاعدة الشرعية الثابتة كالصخرة الشامخة في مواجهة هذا التيار: "النوايا الحسنة لا تحيل المعاصي مباحات، فضلاً عن أن تجعلها طاعات يثاب فاعلها". هذه الكلمات ليست مجرد عبارة تتردد، بل هي أساس من أصول الدين، يحمي قدسية النصوص ويصون حرمة الشرع من التحريف تحت مبررات شتى. المبحث الأول: حقيقة النية ومجال تأثيرها الشرعي النية في الإسلام هي روح العبادة وأساس العمل. بها يفرق بين العادة والعبادة، وبها يتمايز الناس في منازلهم عند الله تعالى. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". لكن هذا التأثير العظيم محدود بميدان العمل المشروع أصلاً. · دور النية الإيجابي: تحويل العمل المباح أو المفروض إلى عمل يتقرب به إلى الله، وتمييز العبادات عن بعضها. فالأكل بنية التقوي على طاعة الله يصير عبادة، والسعي للرزق بنية إعفاف الأسرة وكفها عن السؤال يكون طاعة. · حدود النية الحاسمة: النية لا تغير حكم الفعل ذاته. فهي لا تستطيع أن تعكس الأحكام الشرعية. فشرب الخمر يبقى حراماً حتى لو نوى به الشخص تقوية بدنه للجهاد في سبيل الله. والربا حرام حتى لو نوى به الشخص التبرع بأرباحه للفقراء. والكذب حرام حتى لو نوى به إصلاح ذات البين. المبحث الثاني: الأدلة الشرعية على ثبات الحكم لقد جاءت النصوص الشرعية صريحة في تحريم أفعال بعينها، بغض النظر عن الدوافع الكامنة خلفها. · من القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116]. فهذه الآية تحذر من تحليل الحرام أو تحريم الحلال بدافع الهوى والافتراء على الله، حتى لو كانت النوايا - في ظن أصحابها - حسنة. · من السنة النبوية: الحديث العظيم الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". أي مردود غير مقبول، وذلك لأن أساس العمل لم يكن مشروعاً. المبحث الثالث: قاعدة فقهية محكمة ويؤيد هذا المبدأ قاعدة فقهية عظيمة وهي: "الوسائل لها أحكام المقاصد". فإذا كان المقصد مشروعاً، فإن الوسيلة يجب أن تكون مشروعة كذلك. فلا يجوز استخدام وسيلة محرمة للوصول إلى هدف مشروع. فمن أراد أن يتصدق، لا يجوز له أن يسرق مالاً ليتصدق به؛ لأن الوسيلة المحرمة تفسد المقصد المشروع. المبحث الرابع: تطبيقات معاصرة تكشف خطورة الخلط يظهر تطبيق هذه القاعدة جلياً في مواجهة العديد من الانحرافات المعاصرة: .1 المنكرات باسم الفن أو الثقافة: لا تصبح الأفلام أو الأغاني التي تحتوي على مخالفات شرعية حلالاً لمجرد نية الفنان في "تقديم فن راقٍ" أو "نقد اجتماعي". .2 الربا باسم التنمية: لا يتحول الربا إلى حلال لمجرد نية تحقيق نمو مالي أو تمويل مشاريع استثمارية. .3 الاختلاط باسم العمل أو التعليم: لا يصبح الاختلاط غير المنضبط بالضوابط الشرعية مباحاً لمجرد نية طلب العلم أو كسب الرزق. .4البدع باسم حب الرسول ﷺ: لا تتحول البدع في الدين إلى طاعات لمجرد نية المحبة والتقدير للرسول ﷺ. .5 الغش باسم مساعدة المحتاجين: لا يصبح الغش في الامتحانات حلالاً لأن الطالب "نوى" الحصول على وظيفة لمساعدة أسرته. المبحث الخامس: الفرق الجوهري بين إصلاح النية وتحريف الأحكام يجب التفريق بين أمرين لا يختلطان: · الأول: إصلاح النية في العمل المباح: كمن يأكل وينوي بتقويته على طاعة الله، فهذا يؤجر على نيته، والأصل مباح. · الثاني: تبرير المعصية بنية حسنة: كمن يغتاب وينوي بذلك النصيحة! فهنا ارتكب معصية الغيبة، وخدع نفسه بادعاء النية الحسنة. خاتمة: وقفة مع النفس ليتأمل كل منا أعماله: أهي طاعات يرجى لها القبول بنيات صادقة، أم معاصٍ نلبسها ثوب النيات فنخدع أنفسنا قبل أن نخدع غيرنا؟ إن القلب الذي يخفق بحب الله ورسوله حقاً، لا يبحث عن مخارج لتبرير المعاصي، بل يبحث عن أبواب الطاعات ليدخل منها. وقد حذر النبي ﷺ من اتباع الهوى حين قال: "لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". إن هذه القاعدة هي درع الأمة الواقي من الضلال، وحاجزها من الانحراف. فهي تذكرة بأن الشريعة مصدرها الوحي، لا العقل البشري القاصر ولا الهوى المتقلب. فاليقين أن الطاعة ما وافق الشرع، وأن المعصية ما خالفه، وأن للنوايا الحسنة مجالها الواسع في تطهير القلوب وتزكية الأعمال المشروعة، لا في تزيين القبائح وتحقير الثوابت. ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50] أ.د. عبد الله الخليل التميمي الشيخ عبدالله الخليل التميمي الحمصي مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University