الْحَقُّ النَّاصِعُ وَالْجَدَلُ الْعَقِيمُ

الْحَقُّ النَّاصِعُ وَالْجَدَلُ الْعَقِيمُ في كل عام، ومع إطلالة شهر ربيع الأول، تتجدد العواصف الكلامية وتشتعل النقاشات في مجالس الناس وعبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فريق يجيز الاحتفال، وفريق يمنعه، وكل فريق يلوح بالأدلة التي يراها سنداً لرأيه. ولفهم هذه المسألة بصفاء وجلاء، فإن الدليل يطلب للأصل وحده، ولا يطلب للفرع أو الأثر؛ فالأثر كالشعاع الذي لا يستقل بوجوده عن الشمس، بل يتبعها طوعاً في الظهور والتواري. أمثلة توضيحية من أصول الشريعة وفروعها: المصحف الشريف: تعظيمه أصل ثابت، وطلب الدليل منصبٌ على هذا الأصل. أما تجليد المصحف وتقبيله فهما كالأوراق الخضراء النابتة من تلك الشجرة المباركة، أو كالعطر الذي يفوح من قارورة المسك؛ لا تحتاج كل حركة تعظيم جزئية إلى دليل تخصها، لأنها تسري بمدد الأصل. بر الوالدين: أصل عظيم ناط به الشرع، وطلب الدليل يتعلق به. أما تقبيل أيديهما أو رأسيهما فعادات فاضلة تنبثق عفوياً من ينابيع الحب والبر، وهي كثمار النخلة التي لا يُسأل عن أصل وجودها كلما تساقطت رطباً جنياً، لأنها آثار حتمية لجذر الإحسان. الكعبة المشرفة: تعظيمها أصل مقرر، ولكن تبديل كسوتها سنوياً أو غسلها بالماء العطر ليس عليه دليل تفصيلي بذاته، بل هو كالحُلي المنسوج الذي يتزين به البيت العتيق؛ يجري اعتياده تباعاً لأنه يصب في معين التعظيم الأصلي الثابت. وكذلك الشأن في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو أصلٌ راسخ أحكمت آياته في الذكر الحكيم، كقوله تعالى: {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]. ومن جذور هذا التوقير العظيم تتفرع صور الاحتفال بمولده الشريف؛ فمن الناس من يرتوي من معين سيرته، ومنهم من يغدق بالإنفاق فرحاً كالسحاب المدرار على عياله، ومنهم من يطعم الطعام ويهدي الحلوى، ومنهم من يصدح بالمدائح النبوية طرباً وشوقاً. وكل هذه الأساليب المتنوعة تشبه ألوان الطيف التي تتشكل من نور الشمس الواحد؛ فكلها آثار ناطقة بحب سيد الخلق وحبيب الحق نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يُشترط لكل لون منها دليل مفرد، إذ كفاها شرفاً أنها ابنة شرعية لأصل التعظيم. وليس الشرط في هذه الآثار أن تكون قد فُعلت بحرفيَّتها في زمن السلف والصحابة، بل المعيار الناظم هو ألا تصطدم بأصل من أصول الشريعة؛ فكل فعل يخالف أصول الإسلام فنحن منه براء، كالنهر الذي يرفض كل غثاء دخيل يفسد صفو مياهه. ومن أبدع ما يُسطر في هذا الباب ما قرأناه لفاضل حكيم، من أن أعمارنا أغلى من أن تُهدر في حصر الإجابات الخاطئة، وإنما الواجب تركيز الجهود على تقرير الحقيقة الواحدة: فالحق معادلة واضحة ناصعة:1 + 1 = 2 فقط. أما إفناء العمر في إحصاء الأخطاء التي لا تنتهي (مثل: 1+1 لا يساوي 3، ولا يساوي 4، ولا 5...) فهو كمن ينفخ في رماد خامد أو يحرث في بحر ثجاج، لا يجني من ورائه سوى التعب وضياع الوقت بلا طائل. فليتنا نكف عن هذا الجدل العقيم والمناكفات المُرّة التي مزقت صفنا وأورثتنا الضعف والشتات، وأوقدت نار الفرقة في صدور أمة أمرها الله تعالى بالاعتصام بحبله المتين فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]. خلاصة القول؛ إن محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه هي شجرة أصلها ثابت في قلب كل مسلم، وما مظاهر الفرح والاحتفاء إلا فروعها الممتدة التي تُؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربها. فلنترك الجدال في شكل الأوراق، ولنعتنِ بجذور الشجرة لتطرح لنا ثمار الوحدة والتآخي، ولنجعل من ذكرى المولد النبوي جسراً للتلاقي لا خندقاً للتباغض، ولنردد مع الكون بأسره أناشيد الفرح بمنقذ البشرية ورسول السلام، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. ورحم الله تعالى أمير الشعراء أحمد شوقي إذ صور مولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ببريق النور الذي أنقذ البشرية من دياجير الظلمات: وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University