لماذا يتكبر بعض أبناء المشايخ الصالحين؟ قراءة واعية في الظاهرة بقلم د.مروان بحري D.Mervan Bahri كثيراً ما نسمع – أو نرى – بعض أبناء البيوت العلمية والدعوية يتصرفون بغرور واستعلاء، ينافي ما ربّاهم عليه آباؤهم. وقد يصل الأمر إلى درجة الجفاء والفجّة التي تنفر القلوب قبل العقول. ليست هذه الظاهرة وليدة اليوم، ولا هي حكر على أبناء المشايخ وحدهم، لكنها في هذا السياق تبدو أكثر إيلاماً؛ لأن الناس تتوقع من بيوت العلم والدعوة - بحكم منزلة آبائهم - أن يكون أهلها أشدّ الناس تواضعاً ورفقاً. فما الأسباب العميقة وراء ذلك؟ وكيف نتعامل معها بوعي؟ أولاً: العيش في الظل، لا في الجوهر نشأ كثير من هؤلاء الأبناء في كنف آباء مشغولين بالدعوة والإفتاء والتأليف. ورثوا الهيبة الاجتماعية والمكانة، لكنهم لم يرثوا مشقّة تحصيلها. ابن الشيخ يحمل اسماً يفتح له الأبواب، لكنه قد لا يحمل المعاناة التي حملها والده في طريق العلم. وحين يفتخر الإنسان بما لم يعمله، يصير كبره تعويضاً عن فراغ داخلي وضعف في الشخصية الذاتية. ثانياً: فقاعة التطبيل الاجتماعي (ظاهرة الهالة) المجتمع، للأسف، يخلع على أبناء العلماء صفات آبائهم، ظناً منه أن العلم والوراثة الجينية شيء واحد! كثرة الإطراء، والانحياز لهم في المجالس، وتجنب نقدهم خوفاً من زعل الوالد، كل ذلك يصنع حولهم فقاعة معزولة عن الواقع. يعتادون أن كل شيء مباح، وأن رأيهم هو الصواب المطلق، فتتنامى في دواخلهم "فجّة" الكبر؛ لأنه لا أحد يجرؤ على كسر هذه القدسية المصطنعة. ثالثاً: الفصل بين الإرث العلمي والإرث الأخلاقي (أزمة التزكية) التقوى ليست صفة جينية تنتقل بالدم. الابن يرث المال والجاه والاسم، لكنه لا يرث الخشية والذوق الرفيع والتواضع الذي كان والده يمارسه في خلواته. ينبع الكبر هنا من خلطهم بين "علم الأب" و"ذاتهم"، مع غياب التزكية العملية. الأب ربما كان يصلي الليل ويبكي، لكن الابن يرى فقط الناس يبجلون الأب، فيتوهّم أن التبجيل حقّ له بالولادة! رابعاً: غياب الناصح الأمين (رادع المجتمع) الناس تتسامح مع زلة ابن العالم أكثر من غيرهم، بحجة "أبوه شيخنا". هذا التسامح المفرط يُفسد الطباع، ويفقده القدرة على قياس ردود أفعاله الحقيقية. يشعر أنه في منأى عن النقد، فيصل به الكبر إلى حدّ الجفاء الذي لا يطاق، ويصبح كمن يمشي على زجاج مكسور لكنه يظنه وسادة وثيرة! خامساً: إنها فتنة وابتلاء (عبرة قرآنية) من منظور دقيق، هذا الكبر ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل هو فتنة للشيخ نفسه (هل رباه حقاً أم فرّط فيه؟) وفتنة للابن (هل يستغله في الدنيا أم يتقي الله فيه؟). قال بعض السلف: "لأن يُبتلى الرجل بذنب يُذله، خير له من أن يُبتلى بطاعة تُطغيه". وتذكر قصة ابن نوح عليه السلام، لم ينفعه نسبه ولا كون أبيه نبياً مرسلاً، لأنه لم يعمل الصالحات. والعبرة في القرآن قطعية: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". رسالة إلى أولئك الأبناء (إن قرؤوا): أيها الشاب الذي حملت اسم أبيك، اعلم أن الناس يحبون أباك لتواضعه وخلقه، لا لاسمه فقط. إن ركبت جواد الكبر، ستسقط عن ظهره عاجلاً أم آجلاً. تواضعْ يرتفع قدرك، فالسماء لا ترتفع إلا بتواضع الأرض للجاذبية. قال النبي ﷺ: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". رسالة إلى من يعاني من تصرفاتهم: لا تعطهم الحجم الذي يطلبونه، ولا تخش في الله لومة لائم. عاملهم بإنسانية رفيعة، ولا تردّ الكبر بكبر مماثل فتنزل إلى مستواهم. أخلاقك الرفيعة هي أقوى ردّ، ودعواتك لهم بالهداية خير من مقاطعتهم الحادة. الكبر صفة إبليس، والله يذل كل متكبر ويرفع كل متواضع. خاتمة: فلنفصل بين مكانة الآباء وسلوك الأبناء. فلنُعطِ كل إنسان قدره بعمله لا بنسبه. وإن كان ابن الشيخ متكبراً، فتذكر أن التواضع هو لباس الأنبياء والأولياء، وأن غروره لا يزيد في ميزان حسناته، بل ينقصها. العبرة بالعمل، والوزن بالتقوى، والرابح من تواضع لله، والخاسر من اغتر بظل والده فنسي الجوهر. الدكتور مروان احمد بحري Mervan Bahri كلية العلوم الاجتماعية #وعي_دعوي #التواضع_من_الإيمان #أبناء_العلماء