أَوْسِمَةُ المَجْدِ وَأَلْقَابُ الفَخَارِ الحياة الإنسانية زاخرة بالشخصيات التي سطّر التاريخ سيرتها بمداد من النور، ولكن تبقى لرجال الصدر الأول من الإسلام مكانة تتقزّم أمامها أعظم العبارات، وتتكسر عند عتباتها أبلغ الكلمات، ومن بين أولئك الأعلام العظام، يبرز اسم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كوكب في سماء الفضيلة، وبحرٌ زاخرٌ لا يُدرك قعره من العلم والشجاعة والزهد، لقد حظي هذا الإمام الهمام بخصائص ومناقب لم تتوفر لغيره، ومن أبرز معالم تلك السيرة العطرة كناه المباركة التي رافقته كالأَوْسِمَة المضيئة على صدر التاريخ، فلقد حاز كنىً ثلاثاً، كانت كل كنية حكاية ناطقة بفضيلة، ووساماً يروي فصلاً فريداً من حياته الزاخرة بالمعاني العميقة والرفعة الإنسانية. الأولى: أبو الحسن أما كنيته الأولى فهي "أبو الحَسَن"، نسبة إلى ابنه البكر الحسن رضي الله عنه، وكأن هذه الكنية أصل شجرة طابت ثمارها، أو مفتاح باب غُرفت منه معاني الأبوة الكريمة؛ فقد كان الحسن رضي الله عنه كالبدر المنير الذي تلوح أمامه طلائع السيادة، فصارت هذه الكنية لعلي رضي الله عنه وساماً يتقدم الألقاب تقدم السهى أمام الكواكب المضيئة، دلالة على أولى ثمار ذلك البيت الطاهر العطر. الثانية: أبُو السِّبْطَيْن وتجلت الكنية الثانية في لقبه "أبي السِّبْطَيْن"، عائداً بها إلى الحسن والحسين رضي الله عنهما، سبطي نبي الرحمة وخلاصة دوحة النبوة، والسبط في لغة العرب هو ابن البنت، وكأن هذين الإمامين غصنان نضران نبعا من تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، لقد كانا بالنسبة لجدِّهما المصطفى صلى الله عليه وسلم كالعينين في الرأس، أو كالزهرتين الفواحتين في رياض الجنة، فارتفع قدر علي رضي الله عنه بهذه الكنية علواً يجعلها كالسحاب العالي الذي لا تناله أيدي النقص، إذ امتزج فيها شرف الأبوة بشرف النسب المحمدي الأطهر. الثالثة: أبو تراب.. الوسام النبوي الأحب إلى القلب وأما الكنية الثالثة، فهي الدرة اللامعة والتاج الذي طالما افتخر به، ألا وهي "أبو تراب"؛ تلك الكنية التي صارت لديه أحب إلى نفسه من حُمُر النَّعَم، كيف لا وقد نطق بها لسان النبوة الشريف؟ لقد جرت أحداث هذه التسمية المباركة حين أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور ابنته البتول فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فلم يجد علياً في البيت، فسأل عنه قائلاً: أين ابن عمكِ؟ فقالت فاطمة: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج فلم يَقِل (ينم وسط النهار) عندي، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يبحث عنه، فجاء البشير يقول: "هو في المسجد راقد". فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد علياً مضطجعاً قد سقط رداؤه عن شقه، فالتصق التراب بجانبه كأن التراب عاشق تواضع على مس جلد الزاهد العابد، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عنه بحنوٍ ومحبة بالغة، وهو يداعب روحه الطاهرة بابتسامة حانية وقول رقيق: "قُمْ أبا التراب! قُمْ أبا التراب!". فبقي هذا اللقب كالعِقْد الفريد في جيد الزمان، يعكس أسمى آيات التواضع واللصق بالأرض بعيداً عن زخارف الدنيا؛ فصار عليٌّ رضي الله عنه إذا نُودي بها يطير قلبه فرحاً، وكأن تلك الكنية بلسم يداوي جراح الهموم ووسام يغنيه عن كنوز الأرض وما فيها، ظلت ذكراها كالمسك الفواح تعطر جنبات التاريخ الإسلامي على مرّ العصور. يقول الإمام الكرماني في كتابه "الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري" معلقاً على قوله صلى الله عليه وسلم (أين ابن عمكِ؟ يعني زوجها علياً رضي الله عنه. فإن قيل: لِمَ اختار هذه العبارة، ولم يقل أين زوجك؟ أو أين علي؟! قلتُ: لعله صلى الله عليه وسلم فهم أنه جرى بينهما شيء من الجفاء فأراد استعطافها عليه بذكر القرابة النسبية التي بينهما. وتتجلى حكمة النبي صلى الله عليه وسلم البالغة في الإعراض عن الخوض في تفاصيل الخلاف بين ابنته فاطمة وزوجها علي، منعاً لتوسيع هوة الجفاء وتأجيج نار الخصومة، وسداً لذريعة اتساع الخرق بين الزوجين، ولتعلم الأمة كيف تُدار الخلافات بروح المحبة والتسامح؛ ليتوج ذلك الموقف بأخلاق نبوية سامية وكرم نفس عظيم، تمثل في تلطفه البالغ مع زوج ابنته والبر به، متجاوزاً بذلك ما كان بينهما من عتب. وذكر العيني في كتاب "عمدة القاري شرح صحيح البخاري ما يستنبط من هذه الحادثة من أحكام: الأول: فيه جواز دخول الوالد في بيت ولده بغير إذن زوجها. الثاني: فيه استعطاف الشخص على غيره بذكر ما بينهما من القرابة. الثالث: فيه إباحة النوم في المسجد لغير الفقراء ولغير الغريب. الرابع: فيه الممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنية، إذا كان ذلك لا يغضبه بل يؤنسه. الخامس: فيه مداراة الصهر وتسلية أمره في غيابه. السادس: فيه جواز التكنية بغير الولد فإنه صلى الله عليه وسلم كنَّاه "أبا تراب". وزاد قال ابن حجر في فتح الباري: "ويستفاد من الحديث: جواز تكنية الشخص بأكثر من كنية، والتلقيب بلفظ الكنية وبما يشتق من حال الشخص". هكذا تنطوي صفحة من أطهر صفحات السيرة النبوية العطرة، لتترك في قلوبنا أثراً كالمسك الفواح الذي تفتق عن عبيره الزمان، وتسطر لنا درساً خالداً في طيات بساطة العظماء، إن هذه الكنى المباركة لم تكن مجرد ألقاب تُتداول على الألسنة، بل كانت مرايا صافية تعكس حقيقة حياة زاهدة، وقلوباً عامرة بالحب والصفاء والنقاء. لقد غدت قصة "أبي تراب" كالشمعة التي تضيء دروب الأسر والأزواج، تعلمنا كيف تُدار الخلافات بحكمة بالغة بعيداً عن تأجيج النفوس، وكيف يُقابل الجفاء بلطف النبوة ودفء الاحتواء، ويبقى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك الوسام النبوي الرفيع كالبدر في كبد السماء، يزداد شرفاً برفعة من ناداه، وببساطة التصاقه بتراب الطُّهر والإيمان، لتبقى سيرته ومناقبه منارةً يهتدي بها السائرون في ظلمات الدنيا إلى يوم الدين. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University America Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا gtuedu.org