عِطْرُ العَفَافِ: (قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ المِسْكِيِّ) تتألق قصص الصالحين في سماء التاريخ كأنها النجوم الزاهرة التي تهدي الحيارى في ظلمات الدياجي، وقصة أبي بكر المِسْكِيّ تنبض بعِبرةٍ تفيض طُهراً كأنها القطرات النقية التي تُغسل بها أدران القلوب، لقد كانت إرادته صلبةً كأنها الصخرة الصمّاء أمام طوفان الشهوات، فما لان عودُه ولا مال، بل بقيت نفسه أطهر من ماء الغمام وأزكى من نسائم الصباح. حين أحاطت به الفتنة إحاطة السوار بالمعصم، وضاقت به السبل حتى صار كمن يمشي على حد السيف، حيث أنَّ امرأةً احتالت عليه حتَّى أدخلته دارَها، وأغلقت دونه الأبوابَ، وراودته عن نفسه، لم يتردد في اختيار طريق النجاة ولو كلفه ذلك ما كلفه، فقال لها: إنَّ لي حاجةً إلى الطَّهارةِ! فأمرتْ جاريةً لها أن تمضيَ به إلى بيتِ الرَّاحةِ ففعلت، فلما دخل أبو بكر المسكي بيتَ الرَّاحةِ أخذ العَذِرةَ فألقاها على جميعِ جسمه مستهيناً بها، فكان ذلك الموقف كأنه البركان الهادئ الذي خمدت نيرانه بحكمة بالغة، مفضلاً مرارة الموقف الفاني على حلاوة الإثم الباقية، لقد كان كمن يرتدي ثوباً من الشوك المؤلم ليتقي به لظى عقابٍ أعظم، فباع دنيا دنيئةً ليشتري بها جنةً عرضها السماوات والأرض. فلما رأته دهشت، ثمَّ أمرت بإخراجه، فمضى واغتسل. لما صدق العزم، جازاه الله تعالى جزاءً وفاقاً، فاستحال ذلك البلاء إلى روضةٍ غناء تفوح بأعطر الأنفاس، وأصبح جسده الشريف يعبق برائحة المسك التي تفوق في طيبها أريج الورد في ربيع الأيام، فصارت طيباً حسيّاً ومعنويّاً يملأ الآفاق. فلما كانت تلك الليلةُ رأى في المنامِ قائلاً يقول له: فعلتَ ما لم يفعله أحدٌ غيرُك، لأطيِّبنَّ ريحَكَ في الدنيا والآخرةِ، فأصبح والمِسْكُ يفوح منه، واستمرَّ ذلك إلى وفاته. لقد أتى الجزاء الإلهي موافقاً لعظم التضحية؛ فصار المسك يفوح منه كأنه الشذا المتصاعد من بساتين الجنة، وأصبحت حياته معطرةً بذكرٍ طيّبٍ يبقى خالداً في أذهان الأجيال كأنه النقش على الصخر، إنها لكرامة عظيمة جعلت من ذكره عطراً يملأ الآفاق، ومثلاً ساطعاً لكل من أراد أن يصون نفسه ويرتفع بها فوق سفاسف الأمور. تظل هذه الكلمات الخالدة نبراساً لكل تائبٍ ومخلص، تذكي القلوب وتوقد فيها جذوة الإيمان، كأنها الشعلة المضيئة في دروب الحياة، لتؤكد دائماً أن جزاء العفة طهارةٌ لا تفنى، وأن من صان عرضه لله تعالى، جعل الله ذكره وريحَه أطيب من أريج المسك والعنبر في الدنيا والآخرة. وهكذا بقيت سيرته العطرة كأنها المسك الأذفر الذي لا تزول حلاوته بمرور الأعوام، ترويها الأجيال كأنها النسيم العليل الذي يبعث الحياة في النفوس الميتة، لتظل شاهدةً على أن من ترك شيئاً لله تعالى، عوضه الله سبحانه خيراً منه وبدل خوفه أمناً وريحه طيباً يفوح في العالمين. [تنبيه: جرى الوقوف على أصل هذه القصة في كتاب «المواعظ والمجالس» لابن الجوزي، صفحة 224]. ملاحظة: وفي العام الميلادي 1986، وأثناء وجودي في العاصمة السورية دمشق، دعاني أحد الأصدقاء لزيارة ضريح الشيخ أبي بكر المسكي، فلبيت الدعوة، توغلنا معاً في حي "ركن الدين" العريق، وعبرنا أزقته الضيقة والمتعرجة حتى بلغنا منزلاً بعينه، بعد أن استأذن رفقائي أصحاب الدار، دخلنا لنتفاجأ بأن القبر يقع في داخل مطبخ المنزل؛ وما زال مشهد الأواني المنزلية النظيفة وهي تلمع بريقاً فوق ضريحه ماثلاً في ذاكري إلى هذه اللحظة. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University America Generations and Technology University